بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام علی محمد خاتم الأنبياء وإمام المرسلين وعلی آله الطاهرين المنتجبين

 

الحضارة الغربية المعاصرة التی يعيش العالم كله في ظلها وتحت سيطرتها الأن هی من نتاج الرجل الأبيض الذي يعيش في أوروبا أساساً  وفي أمريكا الشمالية وأستراليا وأماكِن أُخری إستيطاناً وإستعماراً.  تلك حقيقة لا شك فيها ولا خلاف عليها.

 

          وبعد مرور أكثر من ٣٠٠ سنة  علی بدء سيطرة حضارة هذا الرجل الأوربي الغربي الأبيض القوقازی المنشاء علی العالم وقيام دولته ، وإزد ياد تمكنها وسيطرتها يوماً بعد يوم علی كافة نواحي وأرجاء العالم وبسط نفوذ سيادتها علی مشارق الأرض ومغاربها ، وبالذات ونحن في القرن الواحد وعشرين، يحق لنا الأن كأمة إسلامية أن نتوقف مع أنفسنا قليلا ً لكي ندرس ونمحص أثار تلك الحضارة الغربية وثمارها ،  بعد أن سيطرت علی حياتنا ومقدراتنا طوال قرنين من الزمان ولا زالت وستظل إلی أن يشاء الله تعالی انتهاء أمدها ومدتها وإنقضاء أيامها المحدودة لها في علم الغيب عنده، فتضمحل  حينئذٍ وتزول كما زال ما كان قبلها من الحضارات التي سيطرت في زمانها وتمكنت ما شاء الله تعالی لها..فلما قُضيَ عليها الأمر، ولت ولا تكاد تری  لها أثراً..إنما كانت تلك الحضارات...دول ومحن وفتن واحدة بعد أخری يمتحن الله تعالی ويبتلي بها الإنسان في دار الإبتلاء والإختبار، هذه في كل زمان ومكان وليمحص الله الذين أمنوا ويعلم الصابرين فتكون حجةً لهم أو عليهم يوم يقوم الحساب وليزداد الذين ظلموا ظلماً ويتميز الجبابرة والمستكبرين والمفسدين في كل زمان ومكان.

 

          يحق لنا أيضاً لنعرف كيف أثَرت وتؤثر تلك الحضارة الغربية علی حياتنا وذلك كي نعرف المزايا والعيوب ، والإيجابيات السلبيات ثم لنأخذ حذرنا بعد ذلك ونختار طريقنا علی ضوء معطيات وحقائق ثابته وواضحه أمام أعيننا عن زماننا الذي نعيش فيه لننجو بأنفسنا من المهالك ونتجنب الزللات لأن يوم الحساب أتي لا ريب فيه ، ويجب أن نستعد له ونتزود بالتقوی والعمل الصالح وبالورع عن محارم الله وما يغضبه سبحانه وتعالی والله لا يحب الفساد ولا المفسدين.  ولا يخفی أننا لا نقصد هنا ما يسمو ويرقی بالإنسان في الأفعال والمظهر والأداب والسلوك ولكنا نقصد بالحضارة هنا ما يدخله الأنسان ويستحدثه علی الحياة ليُرضي شهواته وغرائزه الحيوانية المختلفة.

 

          والأنسان المؤمن في كل زمان من الأزمنة الماضية واللاحقة هو في صراع مع حضارة عصره المسيطرة علی زمانه والتي تدفعه بعيداً عن رحاب ربه٫ فإن نئا بنفسه  عنها وسار علی دربه وطريقه ضد تيارها ونقی نفسه من تأثيراتها وضلالها فاز ونجا ونجح في الإختبار۔ وإن إغتر بها وسار معها وتسمم بها فسد وضل وحاد عن طريقة ربه وضاع وهوی وذلك هو الخسران المبين والعياذ بلله.  والحضارة..كل حضارة  هی فتنة من الله للإنسان يهدي بها أقوام  ويضل بها أخرين٫ والكل يأتي ويذهب٫ ويشرق ثم يغرب٫ ويتوهج ثم ينطفئ٫ ويولد ويكبر ثم يموت, والباقي الأوحد هو الله تعالی ونوره وهديه وطريقه ونهجه٫ وهو الأول وهو الأخر وهو الباقي وهو الدائم٫ وطوبی لمن جعل عينه عليه ولم يحيد عنه٫ ولم يغره أو يصرفه تقلب وإزدهار الحضارات الزوائل٫ وتعساً لمن إنشغل وانصرف عن ربه وإنكب علی وإنبهر بحضارة زمانه فهو يعيش بها ويتقلب فيها..ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ولياً مرشداً.

 

          وبعد النظر والتأمل للحضارة الغربية البيضاء التي تسيطر علينا الأن وتتحكم فينا وهی فتنة زماننا..نجد لها ثلاثة ثمار هامة تؤثر فينا.  هذه الثمار الثلاثة هی:  الثمرة المادية والثمرة المعنوية الأخلاقية والثمرة الثقافية الإجتماعية الحياتية.

 

الثمرة المادية:

 

           وتتمثل في المخترعات والمستخدمات الماد ية التي تولدت عن هذه الحضارة مثل: السيارات والقطارات والطائرات ، والتلفزيون والراديو والفيديو والسينما والكومبيوتر وماكينات الصناعة والثلاجه والغسالة ومكيف الهواء والكاميرات والإكترونيات المختلفة وأجهزة الأشعة والإتصالات وأسلحة الدمار المختلفة والبوارج والصواريغ والأقمار الصِناعية وسفن الفضاء  إلی أخِر تلك الماديات والتقنيات التی قلبت حياتنا رأساً علی عقب وأصبحت جزءاً منا ونحن جزء منها لا غنی لنا عنها ولا مهرب لنا منها وهی من أشد الفتن التي أبتلي بها الإنسان علی مر العصور والدهور.

 

الثمرة المعنوية الأخلاقية:

 

          متمثله فی المادية المفرطه والإيمان بالمحسوسات  والمرئيات وانكار ماعدا ذلك وقبول ما يثبت في المعامل والمختبرات فقط وفي الأنانية والإيمان بالذاتية والمبالغة فيها والإستغناء عن الأخرين وفي النفعية والمصلحية والمِكيافلية وهی سياسة الغاية تبرر الوسيلة والصعود علی أكتاف الأخرين.  وفي التحلل والحرية المطلقة وفي ممارسة المتع الحسيه بكل حرية وبدون أی قيود وفتح باب حرية الإنسان علی أخره ليفعل ما يحلو له وينقِل إلی أرض الواقع كل خيالاته وتصوراته وأحلامه وأوهامه ۔ والتركيز علی إحتياجات الإنسان الغرائزية  وضرورة إشباعها بكافة أنواع المتع والإستمتاع وكل ما هو ممكن ، وإرضاء مادية الإنسان وتشجيعها والوفاء بحاجتها قدر الإمكان وعلی أتَم صوره وما يستتبع ذلك من بروز الأهمية المطلقة للمال وتسييدة بإعتباره الوسيلة الأساسية لِتحقيق كل ذلك.

 

الثمرة الثقافية الإجتماعية:

 

وتتمثل في إنكار وجود الإله الخالق وإنحصار الأديان  وتحجيم مكانها ودورها وتقليص تأثيرها والتمرد عليها وعلی قِيمها وتعاليمها وإحلال العلمانية والنظريات السياسية الإقتصادية الإجتهادية البشرية مكان تلك الأديان وتعاليمها وإعطاء كافة السلطات السياسية لتلك العلمانية التحررية وتمكينها من السيطرة والحكم.  وتتمثل أيضاً في التأكيد علی قدرات الإنسان وإمكاناته ورؤياته وإفرازاته الفكرية  علی أنها الأهم والأعلی والتي تستحق البحث والدراسة والتبني والنشر وتذحية ما عدا ذلك ومن هنا كان تشجيع الكتابة والكتب ونشر المكتبات والصحف وإنشاء دور النشر الكبری ونُموِها وسيطرتها۔ وتتمثل كذلك في التركيز علی عمومية المجتمع وتفكيك أواصر الأسرة الواحدة وتشجيع أفرادها علی الإستقلال وإستبدال الأسرة الصغيرة بالمجتمع المحيط ولذلك أنشئت أجهزة الإعلام والإتصالات التي تربط المجتمعات والأفراد ببعضها وتشجيع إتساع دائرة إرتباط الإنسان حتی يصبح الإنسان عالمياً وتختفي الدوائر الأصغر وأولِها دائرة محيط الأسرة ۔ ويشجع الأنسان من خلال ذلك علی إقامة وتوطيد العلاقات مع أصدقاء علی بُعد أميال وأميال أكثر مِما يشجع علی توطيد صلاته بأبوية وإخوانِه وأخواته وعلی أن يعرف أخبار أصغر الأحداث في بلدان تبعد فراسخ عنه ولكنه لا يعرف أخبار أُسرته وأهله ۔ وإنعكسات ذلك كله علی حياة البشر الإجتماعية  وتغيرها بصورة جذرية طبقاً لذلك وطبقاً لتأثيرات الثمرة المعنوية والأخلاقية التي ذكرناها سابقاً والتي تؤثر بلاشك في سلوكنا الإجتماعي والحياتي والثقافي والسياسي ونمطية حياتنا ونحن نعيش في ظِل وتحت سيطرة وسطوة تلك الحضارة الغربية البيضاء.

 

          والسؤال الهام الذی نريد طرحه الأن هو:

 

 هل هذه الثمار الثلاث للحضارة الغربية متلازمة لا يمكن فصلها أم أنها متفرقه يمكن التخير منها وفصلها ومن ثم الإستفادة من إحداها وترك الباقي وبمعني أخر هل يمكن لنا كأمه إسلامية أن نأخذ من الحضارة الغربية ما نريد وما نراه نافعاً فقط ونترك الباقي وراءنا لا نأخذه أم لا يمكِننا ذلك وعلی أية أدلة تستند الإجابة وتقوم حتی تقنع العقول المستنيرة المفكرة المتد برة المؤمنة؟

 

حتی نستطيع الإجابة علی هذا السؤال لا بد أن نبحث أولا ً في نوعية الترابط بين هذه الثمار الثلاثة للحضارة الغربية البيضاء الأوربية المنبع.  هل هذا الترابط فرعي أم أنه تكويني متداخل؟

 

          والترابط الفرعي هو ذلك الترابط الذي يربط بين أشياء مستقله بذاتها برباط يصلها بعضها أو يجمعها مع بعضها. ومثال ذلك ترابط الثمار علی أفراع الشجرة الواحدة عن طريق  أغصانها ۔ وترابط عربات القطار ۔ وترابط الولايات أو الدول بالإتحاد الفيدرالي فيما بينها وترابط الإخوة۔ وترابط لمبات الإضائة من خلال أسلاكها وترابط حلقات السلسلة الواحدة أوحبات العقد الواحد ، وهذا النوع من الترابط يحفظ للأشياء إستقلاليتها ولذا يمكن فصل هذه الأشياء كاملة سليمة عن بعضها بسهولة بقطع الرباط الذي يصل بينها دون تأثر إحداهم بالأخری تماماً كما تقطف ثمرة من علی شجرة فتأخذها وتتمتع بها كاملة دون أن يلزمك هذا أن تأخذ غيرها من الثمار أو تتأثر بهم ..فأنت هنا تتخير من الثمار ولا حرج ولا مشكلة لديك.  وكما أنك تختار واحدة من بين أخوات أربعة أو خمسة لتتزوجها دون أن يلزمك هذا بأن تأخذ أخواتها معها.  فأنت هنا لك حرية الأنتقاء والإختيار ما بين الأشياء المترابطة بلا خوف من تداخلها مع بعضها البعض وتأثيرها علی  بعضها البعض لإن كل منهم مستقل تماماً عن صاحبه وإن ترابطوا برباط فرعي شكلي إتحادي لكنه إنفصالي أی يمكن فصله.

 

أما الترابط التكويني المتداخل فهو ذلك الترابط الموجود بين مكونات الشئ الواحد ولا يمكن فصله أو إنفصاله؟ لأنه ترابط عضوي تكويني ۔ فالأشياء فيه ليس لها إستقلالية ذاتية فإذا فصلت عن بعضها, إختل تركيب الشئ المركب وخرج عن طبيعته وذاتيته ومثال ذلك ترابط أعضاء الجسد الواحد وترابط أجزاء الخلية الواحدة وترابط قطع الماكينة الواحدة وترابط جزيئات وذرات المادة الواحدة وترابط المكونات الداخلية للثمرة الواحدة فأنت مثل ً لا تستطيع أن تفصل بين السكر والنشا والبوتا سيوم الموجود في داخل تفاحة لأنك لو فعلت ذلك لما أصبحت التفاحة تفاحة ولخرجت عن كينوتها وذاتيتها فلا تستطيع أن تستمع بها كتفاحة لو فصلت مكوناتها التكوينية.  وفي هذا النوع من الترابط لا حرية لك في الإنتقاء أو الإختيار بين الأشياء لأن هذه الأشياء مكونة متلازمة لبعضها ومتداخلة تداخل  يستحيل معه الفصل بينها أو الإختيار منها ۔ وإن حاولت فلا بد وأن تأخذ مع إختيارك المكونات الأخری حتما إن أردت الأستفادة بذات الشئ الذي ستختاره ۔ فلا تستطيع  أن تختار سيارة وتستمع بها كسيارة وتترك عجلاتها أو محركها أو مروحتها ، ولا تستطيع أن تتخير صديقاً تستمتع به كصديق ولا تأخذ أذنيه أو قدميه أو شعره أو عينيه لأنها كلها جزء تكويني منه بدونها لا يصبح إنسان تستطيع أن تستفيد منه كصديق بشخصيته وذاته.

 

          فما هی إذن نوعية الترابط بين ثمار الحضارة الغربية الثلاثة؟ هل هو ترابط فرعي يسهل فصله والإنتقاء من هذه الثمار دون تأثر بعضها ببعض؟  أم هو ترابط تكويني متداخل يصعب معه فصلها عن بعضها والإنتقاء منها دون التأثر بغيرها؟

 

          وقبل أن نجيب علی هذا التساؤل لا بد لنا أولا ً أن ندرس ونبحث في طبيعة الترابط بين ثمار الحضارة الغربية حتی يمكنا أن نتوصل إلی تحديد نوعية هذا الترابط .  هل هوفرعی  يسهل فصله والتخير بعد ذلك بين ثمارة أم هو تكويني لا يمكن فصله.  وحتی يمكنا أن نبحث في هذا الموضوع علينا أن نُوضح النقاط والحقائق الهامة التالية:

 

أولا ً:

 

          إن ثمار الحضارة الغربية الثلاثة نشأت ونبعت من منبع واحد فقط وهو أوربا الغربية ورجلها الأبيض ۔ والترابط بين ثمار المنبع الواحد هو دائماً ترابط تكويني متداخل لا يمكن فصله لأنه ترابط منبعي منشأي ناتج عن وحدة المنشأ والمنبع.

 

          ومثال علی ذلك الضوء والحرارة والأشعاعات المختلفة الصادرة عن الشمس فهذة كلها ثمار للشمس وهی ثمار نشئت من منبع واحد ولذلك فالترابط بين هذه الثمار ترابط تكويني متداخل يصعب  بل يستحيل فصله ۔ فلكي يصل إليك ضوء الشمس لا بد أيضاً أن تصلك حرارتها ولكي تصلك حرارتها لا بد أن يصلك ضوئها وإشعاعاتها تحت الحمراء وفوق النفسجية.  وهكذا لا تستطيع أن تتخير واحداً منها فتأخذه وتترك الأخرين لا علاقة لك بهم ولا تتأثر بهم ، فهذا يستحيل عقلا ً ومنطقاً.  ومثال أخر الحمم الملتهبة والحرارة والدخان الأبخرة كلها ثمار للبركان ، فهل يمكنك فصلها عن بعضها والتخير منها.  إنك إن أخذت الحمم فستأخذ منها الحرارة ولن تنال الحرارة بدون الحمم وهكذا فالترابط بين هذه الثمار متداخل تكويني بسبب وحدة المنبع والمنشأ.

 

والماء الذي ينشأ من منبع ملوّث  يكون كله ملوثّ ولا تستطيع أن تشربه لتروي ظمئك دون أن يتأثر جسمك بالتلوث أيضا ً وبالسموم المحمولة  فيه والتي هي جزء منه فإنك ستروی ظمئك وتحيا منه نعم ، ولكن جسمك سيتسمم في نفس الوقت ويمرض بأمراض لا شفاء لها - تحيا تعاني منها وتكتشف أن الموت عطشا ً كان أيسر من الموت البطيئ المؤلم المعذب.

 

 ثانيا

 

          إن ثمار الحضارة الغربية الثلاثة التي نحن بصدد الحديث عنها هی كلها من إفرازات العقل البشري الأوروبي الغربي الأبيض بشكل خاص والأ وبي بشكل عام ۔ وإفرازات العقل البشري الفكرية هی، حالها كحال كافة إفرازات البشر الأخری كلها ، تكوّن مكوّناتها الداخلية مترابطة مع بعضها ترابط تكويني متداخل، فمكونات العرق والبول والبراز واللبن والدموع والعصارات المعودة والمعوية وهرمونات الغدد الصماء واللعاب والمخاط إلي أخر هذه الإفرازات العضوية البشرية ،  مكونات هذه الإفرازات هی متداخلة مع بعضها البعض تماماً ومترابطة ترابط تكويني يصعب فصله.  فهل تستطيع فصل النشادر من البول بمدة يد واحدة دون معامل أو مختبرات ودون أن تتعامل مع البول نفسه كمكوّن واحد؟  وهل تستطيع فصل بروتينات أو دهون الحليب عن الحليب بنفس السهولة التي تتخير بها بين الثمار من علی الشجرة الواحدة؟  نفس الشئ يحدث مع المكونات والإفرازات الفكرية للإنسان ۔ فإنَ أفكار الإنسان أو إفرازاته الفكرية متداخلة مع بعضها البعض وتؤثر وتتأثر ببعضها البعض وبناء عليه فإنك لا تستطيع أن تتخير من بين أفكار الإنسان فتأخذ منها ما تريد وتترك ما لا تريد لأنها كلها مرتبطة بعضها البعض ومتداخلة ومتأثرة بعضها البعض.  إن أفكار كارل ماركس الإشتراكية مثلا ً هی متأثرة لا محالة بأفكاره الأخری في مجالات مختلفة تماما ً ، كأفكاره في الدين والزواج والسياسة والثقافة والرياضة والمُتعة الذاتية إلخ....فلو أخذت بهذه الأفكار الإشتراكية فأنت تأخذ بنفس الوقت تأثيرات أفكاره الأخری كلها في فكره الإشتراكي هذا ولا يمكنك ولا تستطيع أن تفصل بين هذه الأفكار والتأثيرات وتنتقي بينها بصورة نقية صافية تجنبك أخذ ما لا تريد.  وحتی في الإبداعات الفنية وهی في النهاية أيضا ً إفرازات عقلية لا تستطيع هذا.  فألحان موسيقار معين هی  تتأثر بدون  أدني شك بأفكاره الأخری وأرائه وأحاسيسه وميوله وكذا رسومات الرسام ومنحوتات النحات وتصاوير المّصور وكتابات الكاتب كلها تكون ملوثة ومتأثرة بأفكار هذا الشخص ذاته في كافة أفرع وأوجه الحياة صغيرها وكبيرها۔ وأنت حين تستمتع بهذه الإبداعات الفنية، تأخذ وأنت لا تدري معها تلك التأثيرات والتلوثات الفكرية الخاصة بهذا الفنان أو ذاك ۔ أردت ذلك أم لم ترد شئت أم لم تشأ.

 

          فالنتاج الفكري الفني للشاذ حنسياً أو للمرابي أو لعاق والدية أو للمنطوي علی نفسه أو للرأسمالي المستغل أو للجودي أو لزيرالنساء أو للمرأة اللعوب أو للسياسي أو لرجل الإقتصاد أو للمظلوم أو للظالم أو للمحكوم أو للحاكم ۔ تتأثر بلا شك بشذوذه وعقوقه وميوله وإنحرافاته أو ظلمه أو مظلوميته أو طمعه أو جشعه أو حيوانيته أو ماديته وهكذا ، وأنت حين تأخذ أفكاره تضطرأن تأخذ معها كل تلك التأثيرات وأنت لا تدري أو تشعر وهذه منطقية لا تحتاج إلي الجدال أو المراء لأنها واضحة للعيان.

 

ثالثا:

 

          وصنعة يد الإنسان تتأثر بشخصية ذلك الإنسان وأفكاره وإتجاهاته ونظرة  عينه هی محصلة متأثرة بشخصيته وأفكاره ومشاعره ۔ وخط يده يحمل تأثيرات شخصيته وبصمته الشخصية حتی أنك تستطيع أن تعرف إنسان من خط يده وكأن خط يده يحمل ملامحه الوجهية التي تعرفه بها إذا رأيته.  فهل تستطيع  أن تفصل بين هذه التأثيرات المختلفة للشخصية الظاهرة في خط اليد او نظرة العين أو الصوت أو صفة اليد وأن تنتقي من هذه التأثيرات ما تريد وتترك ما لا تريد؟  إنك  ببساطة لا تستطيع أبداً فلو إستمعت لصوت إنسان فأنت لا تسمع لرنين صوته فقط ولكنك تسمع في نفس الوقت لمشاعره وعواطفه وأفكاره وملامح شخصيته لأن كل ذلك يؤثر في صوته ، حتی حالة أجهزته العضوية تؤثر في صوته.  فلو أُصيب أو إعتل لسانه أو أنفه أو حنجرته لإختل صوته ولا حظت أنت هذا التأثر عندما تسمع ذلك الصوت وتدركه وإن كنت لا تعرف أين مكانه بالضبط من الصوت فهل يمكنك في هذه الحالة أن تقول سأخذ  صوت فلان وأترك حشرجته أو أجشيته أو رفعه أو علوه أو إنفعاله أو نغمته؟  لا تستطيع لأن كل ذلك مترابط ترابط تكويني يشكل معاً جوهر صوت فلان أو نظرته أو لمسته فإما تسمعه بكل مافيه وتأخذ بذلك كل التأثيرات وإما تتركه كله وتصم أذنيك لتجتنب ما لا تحب وتترك أيضاً ما تحب. هل يمكن فصل كلمات أغنية لمطرب عند سماعها عن صوت المطرب نفسه بالنسبه لك كمستمع؟

 

          إن روح الإنسان وشخصيته ونفاثاته ومشاعره ووجدانه وأفكاره وحتی جوارحه وأعضاءه كلها تتداخل مع بعضها وتتمثل في إفرازاته سواء كانت فكرية أو مادية أو معنوية.  فصنعة الصانع لا تعكس مهارته فقط ولكنها تحمل بصمته الشخصيه التكوينية الروحية المعنوية المادية أيضاً بصورة لا يمكن فصل تلك الأشياء عن بعضها.  وبالتالي فأنت عندما تستمتع بصنعه صانع أوروبی أو ياباني أو صيني ، لا تعتقد خطأً أنك تستمتع بصنعته المادية تلك ققط ، فلا تنسی أن صنعته تلك تحمل بصمته الشخصية والمعنوية والفكرية والمادية.  فهو بكل مكوناته وتأثيراته موجود في داخل صنعته شئت هذا أم لم تشأ.  فلو إستمتعت بصنعته هذه  فأنت في نفس الوقت تأخذ تأثيراته الشخصية الأخری كلها وأنت لا تشعر ولا يمكنك ولا تستطيع ابداُ  مهما حاولت أن تفصل بين هذه الصنعة وصانعها وتأثيراته وبصمته عليها وروحه الموجودة فيها ، فتأخذ الصنعة وتترك روح صانعها وبصمته وتأثيراته ومكوناته ومعنوياته وأفكاره الموجودة فيها وخلالها والمرتبطة بها إرتباط تكويني يصعب فصمه أو فصله.  فلأنسان بإختصار هو جزء من صنعته وصنعته جزء منه ، وهو جزء من فكرته وفكرته جزء منه ، وهو جزء من حضارته وحضارته جزء منه ، ولا يمكن الفصل بين هذا وذاك أبداً فإذا أخذت الصنعة خذ صانعها معها وإذا أخذت الفكرة ستأخذ مُفكرها معها وإذا أخذت الحضارة فلا مناص من أن تأخذ مبتكرها معها لأنه منها وهی منه وكل شئ فيها يحمل كل شئ منه ومن ذاته وكيانه وروحه ووجوده وتوجهاته.

 

          إننا من هذا المنطق نفسه ومن نفس هذه الحقيقة المبدئية المنطقية وتأسيساً عليها نطلب من الناس كأُمة مؤمنة تدعو لعبادة الله تعالی وحده ، نطلب منهم عبادة خالقهم وخالق الحياة لهم ونسألهم كيف تتمتعون بالحياة والدنيا وما فيها ثم ترفضون عبادة خالقها وتننكرون لوجوده وتكفرون به؟  كيف تستمتعون بنعمته التي جعلها لكم وصنعته التي صنعها لكم ثم تكفروه وتنكرونه. إنكم لا تستطيعون أن تفصلوا أبداً بين النعمة ومنعمها وبين الخلقة وخالقها وبين الدنيا وبارئها وبين الجمال ومبتدعه لأن هذا مخالف للمنطق ولأن قدرة الله وروح الله وجمال الله ظاهر ومتداخل مع صنعته وإبداعاته ومخلوقاته فكيف تفصلون بينها وبينه وهی منه ، وقدرته وحكمته فيها ، إن ذلك لا يمكنكم ۔ فأذا كنتم تستمتعون كل لحظة بالحياة وما فيها وجب عليكم في كل لحظة شكر وعبادة من أعطاكم هذه الحياة وخلقها لكم وأبدعها وسخرها لتستمتعو بها.

 

          فكيف نطالب الناس بالإيمان بالخالق وعبادته وشكره بناء علی مبدأ وحقيقة منطقية ونتعجب من كفرهم بمعارضتها وهی منطقية عقلية ۔ ثم نحن أنفسنا نخالف هذا المبدأ  وتلك الحقيقة وهذه المنطقية ونحاول أن نفصل يبن أشياء لا يمكننا ويستحيل عقلا ً وموضوعاً الفصل بينها ، وكأننا نفعل فعلهم تماماً الذي سخرنا منهم عندما فعلوه.  أفلا نستحق نحن أيضاً السخرية عندما نفعل فعلهم ونتبع سفههم ونخالف الحقيقة المنطقية التی بنينا أيماننا بربنا عليها؟  إننا بهذا نهدم أساس منطقي من الأسس التي بنينا عليها إيماننا!  ولو جاز لنا أن نفرق بين الصنعه وخالقها فنستمتع بالصنعة ونجحد صانعها ، لجاز لهم أيضاً بناء علی نفس المنطق أن يفرقوا بين نعمة الله ومُنعمها فيستمتعوا بالنعمة ويجحدوه ويكفروا به.  إننا بهاذا نعطيهم قانونية يأسسون عليها كفرهم وسابقة يرجعون إليها لتبرير جحودهم ومأخذاً يأخذوه علينا ويتعللون به ويقولون لنا أنتم فعلتم الشئ ذاته أم أننا نريد أن نتلاعب بالحقائق والمنطقيات فنستخدمها كما نشاء كما يحلو لمصالحنا.  أم أننا نريد أن نتعامل مع الناس بميزانين ومقياسين ومنطقان متضاربان متعارضان ۔إننا بهذا نكون غير عدول ونضع أنفسنا في موضع السخرية أمام ربنا وأمام الناس ، ولا نلوم إلا أنفسنا إذا أصبحنا أضحوكة أمام العيون ونحن نغفل المتضادات.  نأمر الناس بعدم كفر خالقهم وخالق الأشياء لهم والمنعم عليهم ، ثم نحن أنفسنا نكفر للناس صنعتهم ونجحدهم حقهم فيها فنريد أن نأخذ صنعتهم وننبذهم ونتمتع بفكرهم ونعاديهم ونعيش في ظل نتاج عقولهم الحضاري ثم نكفرهم.  ليس هذا من العدل ولو حللناه لأنفسنا معهم ، فلنحلل لهم أيضاً بناء علی نفس المنطقة والقاعدة كفرهم لربهم وإعراضهم عنه وجحودهم له وإنكارهم لا بداعه وهم يتمتعون بخلقته وصنعته وإبداعاته.  فأين العدل في هذا المنحی وهل يرضی عنا ربنا بذلك؟  إن الحقيقة هی الحقيقة نتعامل بها مع ربنا ونتعامل بها مع الناس والحقيقة الثابتة هنا هی أن كل صنعة تأخذها وتستمع بها، يجب عليك أن تقبل بصانعها معها ۔ فتحمده وتشكره وتتأثر به وتقبل بهذا طالما قبلت الإستمتاع بصنعه وخلقته ونتاجه وإفرازه لأنه أی الصانع والخالق والمفرز هو في صنعته وخلقته وإفرازة وصنعه ونتاجه وخلقته وإفرازه وهو جزء منه ولا يمكن أبداً ويستحيل ومن الظلم الفصل بينهما.

 

رابعاً:

 

          إن الرابطة التي تربط الإنسان بممتلكاته هی تتراوح بين الفرعية والتكوينية بحسب قرب هذه الممتلكات من الإنسان نفسه ، بمعنی إنه إذا كانت ممتلكات هذا الإنسان قريبة منه جداً فعلاقته بها تكون تكوينية متداخلة وأقرب الممتلكات للإنسان هی ذاته وأفكاره وإفرازاته وصناعته ومنتجاته وإبداعته ولذا فالرابطة بينها وبينه هی رابطة تكوينية متداخلة لا يمكن فصلها عنه.  وملكية الإنسان للأشياء عموماً تعطيه منطقياً وعقلياً حرية التصرف بها كاملة ، وليس لأحد أن يحدد هذه الحرية أو يحرمه منها.  فإذا كانت ثمار الحضارة الغربية الثلاث هی من ممتلكات الرجل الأوروبي الأبيض وهی من نتاج إبداعاته وإنتاجاته وإفرازاته الفكرية فهی إذن من ممتلكاته ورابطتة بها قوية جداً تكاد تصل إلی درجة الرابطة التكوينية في شدتها لقرب هذه الثمار من ذاته وشخصيته الإنسانية.  فله إذن مطلق الحرية في التصرف في هذه الثمار الثلاثة كيفما يشاء لأنها ملكه وحده بدون منازع.  فإن جئته لتشتري منه إحدی هذه الثمار الثلاثة فمن حقه أن يشترط عليك أن تأخذ معها ما يشاء من ثماره الحضارية الأخری ، ولا حق لك أن ترفض ذلك طالما أنت تريد إتمام عملية الشراء لما تريده.  ولو ذهبت أنت إلي متجر لشراء زيتاً لأنك تحتاج إلي هذه السلعة فأشترط عليك صاحب المتجر أن تشتري مقابل كل زجاجة زيت كيساً من الحلوی فهذا حقه وعليك في هذه الحالة إما أن تقبل شرطه وتشتري الزيت والحلوی طالما أنك تحتاج الزيت ، أو أن تقلع عن الصفقة كله وتضحی بالزيت طالما أنك لا تريد أن تأخذ كيس الحلوی.  وبالمثل تماماً فمن حق الأوروبي الأبيض إذا ذهبت إليه لتشتري منه ثمرة حضارته المادية المتمثلة في مخترعاته الحديثة ورفاهياته أن يشترط عليه أن تأخذ معها من ثمرتيه الأخريين فيطلب منك أن تكون علمانياً ومنحلا ً وماديا ً ومتحللا ً.  وهكذا يفرض عليك ثماره الأخری وهذا من حقه منطقياً وعملياً وعليك  إما أن تقبل الصفقة كلها أو ترفضها كلها وليس من حقك التخير من ثمار الرجل أو أن تفرض عليه شروطك لأنه المالك المنتج وأنت السائل المستهلك.

 

خامساً:

 

           وهناك حقيقة منطقية أخری وهی أن علاقة كل مبني علی ما بُنِيَ عليه هی علاقة تكوينية لا تنفصم وليس العكس. فعلاقة المبني عليه مع المبني علاقه فرعية يمكن فصلها ۔ ولنضرب مثلا ً علی ذلك فإن البيت المبني من طابقين؟  أرضی وعلوی...فهنا الطابق الأرض مبنی عليه والطابق العلوی مبني.  والمنطق يقول أنك تستطيع أن تهدم الطابق العلوي المبني دون أن يتأثر الطابق الأرضي المبني عليه.  ولكنك لا تستطيع أن تهدم الطابق الأرضي المبني عليه ويبقی الطابق العلوي علی حاله إن هذا يستحيل ولا يكون.  وحركة الأجسام مبنية علی قوانين الحركة ، فلو توقفت الأجسام عن الحركة لبقِيَت القوانين ولكن إذا توقفت القوانين عن العمل لما وجدت حركة.  والمبني عليه يستغني عن المبني والعكس غير صحيح فالمبني لا يستغنی عن المبني عليه وأنت تستطيع أن تستغني بالله عن خلقه ولكن لا تستطيع أن تستغني بالخلق عن الله أبداً.

 

          فإذا نظرنا وتأملنا إلی ثمار الحضارة الغربية الثلاث لوجدنا أن الثمرتين المعنوية الأخلاقية والثقافية الإجتماعية يشكلان الأساس وحجر الزاوية والطابق الأرضي المبني عليه وأن الثمرة المادية ينيت علی الثمرتين السابقتين ونتجت عنهما وإنطلقت منهما فهی كاطابق العلوي وهی المبنی.  وهذا لا شك فيه فالتحرر والتحلل وترك الدين والعلمانية الكاملة وأطلاق يد الإنسان والإبداعات البشرية في كل مكان وتأليه الإنسان والعمل علی أرضاء شهواته وملذاته وراحته وترسيخ المادية وتحكمها وتسييد المال والشهوات كل هذا هو ما أنتج ونشأ عنه الثمرة المادية التي تمثلت في كل مخترعات الإنسان في المئتي سنة الأخيرة والتي سبقها بمدة عصر النهضة وتحجيم الكنيسة ثم الثورة الصناعية ثم الثورة التكنولوجية.  فواضح إذن تقدم الثمرتين الأخلاقية والإجتماعية علی الثمرة المادية وأنهما الأساس الذي تستند وتقوم عليه.

 

          وبناء علی حقيقتنا المنطقية التي تقول بأنه يُمكن هدم المبنی ولا يُمكن هدم المبنی عليه فإنك هنا تبطبيق تلك القاعدة المنطقية. فقد تستطيع ويجوز أن تأخذ ثمار الحضارة الغربية المعنوية الأخلاقية والإجتماعية الثقافية (لأنها المبني عليها) وأن تترك الثمرة المادية (المبنية) فلا إشكال في ذلك.  ولكنك لا تستطيع أبداً ويستحيل عليك شكلا ً وموضوعاً ومنطقياً أن تأخذ الثمرة المادية للحضارة الغربية (المبنية) وأن تترك الثمرتين الأخرتين لأنهما الأساس المبني عليه ما ساتريد أن تأخذه.  فلا بد إذن إن أردت الثمرة المادية أن تأخذ الثمرتين الأخرتين معك لأنهما ماقامت عليه الثمرة التي تريدها ولو تركتهما لا ستحالت عليك الثمرة المادية التي تطمع أن تأخذها لأن العلاقة هنا تكوينية لا يمكن فصمها.

 

          ومن خلاصة ما سبق نستطيع إذن أن نستنتج بوضوح تام وبيقين منطقي لا يقبل الشك أن الترابط بين ثمار الحضارة الغربية الثلاث هو ترابط من النوع التكويني المتداخل الذي يصعب فصله عن بعضه أو فصمه.  ولذا فيصعب جداً أو يستحيل علينا التخير والإنتقاء من هذه الثمار الثلاث وأخذ ما نريده وما يفيدنا وما نحبه وترك ما لا نريده ولا نقبله.  فإن هذه الثمار مكونات وأجزاء في الحقيقة في ثمرة واحدة ، إما أن تأخذها كلها بخيرها وشرها وإما أن تتركها كلها بخيرها وشرها والأمر موازنه.  فإن أحتجت لضرورة ملحة شئ منها فاحذر من السموم الأخری الموجود معه والتي لا بد أن تصيبك وأن تتناولها مع ما تريد والتي ستسمم جسدك وبدنك ، فخذ بأقل قدر ، تماماً كما يفعل الصيادلة والأطباء مع النباتات والعقاقير التي تحمل في مكوناتها مادة مفيدة قد يحتاجها الجسد المريض بعلة ما لنفع محدود ولكن في نفس النبتة أو الدواء مواد أخری ستؤذي أجزاء أخری من الجسد.  فهنا يعمل الطبيب والصيدلي عملية موازنة بين المنافع والمضار، ثم إذا زادت مزايا وأهمية النفع فإنهما ثانياً يحددان أقل جرعة من الدواء تحدث الأثر المطلوب بأقل قدر من التسمم والخسائر والإفساد في باقي أعضاء الجسد نتيجة المكونات والمركبات الغير مرغوب فيها أو من صفات المركب ذاته الضارة علی أجزاء أخری من الجسد.  فإذا إحتاج المريض مثلا ً لدواء يدرر البول ولكن هذا الدواء بنفس الوقت يؤذي إلی الصمم ويفسد الأذن ويؤذي  المعدة فإن الطبيب هنا يجري موازنه دقيقة بين فائدة الدواء للمريض ومدی حاجته له ومضاره عليه.  ثم إذا وَجد أن الموازنة هی لصالح إستعمال الدواء فإنه هنا يقرر أقل جرعة ممكنة يمكن أن تدر البول ولكنها أقل من أن تؤذي الأذن أو تؤذي المعدة.  ويوصي المريض بتعاطيها بأفضل طريقة تقلل من مضارها علی معدته دون أن تقلل من نفعه له ، حيث أنه لا يمكن الفصل منطقياً وواقعياً بين نفع الدواء ومضاره.  وهذا أفضل مثال لثمار الحضارة الغربية وكيفية تعاملنا معها حيث يستحيل أن نتخير منها وفسادها مدموج ومتداخل مع نفسها ، فلا يجب إذن أن نأخذ من ثمار الحضارة المادية إلا للضرورة القصوی وبعد موازنة دقيقة لما نحتاجه بشدة فقط ثم نأخذ بجرعات بسيطة عالمون أن السم هو مع الدواء ، والضرر هو مع النفع.  فالنأخذ حذرنا ولنحرص علی أن تكون الجرعات تحقق أفضل قدر من النفع الضروري واللازم جداً وأقل قدر من الأذی والتسمم والفساد لثقافتنا ومجتمعنا وأخلاقياتنا ومعنوياتنا وأسس حياتنا كأمة مسلمة مؤمنة بالله أولا ً وأخيراً.  وإذا إضطررنا لهذا الدواء فلنبحث أيضاً في أفضل الوسائل لحماية جسد أمتنا من سموم هذا الدواء الذي إضطررنا لأخذه ونحدد أفضل الوسائل لتعاطي هذا الدواء بحيث أن نتجنب أكبر قدر من أخطاره ولا تكون العملية مفتوحة علی مصراعيها ننهل منها كيفما نشاء ، وإلا تسممت أمتنا ونحن لا ندري ولا نلومن وقتها إلا أنفسنا!  ومن يتناول عشرة حبات من مادة الأسبرين لعلاج ألم رأس بسيط يستطيع أن يصبر عليه ويدعو الله معه وأن يعالجه بوسائل أخری.  فيتسبب ذلك في حدوث قرحة في المعدة عنده أو نزيف حاد فلا يلوم الأسبرين ولا يلوم إلا نفسه ، لأنه أولا ً إستعمله بغير ضرورة ملحة وهو عارف بأخطاره وثانياً إستعماله بجرعة كبيرة غير موزونة عرضتة لمضاره أكثر مما عرضته لنفعه ، فنُجیَ من حفرة بسيطة ليقع في بئر عميق مظلم لا خروج منه.  ثم هو ثالثاً لم يحرص حتی أن يتناوله بين طعامه أو في صورة هلامية مغلفة ليحمي معدته من أثاره الضارة المعروفة سلفا فمن المسئول عن الضرر هنا؟  إنه المريض نفسه بتهوره وإندفاعه وراء شهواته وراحته وماديته وعدم حرصه علی السلامة وعدم موازنته بين الأمور وبسفهه وغفلته وإنكبابه وتسرعه في إتباع ما يراه حسناً وهو غافل عن سمومه ومضاره ومفاسده.

 

          والأن يا أبناء أمتنا الإسلامية بشكل عام و يا أيها المؤمنون المخلصون بوجه خاص ، وبعد أن علمتم بإستحالة الإنتقاء من ثمار الحضارة الغربية التي نعيش في ظلها في هذا الزمان وإبتلانا الله تعالی بها فتنة منه وإختباراً وإمتحاناً.  وبعد أن تيقنتم بالدليل المنطقي أنكم بأخذكم بثمار الحضارة الغربية المادي المتمثل في مخترعاتها الحديثة والجري ورائها واللهث والإنبهار وراء كل ما تقدمه لكم كل يوم من مبتكرات ومستحدثات في كل المجالات.  فإنكم وبنفس والوقت تأخذون أيضاً من ثمارها الفاسدة المتعفنة الأخری وتسممون بها أجسامكم وأرواحكم وأفكاركم ومعنوياتكم وثقافتكم ووجدانكم ومشاعركم وحياتكم كلها رغماً عنكم ، شئتم أم أبيتم!  إن هذه الحضارة كالسجارة تعطيك متعة ظاهرة وقتية وربما راحة وقتية ، ولكنها مع تلك المتعة تعطيك أيضاً النكوتين المدمن الذي لا تراه وتعطيك الكربون الذي يترسب في رئتيك ويفسدها ولكنك لا تراه.   ويعطيك المكونات الأخری الذي تحدث لك السرطان والأزمات القلبية وتؤدي بحياتك رويداً رويداً وعلی مهل ، ولكنك لا تراها حتی تحرقك السيجارة في النهاية وتقضي عليك مع كل واحدة تشعلها ثم تطفئها وانت لا تدري الأخطار الموجودة فيها والتي تأخذها مع كل نفس ومع كل إستمتاع.  فهو إستمتاع يريحك لحظة ولكنه يكلفك غالياً من جسدك وصحتك وحياتك ۔ وكذلك ماديات الغرب ومستحدثاته التي يجري العالم كله ورائها ۔ وتسمم العالم كله وتفسده وهذا نراه واضحاً.  فهل سنستسلم نحن أيضاً لذلك أم سنتعقل ونتوقف ونصمد ونكون قدوة للأخرين فنحمي مجتمعنا وأنفسنا وأمتنا؟

 

          يجب أن نعلم وأن نتيقن بأننا مع كل إستخدام للتقدم المادي الغربي متمثلا ً في مخترعاته ، فإننا نأخذ مع هذا الإستخدام قيم الغرب المادية وثقافته الإنسانية وأخلاقه التحررية الإنحلالية وسياسته العلمانية وتوجهاته الإلحادية أيضاً وفي نفس الوقت ودون أن نشعر ولا مفر من هذا.  فهل نقبل بهذه السموم التي تفسد حياتنا وحياة أجيالنا وعقولهم وثقافتهم وتفكيرهم ، وهذا السوس الذي ينخر في جسد الأمة لمجرد متع وقتية وراحة أنية تورث شقاءً طويلا ً وفساداً لا صلاح له؟

 

          يجب أن نفيق قبل أن تتسمم حياتنا تماماً وتفسد مجتماعاتنا بحيث لا يمكن إصلاحها بعد ذلك.  إن هذا أخطر تحدي تواجهه الأمة الإسلامية في تاريخها وعلينا تحمله والإنتصار فيه وقيادة الأمم الأخری التي تسير بلا عقل وراء الحضارة الغربية إلي الهاوية.

 

          يجب أن نزهد في مبتكرات ومستحدثات هذه الحضارة ولا نركن للراحة.  وهذه ليس دعوة للتخلف أو الرجعية ولكنها دعوة لحماية حياتنا وأنفسنا وأمتنا من خطر داهم يخيم علينا سيدمرنا إن تركناه أو تقاعسنا عنه ونتحمل كلنا مسؤليته وليست هذه مسؤلية حكومات أو رؤساء.

 

          لا بأس أن نأخذ ما نحتاج إليه للضرورة القصوی وفي مجالات معينة وبجرعات محددة وبطريقة تحمي مجتمعنا وأفرادنا من التأثيرات الضارة لتلك الحضارة السوداء.  لا بأس مثلا ً في مجالات الطوارئ الطبية وفي مجالات التصنيع الحيوية وفي مجالات الطاقة والدفاع عن النفس ۔ ولكن أن تُصبح فريسة بهذا الشكل المخجل للمستحدثات والمبتكرات التي تهل علينا كل دقيقة وكل ساعة من إفرازات تلك الحضارة المادية المتعفنة التي بدء يثور عليها ويتملل منها ويلعنها حتی أبنائها.  ونتكالب عليها وننبهر بها حتی تتملئ بها أسواقنا ومحلاتنا وبيوتنا حتی نُصبح فريسة لها في كل المجالات.  فهذا هو الخطاء كل الخطاء لأننا بهذا نفسد حياتنا كما أوضحنا ،  ونسممها بسموم غير مرئية ولكنها هدامة ومدمرة ويجب أن نحتمي منها.  وعلينا أن نتحمل ونزهد ولا نركن للراحة ولا نسمح لشئ أن يشغلنا عن عبادة ربنا.  فلنتعب قليلا ً في سبيل المحافظة علی مجتمعنا وحياة أبنائنا!  فلنسير علی أقدامنا إن إستطعنا وقربت المسافة عوضاً عن إستخدام السيارة!  فلنستخدم عقولنا بدلا ً من الحا سبات الألية فلنتزاور ولنتراسل بدلا ً من البريد الإلكتروني!  فلنصبر حتی نلتقي بمن نريد بدلا ً من إستخدام أجهزة الإتصال الصغيرة!  سنعاني نعم ، ولكننا سنحمي أنفسنا وحياتنا.  ولنترك إستخدام تكنولوجيا الغرب تلك للضروريات القصوی كما ذكرنا ، من تصنيع ودفاع وطوارئ طبية ومصادر طاقة ومجالات حيوية أخری وفقط.  والأهم من ذلك أن نبدأ نحن وبعد طلب المعونة من الله تعالی خالقنا العظيم جل شأنه أن نبدأ في تطوير حضارتنا الإسلامية الخاصة بنا ، ونستغنی بها وبثمارها التي ستكون كلها خيراً بإذن الله عن أزبال الغرب وقازوراته.  ونستطيع نحن أن نطور حضارتنا النابعة من مجتمعنا وتراثنا وإسلامنا وقيمنا وأن تثمر هذه الحضارة أيضاً ثماراً مادية تعود علينا بالنفع والراحة والرقي بدلا ً من الإعتماد علی غيرنا ليبتكروا لنا ونحن نستهلك ونعيش عالة عليهم.  وبالتالي يكن لهم علينا اليد العليا ويفسدوا حياتنا وهم أقوام أشرار لا دين ولا خلق ولا زواجر لهم وهم أعوان الشيطان ولا حيلة لنا إلا الرضوخ لهم لأننا نعيش علی عطائتهم وإنجازاتهم وإنتاجهم وإبدعاتهم!  فأي عيشةٍ مذلةٍ هذه وكيف ترضی بها أمة تؤمن بالله تعالی رباً واحداً وتسجد له وتصلي له خمس مرات يومياً؟!  كيف سنتصدی لأعداء الله وأعدائنا ونحن نتسول منهم كل ما هو غير ضروري وكمالي وزائد من المبتكرات والتكنولوجيات ومختلف أنواع الثمار المادية للحضارة الغربية ونأخذ مع كل ذلك سمومهم التي تضعف بنيتنا النفسية والمعنوية والأخلاقية أكثر وأكثر؟!  كيف أتصدی لعدوي وأنا أعيش علی فضلته ، وأبني حياتي كلها علی عطائه وأنتاجه وكأنه لا حياة لي إلا به ثم العنة بعد ذلك وأدعو لمعاداتة وقتاله وأشكو منه ومن ظلمه وكفره؟  إنها متناقضة في حياتنا ، وآن لها أن تنقضي وتنتهي إلی غير رجعة ليعود المنطق ليأخذ مكانه الطبيعي في تصرفنا تجاه عدونا!  إننا نستطيع لو إعتمدنا علی أنفسنا ووثقنا بها وعقولنا ليست أقل من عقولهم ونحن أمم كثيرة  وكبيرة ومتنوعة في أسيا وأفريقيا وأمريكا.  إن سيارة تجرها الخيول من إبتكارنا نحن وتصنيعنا نحن أفضل لنا وأعز من ألف سيارة تأتينا من بلاد شتی وحضارة غربية عفنه.  إن الحاجة أم الإختراع ، ولو توقفنا عن الأخذ منهم لأصبحنا في حاجة.  ولو أصبحنا في حاجة لدفعنا هذا إلی الإختراع والإبتكار والإعتماد علی الذات.  والنجاح  يُولد الثقة بالنفس ، والثقة بالنفس تولد الحضارة وثمارها الخيرة والجيدة.  ولا ننسی أن الله تعالی معنا وسيمدنا بعونه وبعلمه الذي هو أعطاه لغيرنا لمّا عملوا وأخذوا بأسبابه.  ولو عملنا نحن وأخذنا بالأسباب ودعوناه وعبدناه مخلصين له ، فسيمدنا بعلومٍ أضعاف علومهم فنسبقهم كما سبقناهم في الماضي ويأتي يوم يقفون هم علی أبوابنا أذلاء يطلبون من علومنا وحضارتنا التي ستفيض عليهم بالخيرات ، ولن تهدمهم بالسموم كما تفعل حضارتهم بنا وبغيرنا اليوم ۔ ولا بأس في أن نتعاون في هذا مع أممٍ أخری تريد أن تخرج عن إثار سيادة وطغيان الحضارة الأوروبية.

 

          فلنبدأ من الأن أيها الإخوة والأخوات المؤمنون والمؤمنات في كل مكان حركه واسعة لرفض الحضارة الغربية ونبذها بثمارها كلها وبحلوها ومرّها ، اللهم إلا ما دعت له الضرورة القصوی ۔ ولنعلن التمرد والعصيان عليها ولنحاول أن نوقف مدها الصاحب المدمر المجنون قبل أن يدوس علينا ويحطمنا وهذا واجبنا أمام الله تعالی وأمام رسوله صلی الله عليه وآله وسلم ولا يجب أبداً أن ننخدع بها أو نستسلم لبريقها وتألقها.  إن ما ندعوا إليه الأن ليس ضرباً من الجنون أو التخلف ولكنها دعوة للتعقل والتفكر والتروي والتصدي قبل أن يفوت الأوان ۔ فهل من مستمع أو هل من متعقل؟  وهل من رجل رشيد؟  واللهم فأشهد أننا قد أبلغنا الأمة وحذرنا فإن إنتبهت فبنعمتك اللهم وبفضلك.  وإن أصرت وتمادت ولم تنصت فنسألك اللهم رحمتك ولطفك وألا تؤاخذنا بما تفعل السفهاء منا ، وإن أردت فتنة قومنا بفتنة فتوفنا إليك غير مفتونين وإرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين ونجنا بفضلك مما يفعل الظالمون وأفض علينا صبراً وأعزنا بعزك وأهدنا لما إختلف فيه من الحق بإذنك أنك تهدي من تشاء إلی صراط مستقيم والصلاة والسلام علی أشرف  المرسلين محمد وعلی آله الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين.