بسم الله الرحمن الرحيم وبه تعالی نستعين

والصلاة والسلام علی أشرف المرسلين

محمد وعلی آله الطيبين الطاهرين المنتجبين

 

 

                                                             

 

          أيها الأخوة المؤمنون في كل مكان...نبحث علی مدی السطور القادمة موضوعاً إيمانياً هاماً...هو من ركائز الإيمان الحق الذي يجب أن يكون في قلب وعقل كل مؤمن ومؤمنة بالله تعالی حتی يصح إيمانه وتتم سلامة عقيدته...هذا الموضوع هو موضوع طهارة وعصمة الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمة المعينين والمحددين بأمر رب العالمين ، هؤلاء جميعاً كلٌ لا يتجزء ولا يتفرق ، يُكملّ بعضهم بعضاً في الوظيفة والمهمة وحساسيه وحيوية الدور والموقع وإن تنوع هذا الدور والموقع.  ولقد تُحدث كثيراً في هذا الموضوع...ولذا لزم بحثه ودراسته بطريقة موضوعية مخلصة واعية ملتزمة مدركة مُلّمة وذلك علی ضوء وهدی ما أنزله الله تعالی في كتابه الحكيم وعلی لسان رسوله الخاتم الأمين ، وما ورد من روايات المتقدمين والمتأخرين ، ثم الحكم علی الموضوع ببصيرة نافذة ، وعقل مفكر مدرك حكيم...والله الرحمن المستعان الكريم...نسأله الهداية والتوفيق والمعرفة...إنه السميع البصير العليم...

 

المبحث الأول:

 

          نبدأ بحثنا أولا ً بطرح هذا السؤال:

 

          ما هی الطهارة؟  وما هی العصمة؟

 

الطهارة بمعناها اللغوي...هو تنظيف الشئ وإزالة كل ما يُلوّثه (كالأوساخ والبقع والروائح والميكروبات...إلخ) مما هو غير مرغوب فيه وضار ومؤذٍ للإنسان المكتمل الإنسانية المتحضر بحد علمه ومعرفته وإدراكه.  أما الطهارة بمعناها الديني...فهی تطهير وتنظيف النفس والروح والقلب والبدن والأشياء مما أمر الله تعالی أن تتطهر وتتنظف منه وبالطريقة التي أمر أن تتطهر وتتنظف بها.  والطهارة بمعناها اللغوي قد تقوم بها أنت لنفسك أو للأخرين كما قد يقوم بها الغير لك...وكلما كان الغير هذا ذو خبرة وإختصاص في عملية التنظيف أو التطهير وذو علمٍ كلما إزدادت كفائة التطهير ونقائه وإكتماله ، وهناك تناسب طردي بين كفائة عملية التطهير وكفائة من يقوم به أي المُطهِر.  فإذا كانت كفائة المُطَهِر بنسبة ٦٠٪ كان يمكن أن يوثق في كفائة عملية التطهير والتنظيف أيضاً بنسبة ٦٠٪ وكان الشئ المُطهَر يُظن به الطهارة والنظافة بنسبة ٦٠٪ هو الأخر.  فنحن هنا أمام ثلاثة أشياء: مُطهِر ومُطهَر وعملية تطهير.  فأنت إذا أرسلت ملابسك للتنظيف عند أحد المحلات المتخصصة لذلك فملابسك هی المُطهَر والمحل هو المُطهِر والطريقة التي يتبعها المحل في التنظيف وكيفيتها وسلامتها هی عملية التطهير...ونظافة ملابسك )المُطهَر( في النهاية ستعتمد علی كفائة وخبرة وإختصاص المُطهِر )المحل( وكفائة عملية التطهير.

 

          أما الطهارة بمعناها الديني...فهی أيضاً قد تقوم بها أنت وتترك لك ، وقد يقوم بها غيرك لك وينطبق عليها نفس ما ذكرناه من قواعد وعلاقات سابقاً والطهارة الدينية نوعان:  طهارة وتطهير لأشياء مادية حسية كتطهير الثوب والبدن والأشياء والأجسام التي يمكن أن تشاهدها وتلمسها...وطهارة وتطهير لأشياء معنوية لا تراها ولا تلمسها ولكن قد تری أثارها كطهارة وتطهير القلب والنفس والروح والعقل والفؤاد والضمير.  ومنطقي طبعاً أن هذا النوع الأخير من الطهارة بمعناها الديني هو أصعب أنواع الطهارات لأنك تُطهر ما هو غير مرئي وغير محسوس وعملية التطهير نفسها صعبة وغير محددة ، وكفائة وخبرة من يقوم بها قد تكون محدودة وذلك نظراً لأن الكفائة والخبرة تعتمد علی كفائة وخبرة المُعلم الأصلي فإذا فُقد هذا فُقد ذاك ، وإذا قلّت كفاية ودراية وخبرة المُعلم قلت بالمثل كفائة وخبرة المُتعلم.  وأيضاً هذا النوع من تطهير الغير محسوس ومرئي قد تقوم به بنفسك كأن تُحاول أن تُطهر قلبك وروحك وعقلك ووجدانك وضميرك ونفسك بالعبادة وذكر الله الصوم والصلاة والدعاء والزكاة والصدقات والحج وفعل الخيرات والقراءة والإضطلاع وقد يقوم به غيرك لك كالشيوخ والوعاظ والرهبان والمُعلمين والجماعات الدينية والحوذات والمدارس الدينية والإجتماعية المختلفة.

 

          أما العصمة..فهی الحماية والوقاية...والفعل منها )يَعّصِمُ( أي يحول بقصد الحماية والوقاية و)العاصِمُ( هو الشئ أو الشخص الذي يحول بين شخص أو شئ وبين شئ أو شخص أخر بهدف حمايته ووقايته مما يُخاف ويُحذر منه.  و)المعصوم( هو الشخص أو الشئ المراد حمايته ووقايته أثناء وجوده في حماية وعصمة العاصم وحدوث العصمة والحماية فعلا ً.  أما إذا شُكّ في حدوث الحماية والوقاية والعصمة فعلا ً ولكن يُظن حدوثها فلا يُسمی )المعصوم( في هذه الحالة )معصوماً( ولكن يسمی )مُعتصماً( لإنه يُشك في هل أن العاصم سيوافق أو سيقدر علی منح العصمة أم لا...أما إذا شدد وكثف )المُعتصم( جهوده في طلب العصمة من عاصم وتمسّك فيسمي هنا )مُستعصماً(...فليس إذا كل معتصماً...مستعصماً وليس كل مستعصم أو معتصمٍ هو معصوماً...حيث أن المعصوم هو فقط من إكتملت له العصمة المطلوبة من العاصم بنفسه ١٠٠٪. 

          وإذا تأملنا ذكر الله تعالی لكلمة العصمة ومشتقاتها في القرءان لوجدنا هذا واضح:

 

١)  قال الله تعالی في سورة المائدة:  "يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك ....والله يعصمك من الناس" أي يحميك الله من الناس ويقيك ما تكره وتحذر منهم.  فالله هنا هو العاصم ، وطالما أن الله هو العاصم فلا شك ولا ظن في عدم إكتمال العصمة فالعصمة إذا تامة ١٠٠٪ ويكون الرسول )ص( هنا معصوماً لحدوث العصمة فعلا ً ويقينا لأن العاصم هو الله.

 

٢)  قال الله تعالی: "قال سأوي إلی جبلِ يعصمني من الماء"...فالعاصم هنا هو الجبل وإبن نوح هو مُعتصم لأن قدرة الجبل العاصم علی حمايته مشكوك فيها بل وفشلت بالفعل لقول الله تعالی )وحال بينهم الموج فكان من المغرقين(.

 

٣)  قال الله تعالی "ولقد راودته عن نفسه فاستعصم"...فيوسف )ع( هنا مُستعصم علی حد قول إمرأة العزيز لإنها رأت شدة إلتماسه لطلب العصمة والحماية من ربه وحرصه علی ذلك فسمته مستعصماً ، ونظراً لأنها أيضاً لا تُؤمن برب يوسف فقد شكت في قدرة العاصم علی توفير العصمة فسمته هنا مستعصماً...وهذه شهادة منها ليوسف في حرصه علی رفض ما طلبته وطلب العصمة والحماية والوقاية من ذلك.

 

٤)  قال الله تعالی: "واعتصموا بحبل الله جميعاً..." والله هنا يأمر بالإعتصام أي طلب العصمة والحماية ويحدد العاصم  وهو حبل الله.  ونحن إذا نفذنا الأمر سنكون معتصمين بحبل الله ولا نكون معصومين ليس لشك في قدرة الله علی العصمة ، حاشی لله ، ولكن لأننا لا ندري أيقبل العاصم أن يعصمنا أم لا...لعيب ونقص فينا. ولذا فليس كل معتصم بحبل الله هو معصوماً إلا إذا قبله الله وارتضاه وعصمه فهو معصوم وإلا فهو مُعتصم يرجو رحمة الله وقبوله بأن يعصمه ويحميه.

 

          فإذا حاولنا الأن أن نجمع معنی الطهارة ومعنی العصمة...فيمكننا أن نقول أن الطهارة هی تطهير الشئ وتنظيفه...والعصمة هی حماية الشئ المُطهَر من التلوث وفقدان حالة الطهارة التي أصبح عليها بعد عملية التطهير...فالعصمة إذن هی حماية المُطهَر من أن يفقد طهارته بعد تطهيره من قبل المُطهِر...فالمُطهِر يقوم بالتطهير والعاصم يحاول ويسهر علی أن تستمر حاله الطهارة قائمة. ولولا العاصم لما إستمر الطاهر علی طهارته ونظافته... فلو قلنا إذن أن هناك شيئاً طاهراً دائماً وعلی حالة طهارة بإستمرار لَزِم عقلياً ومنطقياً أن نعتقد بوجود عاصم يقوم علی إستمرار حالة الطهارة الدائمة للمُطهَر الذي يصبح بالضرورة هنا معصوماً لوجود حالة الطهارة بإستمرار له ، وكفالة العاصم لذلك وقدرته وقبوله لإجراء عملية العصمة..فالطهارة والعصمة إذن عمليتان متلازمتان يكمّل بعضعهم بعضاً ، ولا يمكن التفريق بينهما إذا أُريد لحالة الطهارة الإستمرار والدوام وأيضاً كلما إزدادت كفائة ودراية العاصم إزدادت كفائة العصمة ، والتناسب طردی كما هو الحال مع المُطهِر والطهارة تماماً.

          فرجل النظافة في الشارع أو المكتب مثلا ً هو المُطهِر ، ورجل البوليس أو الأمن هو العاصم من أن يفقد الشارع أو المكتب طهارته ونظافته.  فكلا منهما يكمل مهمة الأخر من هذه الناحية من حيث ضمان حدوث الهدف النهائي من العملية كلها وإستمراره والتي قصد بها التطهير والتنظيف والتنقية.  إذن فليس هناك عصمة دون أن يسبقها تطهير وليس العكس صحيحاً ، وبذا نكون قد إنتهينا من المبحث الأول.

 

المبحث الثاني:

 

          والأن نأتي للسؤال الثاني من مبحثنا وهذا السؤال هو:

 

          الطهارة...والعصمة للأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمة...مِن ماذا؟  بمعنی أخر...مِن ماذا سيطهر هؤلاء ومما سيعصموا؟

 

السؤال هنا مركب من جزئين:

          أ:  من ماذا سيُطهرون؟

          ب:  من ماذا سيُعصمون؟

 

ولقد توصلنا في نهاية مبحثنا الأول إلی العلاقة بين الطهارة والعصمة...وقلنا أن العصمة هی حماية الشئ بعد تطهيره من أن يتلوث ويفقد حالة الطهارة التي أصبح عليها...فالعصمة إذن منطقياً وبناء علی هذا تكون مما تم التطهير منه.  فإذا طهرت شيئاً من الميكروبات فإنك ستحاول أن تحميه وتعصمه من التلوث بالميكروبات وهاكذا...فالعصمة إذن هی مما تم التطهير منه فهی بالتالي تابعة للتطهير من هذه الناحية.

          وبناء علی هذا فإجابة السؤال )أ( هی نفسها إجابة السؤال )ب( فما سيُطهرون منه هو نفسه بالضبط ما سيُعصمون منه.  فالسؤال هو سؤال واحد فقط وهو: مما سيُطهر الأنبياء والرسل والأئمة؟  حيث أن الطهارة هی الأصل والعصمة تتبعها.

          وفي إجابة هذا السؤال إختلف علماء المسلمين الإمامية وفقهائهم ولكل مجموعة رأيها وما يؤيدها وعلمائنا كلهم أفاضل...وأتقياء ولا يقولون إلا ما يعتقدون أنه الأقرب للحق من وجهة نظرهم ولا يخافون لومة لائم ولذا فلا يحق لنا...ولا هو هدفنا من هذه الدراسة أن نُسفّه رأي أحد أو أن نُغلّط أحد ، ولكنا نحاول أن نجتهد بفكرنا ولا ينقص هذا من أجورهم ولا قدرهم شيئاً حتی وإن إختلفنا في الرأي والفكر.

 

          نعود الأن لسؤالنا...الطهارة للأنبياء والرسل ، والأوصياء والأئمة من ماذا؟!  للإجابة علی هذا السؤال بطريقة عقلية ومنطقية...وجب أن ننظر لحياتنا اليومية وما يجري فيها وما حولها لنطبق المنطق الإنساني اليومي للحصول علی إجابة علی سؤالنا.  فأنت مثلا إذا أردت أن تُطهر وتنظف ثوبك لتلتقي به مع شخصية مهمة أو لتحضر به حفلة زفاف أوتنصيب ، فمن أي شئ ستطهره وتنقيه حينئذٍ...إنك بلا شك ستنظفه وتُطهره من الأوساخ والبُقع والروائح والتجعدات وذلك حتی يستطيع أن يؤدي الوظيفة التي تريده فيها ويكون أكفأ في أداءها.

          ومثال أخر...إذا أردت أن تنظف سكيناً أو مقصاً لتجری به عملية جراحية علی جسم إنسان...فإنك هنا ستنظف وتطهر السكين أو المقص من ماذا؟  إنك ستطهره في هذه الحالة ليس من الروائح والتجعدات والبُقع ولكن ستطهره من الميكروبات والجراثيم والفيروسات وهذا سيكون همّك الأكبر وحرصك حتی لا يتلوث جرح المريض ويموت من هذا التلوث.  بهذا يكون السكين أو المقص بعد التطهير صالحاً وملائماً لأداء الوظيفة التي تريده فيها بأكبر كفأة ممكنه...ويمكننا ضرب ألف مثال علی هذا من حياتنا اليومية...ومن هذا نستنتج أن هناك علاقة مباشرة وأكيدة بين الوظيفة التي سيؤديها )المُطهَر( وبين الشئ الذي سيُطَهر منه.  أي أن عملية التطهير هی أساساً تكون لجعل المُطهَر أكثر ملائمة وتناسباً وكفائةً في أداء دوره المطلوب منه ووظيفته المعين من أجل أداءها بأتم صورة...هذه منطقية عقلية واضحة جداً ومفهومة ونستخدمها في حياتنا اليومية مئات المرات...نُطهر ونُنظف الشئ من تلك الأشياء التي تعوق أداءه لوظيفته ولكي نجعله أكثر قدرة وكفائة علی أدائها.

 

          لنطبق الأن تلك المنطقية الإنسانية للإجابة علی سؤالنا المطروح أمامنا فسنجد أن تطهير الأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة يجب أن يكون من الأشياء التي تُعيق أداءهم لوظيفتهم والتي يؤدي تطهيرهم منها لأن يكونوا أكثر قدرة وكفائة في أداء هذه الوظيفة وتلك المهمة ، فلكي نعرف سيُطهرون من ماذا؟  وجب أن نعرف أولا ً ما هی وظيفتهم ومهمتهم ونحددها...ونعرف أبعادها وبعد ذلك نستطيع بالعقل والمنطق أن نستنتج ونتوقع مما سيُطهرون ليكونوا أكثر ملائمة لأداء تلك الوظيفة والمهمة.  فما هی وظيفة ومهمة الأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة؟

 

أولا ً:  نقل وتوصيل أوامر الله تعالی المكلفين بتوصيلها.

 

ثانياً:  حضّ وحثّ الناس علی إتباع أمر الله وعدم معصيته وتنفيذ ما تأمر به الرسالة السماوية.

 

ثالثاً:  تنفيذ أوامر الله بدقة في الأدوار الخاصة المحددة لكل منهم زيادة عن الأدوار العامة دون زيادة ونقصان.

 

رابعاً:  أن يكونوا القدوة والمثل والأنموذج أمام الناس في تنفيذ أوامر الله تعالی وعدم معصيته تحت أي ظرف حتی يقلدهم الناس ويقتدوا بهم.

 

خامساً:  أن يحكموا بين الناس بالعدل بما أنزل الله وطبقاً لأوامره ومشيئته وأن يُعلّموا الناس كيف يحكموا بين الناس علی نفس الطريقة والنهج والمنوال.

 

سادساً:  أن يحددوا القواعد والأسس التي سيبني عليها المجتمع البشري وعلاقته بما حوله وما بداخله كما أمر الله تعالی بالضبط ويقوموا علی تنفيذ ذلك بقدر إمكانهم وإستطاعتهم.

 

سابعاً:  أن يُعلموا الناس الحكمة والموعظة والأحكام كما أمر الله وبما أمر الله وما تلقوه عن الله.

 

          وبعد هذا الإستعراض السريع الملخص لوظيفة ومهمة الأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة علی الأرض...تُری ما هی الأشياء التي يجب أن يُطهروا منها لكي يستطيعوا أن يؤدوا وظيفتهم ومهمتهم علی أتم وجه؟ً!  وإذا كانت مهمتهم تلك هی علی أعلی درجات الخطورة والأهمية...بل هی أعلی وأخطر درجة حيث أنها تتعلق بمصير الإنسان في أخراه ومسيرته في دنياه ، فليس هناك أهم وأخطر منها فوجب إذن وتحتم أن يُضمن لهم النجاح في مهمتهم بنسبة تكاد تصل إلی ١٠٠٪ ولكي يحدث هذا يجب أن يُطهروا مما قد يسبب فشلهم أو يعيق نجاحهم وأن يكون هذا التطهير أيضاً يكاد يصل إلی ١٠٠٪...فإذا كانت المهمة الذي سيؤدونها هی لله تعالی الخالق العظيم المتعال وهی بأمر وتكليف منه...وجب عقلياً وتحتم أن يكون هو المُطهِر بصورة مباشرة لخطورة المهمة ولإنها له ومنه.  وإذا كان الله العالم القادر المقتدر المهيمن الخالق المقدر هو المُطهِر فلا شك في أن التطهير سيكون تاماً كاملا ً شاملا ً بنسبة ١٠٠٪ ودائماً أيضاً طالما ظل النبيُ نبياً والرسولُ رسولا ً والوصيُ وصياً والإمامُ إماماً...وإذا كان التطهير تاماً ودائماً لزِم منطقياً كما ذكرنا في نهاية مبحثنا الأول أن يكون هناك عاصماً يضمن إستمرار وديمومة حالة الطهارة والتطهير والنقاء وبالتالي أن تكون هناك عصمة من أن تُفقد الطهارة...فالعصمة إذن لا بد أن تكون موجودة...وطالما أن المُطهِر هو الله لزِم بالعقل والمنطق والضرورة أن يكون العاصم أيضاً هو الله تعالی جل شأنه فيكون هو وحده بقدرته قد طهّر وعصم ليحمي الطهارة ويضمن إستمرارها...والطهارة والعصمة هنا تكون مكفولة مضمونة بنسبة ١٠٠٪ بلا شك لأن المطهر والعاصم هو الله سبحانه وتعالی.  وبذا يكون المطهرين قد أصبحوا معصومين لتأكد حدوث العصمة )راجع المبحث الأول(.

 

ونعود لسؤالنا...تُری ما هی الأشياء التي يجب أن يطهرهم الله تعالی ويعصمهم منها بنسبة ١٠٠٪ طهارة وعصمة كاملين لكي يُضمن قيامهم بوظيفتهم علی أكمل وأتم وجه؟  فلنعمل عقلنا قليلا ً بتركيز وتأمل وهدوء وحكمة...

 

          إننا لو نظرنا للمهمات السبعة لوجدنا أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو كلمة "أمرُ الله أو أَمَرَ الله أو أوامر الله" ،  فلا بد أن يكون التطهير والعصمة إذاً من الشئ الذي يُعارض أو يتعارض أو يعوق هذه الكلمة ، والذي يتعارض مع الكلمة دائماً هو عكسها والذي يعيقها هو ضدها ، والفعل يعارضه ضده ، والأمر هو فعل يستجاب له بالطاعة أو العصيان...فإن استجيب له بالطاعة فقد تم تنفيذ الفعل والأمر وإن استجيب له بالعصيان فقد عُورض الفعل وعوّق ومُنع تنفيذه...فما يعارض أو يتعارض أو يعوق أمر الله هو عكس الأمر أو نقضه أو معصيته وعدم طاعته...فإذا أدركنا ذلك وفهمناه وجب إذن أن نستنتج أن أهم شئ سيُطهر الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمة منه وبالتالي سيعصمون منه هو معصية الله تعالی في أوامره وتوجيهاته...وهذا تماماً ما ذكره الله تعالی في كتابه الكريم "بل عباد مكرمون...لا يعصون الله ما أمرهم...وهم بأمره يعملون" , فإقرار الله تعالی لهم هنا بعدم المعصية هو يعني التطهير من ذلك وأنه هو المطهر ويعني أيضاً بالضرورة العصمة من ذلك وأنه هو العاصم وأنهم بالتالي معصومون.

 

          فالتطهير والعصمة أساساً وأولا ً وأخراً هی من معصية الله تعالی في أي شئ.

 

وإذا كانت الوظيفة الأولی لهم هی نقل وتوصيل أوامر الله تعالی فوجب إذن عقلياً أن يُطهروا ويُعصموا من التضييع والكذب والخيانة والنسيان...والمقصود بالنسيان هنا النسيان الرسالي أي نسيان محتويات الرسالة ودقائقها وليس النسيان البشری العادي المتمثل في قول موسی (ع) للخضر (ع)... "لا تؤاخذني بما نسيت"...فذلك هو النسيان البشري الدنيوي...وهو خارج نطاق العصمة وذلك بنص الأية وبالأستدلال العقلي أيضاً.

 

          وإذا كان الوظيفة الثانية لهم هی حض الناس علی اتباع الرسالة وجب عقلياً أن يُطهروا ويعصموا من سوء الخُلق وكل ما يُضاد مكارم الأخلاق وذلك حتی يحبهم الناس ويكونوا مقبولين لديهم ليتمكنوا من حضهم وحثهم علی إتباع أوامر الله وتنفيذ رسالته.

 

          وإذا كانت الوظيفة الثالثة لهم هی تنفيذ أمر الله تعالی في الأدوار الخاصة المحددة لكل منهم دون زيادة أو نقصان...وجب عقلياً ومنطقياً أن يُطهروا من المعصية في أي صورة أياً كان ما كلفوا به حتی وإن بدا غريباً أو شاذاً مرفوضاً في دنيا الناس ومهما عانوا في سبيل ذلك...ووجب أيضاً أن يُطهروا ويعصموا من الكسل والضجر والسذاجة والتهور والتقاعس والجبن والغباء  والغفلة والضعف والوهن وقلة الحكمة وقلة  البصيرة وقلة التدبير.

 

          وإذا كانت الوظيفة الرابعة أن يكونوا القدوة والمثل أمام الناس في تنفيذ أمر الله وطاعته وجب عقلياً  أن يطهروا ويعصموا من السفه والتحتية والسؤال ووضاعة الأصل والجذور ، وسوء وخبث المنبت والفقر المدقع والعاهة البدنية ودمامة الشكل والمنظر والمرض المزمن , إلا تنفيذاً لأمر الله كما حدث لأيوب (ع) والجهل وما يحط من الهيبة ويُفسد السمعة.

 

          وإذا كانت الوظيفة الخامسة هی الحكم بين الناس بالعدل وبما أنزل الله...وجب عقلياً أن يُطهروا ويُعصموا من الظلم والجور وحب الذات والكبر والعجلة في القضاء ومخالفة أوامر الله وإتباع الهوی وإتباع الظن في الأحكام الإجتهاد بالرأي (إلا في حدود ما أمر الله تعالی نفسه) ، ومن الممالأه والنفاق والجهل وقلة العلم وسؤال من هو غير معصوم ومن هيبة الأخرين ومن الرشوة وضعف النفس وعدم الدراية وفقدان الخبرة والحكمة والمعرفة.

 

          وإذا كانت المهمة السادسة هی وضع القواعد والأسس التي سيبنی عليها المجتمع البشري بأمر الله والقيام علی ذلك إن تمكنوا ومُكّنوا...وجب عقلياً أن يكونوا مطهرين معصومين من فقدان المهارات السياسية والعسكرية اللازمة ومن عدم الحصافة وقلة الترتيب والنظام ومن الفوضی وعدم التركيز ومن حب الشهوات وزخرف الدنيا ومن الهزل وعدم الجدية ومن فقدان النزاهة والضعف أمام الناس ومن حب الظهور والمظاهر ومن العجب والإستعلاء والإستكبار ومن فقدان الحنكة والدراية والتجربة والخبرة ومن فقدان الذكاء والفطنة والحكمة ومن الإستهتار والغرور وعدم المواجهة ومن فقدان القوة ومن الخسة والرذائل.

 

          وإذا كانت المهمة السابعة هی أن يعلّموا الناس الحكمة والموعظة والأحكام...وجب عقلياً أن يكونوا مطهرين معصومين من كل ما سبق خاصة الجهل والسفه وقلة الصبر وقلة الحلم وقلة البصيرة وكتمان الحق والتهافت علی الدنيا ونسيان ذكر الله وقلة العبادة والتعبد ومن الرياء والجدال والمماراة ومن فقدان فصاحة اللسان وحلاوة المنطق ومن المبالغة والتهويل والتصغير والتطويل والإبهام والتحيير والتعقيد والتعسير.

 

          ولكن يبقی دائماً الأهم أولا ً وأخراً هو التطهير والعصمة من معصية الله تعالی فيما يأمر به.  هذا هو حكم العقل المجرد والمنطق الإنساني فيما يجب أن يكونوا مُطهرين معصومين منه من الله المُطهر العاصم تطهيراً تاماً وعصمة دائمة طالما هم معينين في أدوارهم لأداء وظائفهم حتی يكون أداءهم للمهمة تاماً وقيامهم بالوظيفة كاملا ً لأن مصير البشرية في دنياها وأخراها سيعتمد علی أداءهم لمهمتهم وقيامهم بوظيفتهم.

 

المبحث الثالث:

 

          نصل الأن للسؤال الثالث الذي يطرح نفسه:

          ما هی المعصية؟

 

المعصية هی عدم تنفيذ أمر الله تعالی وهی نوعان:

 

          معصية عن جهل دون قصد أو عن عدم قدرة وضعف عقلي أو نفسي أو بدني كمعصية أدم قبل النبوة والكثير من البشر ، ومعصية عن علم وبقصد وبقدرة كاملة علی الطاعة كمعصية إبليس (لع) وأوليائه من الإنس والجان.  والنوع الأول من المعصية يغفرها الله برحمته وكرمه إن ندم عليها وتاب منها واستغفر لها صاحبها بنية صادقة...أما النوع الثاني فجزائها الطرد من رحمة الله واللعنة علی صاحبها والعذاب الأليم.

 

          والأنبياء والمرسلون والأوصياء والأئمة مطهرون ومعصومون من كلا النوعين من المعصية.  وما كان من آدم حين  عصی ربه...فقد كان هذا من أدم وهو بعد في الجنة قبل أن يهبط إلی الأرض ويؤتی النبوة فلما عيّن كنبي طُهر وعُصم فلم يُری منه معصية بعد ذلك أبداً.

 

          وهنا يجب أن نأكد علی حقيقة هامة جداً وحيوية ومُنزلق وقع ويقع فيه الكثيرون...فالمعصية هی عدم تنفيذ أمر الله تعالی...وطهارة وعصمة الأنبياء هی من عدم تنفيذ أمر الله لهم في أي شئ وعصيانه...وليست المعصية هنا ما درجت العقول علی تسميته بالمعاصي لإندراج بعض الأفعال تحت نواهي الله بشكل عام ، ولكن تبقی العبرة في النهاية بأن المعصية هی عدم تنفيذ أمر الله تعالی تحديداً وليس كما يتبادر إلی ذهنك من أفعال معينة نسميها بالمعاصي ومن المهم هنا التمييز بين الحالين وإن إتفقا في معظم الأحيان.  فالكذب مثلا ً والقتل وإيذاء ممتلكات الغير وإتهام الأخرين بما ليس فيهم هو في عقولنا من المعاصي وهو كذلك ولكنه ليس كذلك لمجرد الفعل في حد ذاته ولكنه كذلك لنهی الله عنه ، فهذا هو ما جعله معصية إن أوتي به...وهذه نقطة حساسة يجب أن نفهمها ونعيها...حتی لا نخلط ونستطيع أن نفهم معنی الطهارة والعصمة كما أرادها الله تعالی.  فمن لا يكذب إلتزاماً منه بالأخلاق الحميدة والصفات الحسنة لا يُسمی صدقة هذا طاعة لله...ولا هو في هذه الحالة مطيعاً لأمر الله ، وليس هو كمن لا يكذب إلتزاماً وطاعة لأمر الله تعالی بعدم الكذب...فالله يأمر بالصدق وعدم الكذب في معظم الأحيان.  ولكن في أحيان أخری ومواقف معينة يبيح الله لك الكذب بل ويأمرك به...كالكذب علی أعداء الله والمسلمين في القتال فلا تبوح لعدو الله بأسرار جيوش المسلمين ويحل لك أن تضلل الأعداء وهذا ظاهره كذب ولكن باطنه طاعة لله تعالی ، والمهم هنا هو طاعة الله تعالی...وقد يكذب الرجل ليصلح ذات البين بين مؤمنين متخاصمين غير متوادين وهذا مباح محضوض عليه لقوله تعالی "وأصلحوا ذات بينكم" فالعمل في ظاهره كذب ولكنه مباح لأن الله تعالی أمر به في هذا الموقف...والتقية في ظاهرها قد تكون كذباً ولكنها مأمور بها من الله في حالات معينة لحماية النفس والمال والعرض والولد ، وقد أباحها الله ورسوله لعمار (رضي الله عنه) عندما أجبر علی سب رسول الله (ص) من قبل الكفار وظن أنه قد أهلك ، فنزل قول الله تعالی "إلا من ُأكره وقلبه مطمئن بالإيمان"...ففي هذه الحالات ينفصل أمر الله عن معنی الفعل المجرد...فنلتزم في هذه الحالة بأمر الله حتی وإن أتينا بالفعل المجرد لأن المهم هو فقط تنفيذ أمر الله وليس ما اعتادت عليه عقولنا أو أعرافنا.

 

          وهكذا نستطيع أن نُفسِر الكثير من الأحداث دون الإخلال بمعنی العصمة.  فإبراهيم عليه السلام أمره الله بخداع القوم بإدعاء المرض لكي يُكسّر الأصنام بعد خروجهم...فظاهر فعله أنه كذب ومعصية ولكن حقيقته أنه كان التزاماً وتنفيذاً لأمر الله الذي هو أهم شئ والذي طُهّر وعُصم إبراهيم (ع) من معصيته حتی وإن خالف الأمر الإلهي العُرف وما يُقبّحه الإنسان.  فالمهم الطاعة المطلقة لأمر الله تعالی أياً كانت.

 

          ويوسف (ع) إتُهِم إخوته عن غير حقيقة بسرقة سوار الملك وهذا في العرف الإنساني من المعاصي...ولكن الله أمره أن يفعل هذا... "وكذلك كدنا ليوسف"  ويوسف مُطهر معصوم من أن يعصی أمر الله حتی وإن بداً قبيحاً لدی الناس ، فالمهم الطاعة المطلقة المجردة لأمر الله تعالی أياً كان.

          فهناك فارق إذن بين أمر الله تعالی...والمعنی المجرد للأفعال حتی وإن إتفقا في أحيان كثيرة فلا بد أن يظل الفرق ماثل أمامنا وأن نعرف أن أمر الله هو المهم والأهم وليس الفعل في حد ذاته...والأمثلة كثيرة...فالأكل حلال ولكنه بأمر الله في نهار رمضان حرام ، وقتل النفس حرام ولكنه بأمر الله في القصاص وقتال أعداء الله حلال ، والمعاشرة الجنسية حرام إلا بالزواج أو ملك اليمين وهاكذا نری الأفعال في ظروف معينة حلالا وفي ظروف أخری حراماً...وفي أوقات معينة تحلّ وفي أوقات أُخری تُحرّم والفيْصل في كل هذا أمر الله وتنفيذ أمر الله لأنه هو البغية والهدف وهذا ما يختبرنا الله دائماً فيه حتی وإن خالف أمر الله عرف الناس ونظرة الناس وهوی الناس...وهذا من الإختبارات المهمة التي يتعرض لها المؤمن  .يقعد أمير المؤمنين (ع) عن طلب حقه ممن إغتصبوا حقه في خلافة النبي (ص) وذلك تنفيذاً لأمر الله وأمر رسوله حتی وإن لامه الناس ولامه التاريخ فهو مُطهر معصوم من أن يعصي الله أبداً.  ويصالح الحسن (ع) معاوية وذلك تنفيذاً لأمر الله وأمر رسوله حتی وإن لامه الناس ولامه التاريخ فلا يبالي لأنه مُطهر معصوم من أن يَعصي الله أبداً.  ويخرج الحسين (ع) علی يزيد (لع) تنفيذاً لأمر الله تعالی ويأخذ أهله معه تنفيذ لأمر الله تعالی حتی وهو يعلم أنه مقتول هو وأبناءه وأصحابه لا محالة وأطفاله ونساءه في الأسر لا محالة ولكنه مُطهر معصوم من أن يعصي الله أبداً حتی وإن لامه الناس ولامه التاريخ.  والسجاد (ع) يجلس في بيته يتعبد ويدعو ويُعلم وبنو أمية يعيسون في الأرض فساداً ولا يخرج ، وذلك تنفيذاً لأمر الله تعالی حتی وإن لامه الناس ولامه التاريخ لأنه مطهر معصوم من أن يعصي الله طرفة عين أبداً وإن بدا تنفيذ أمر الله عجيباً غريباً مخالفاً للعقل والعرف والسداد.  الخضر (ع) يذبح الغلام ويخرق السفينة ، وكلها أعمال ظاهرها معاصي لم يتحملها موسی (ع) لكن الخضر (ع) ينفذ أمر الله ، أعجب الناس أم لم يعجبهم ، وافق منطقهم وعرفهم ورؤيتهم أم لم يوافق... "وما فعلته عن أمري"  وهذا درس الله لنا لنتعلم أهمية تنفيذ أمر الله وليس المهم ظاهر الأفعال.

 

          طالوت يخرج بجيش ضعيف محدود العدد والعدة ليواجه عمالقة طغاة كثيرة العدد حبابرة لا حصر لهم ومع هذا يأتيه أمر الله بأشياء تنفيذها يؤدي إلی تقليص عدد الجيش ، فظاهر الأمر يخالف المنطق الإنساني والحكمة العسكرية السياسية لدی الناس ، ولكن طالوت ينفذ أمر الله حتی ولو أدی إلی تقليص عدد جيشه أو هزيمته...لأن تنفيذ أمر الله هو المهم وهو الهدف من الخلق والوجود... "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" والعبادة أساسها وحقيقتها وجوهرها الطاعة المطلقة فيما تحب وفيما تكره وفيما يحب الناس وفيما يكرهون...المهم طاعة أمر الله تعالی أينما كانت وكيفما كانت.  وطهارة وعصمة الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمة من معصية أمر الله تعالی بصرف النظر عن ظواهر الأفعال وأقوال وأراء وأهواء الناس ، فأمر الله فوق الجميع وقبل الجميع ونافذ علی رقاب الجميع...وهل أصبح الملائكة ملائكةُ إلا بطاعتهم المطلقة لله تعالی ، وهل خُلق الخلق والملكوت إلا بأمر الله تعالی ،  وهل يأتي كل خير إلا من تنفيذ أمر الله تعالی؟

 

المبحث الرابع:

 

          ويبدأ بهذا السؤال:

 

لما يجب أن يكون الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمة مطهرين معصومين؟

 

والإجابة علی هذا السؤال واضحة سهلة وبسيطة إذا ما رجعنا للمباحث الثلاثة السابقة فالتطهير والعصمة هی منطقية حتی يمكن لهم أن يؤدوا دورهم ووظيفتهم علی أكمل وأتم وجه نظراً لخطورة وأهمية وحيوية هذه المهمة والوظيفة بالنسبة للبشرية جمعاء...فكيف يمكن أن يكلف رسول بتأدية رسالة تأمر بطاعة الله وهو نفسه قد يعصي الله ومُعرضٌ لذلك؟  إن هذا يضع الرسالة كلها في خطر شديد وليس منطقياً أبداً...كيف سيؤدي الرسالة العظيمة الهامة وهو مُعرض للكذب والخيانة والنسيان الرسالي والسفه وعدم الحكمة وقلة العقل والضعف ونقص البدن ومساوئ الأخلاق...إلخ....

 

          إن هذا سيجعل رسالته مشكوك فيها وفي صحتها ويضع شخصه نفسه علامة إستفهام ويعطي الفرصة لأعداء الرسالة لمهاجمتها ويشكك في إلاهيتها...لأن العقل المفكر سيتسأل حينئذٍ...ألم يكن الإله الخالق قادراً أن يجعل رسوله مُطهراً محمياً من هذه الأفات قبل أن يُكلفه بهذه المهمة الخطيرة...والتسأول وقتها سيكون منطقياً وقد يقف دليلا ً علی تزوير الرسالة وعدم صدقها وعدم صدق من جاء بها...هل يمكن أن يُرسل طبيبٌ رجلا ً مريضاً متهالكاً ليوصل رسالة إلی أحد مراجعيه أو زبائنه؟!  هل يمكن أن يرسل قسم الشرطة مجرماً أعرجاً ذو عين واحدة ليدعي أنه شُرطی يحمل لك رسالة من مدير الشرطة؟!  هل يمكن أن يرسل محل تنظيف الملابس ملابسك إليك بعد تنظيفها مع رجل قذر الثياب قذر المنظر بشع المظهر...إن هذا لا يحدث في حياتنا العادية وإن حدث فإنك تلقائياً تشك في صدق الرسالة والرسول.  وكل منا يختار بدقة من يمثلونه أو يحملون رسالته ولو استطاع أن يختار أصلح البشر لإختاره.  ولذا تدقق الأعمال والأشغال في إختيار موظفيها ومن يمثلونها من كل النواحي ، وأنظر إلی أي طلب تعيين والأسئلة التي به والتي كل القصد منها أن تحدد مدی طهارتك لتلائم العمل الذي ستقوم به ، ثم تُفحص الطلبات ويختار الأطهر والأنقی والأليق لأداء المهمة...فلما لا نطبق نفس المبدء الإنساني في هذه الحالة أيضاً ، ولما تعطي لنفسك الحق في اصطفاء واختيار وانتقاء وتطهير وعصمة من يمثلك أو يمثل شركتك ولا تعطي لله الحق ذاته عندما يختار أنبيائه ورسله وأولياءه...إن هذه مغالطة لا يقع فيها العقل السليم والفكر الحكيم.

 

          إن طهارة وعصمة الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمة هی دليل عقلي ومنطقي علی صحة وسلامة الرسالة التي يحملونها...تماماً كما وأن مظهر وشكل وتصرفات رسول قسم الشرطة إليك تؤكد لك صدق شخصيته وسلامة وصحة رسالته.  فلا يستطيع جاهل بعد هذا أن يتسأل ويقول لما يجب أن يكون رسل الله وأنبيائه وأوليائه مُطهرين معصومين وقد قامت الحجة العقلية والدليل الفكري الشاهد والناطق علی كل فكر إنساني...ولذا فهو حقيقة متوقعة يتوقع حدوثها العقل السليم فإن حدثت فعلا ً فلا غرابة ولا عجب وإن جاءت الأيات والأحاديث لتذكرها وتؤكدها فلا يجوز ولا يحق لنا أن نقول  كيف هذا وأنی هذا اللهم إلا إذا تركنا عقولنا وراء ظهورنا وإستسلمنا لما تفرزه عقول سفهاء وجهلة عصورنا.

 

المبحث الخامس:

 

          والأن نواجه سؤالا ً جديداً تطرحه العقول:

 

هل تطهير وعصمة الأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة تتعارض مع كونهم بشراً؟

 

وهنا نجيب بسؤال أخر:  هل إذا أخذ أحد من البشر شيئاً لم يأخذه غيره أبداً ،هل هذا يجعله لم يعد بشراً؟!  بلا شك أن الطهارة والعصمة لأنبياء الله وأوليائه هی عطاء من الله خاص بهم دون غيرهم لم يعطاه أحد قبلهم ولا بعدهم ، فهم من هذه الناحية أخذوا ومُيّزوا بما لم يأخذه بشر.  ولكن هل مجرد هذه الحقيقة تخرجهم من البشرية؟!  هل إذا أُعطی رجلا ً من المال ما لم يعطه أحد من قبله أبداً...هل هذا يجعله ليس بشراً؟!  هل إذا أعطی رجلا ً مُلكاً لم يعطه أحد من قبله أبداً...هل هذا يجعله ليس بشراً؟!  هل إذا أُجريت جراحة لرجل لم تُجری لأحد قبلهِ أبداً...هل هذا يجعله ليس بشراً؟!  هل إذا حقق عداء أو سباح رقماً قياسياً جديداً لم يحققه أحد قبله أبداً...هل هذا يجعله ليس بشراً؟!  هل إذا حدث لك حدثاً لم يحدث لبشر حدث مثله أبداً...هل هذا يجعلك ليس من بني البشر؟!  هل نيل أرمسترونج أول من وضه قدمه علی القمر هو وزميله...هل هما ليسا من البشر لأن ما حدث لهما لم يحدث لغيرهما أبداً؟!  هل قال أحد بذلك؟! 

         

إننا بشر بحكم كوننا لحم ودم وخلايا وأعصاب وتركيب تشريحي ، وبحكم أننا نتكلم ونفكر ونأكل ونشرب ونفرح ونحزن كسائر البشر.  إن هذا هو فقط ما يجعلنا بشر أما ما يُميزنا الله به عن غيرنا حتی وإنا كنا فريدين في هذا وحيدين لا مثيل لنا فإن ذلك لا يُخرجنا أبداً من حدود البشرية ولا ينفی عنه صفة البشر...هل إذا وضعت في الكومبيوتر الخاص بك نظاماً لحمايته ضد الفيروسات الإلكترونية هل يأتيك مجنوناً ليقول لك إن كومبيوترك أو حاسبك (الألی) أصبح غير كمبيوتر لأنه تميز عن أجهزة الكمبيوتر الأخری...إننا نضع السؤال أمامك بعقليه عصرية ليتضح لك مدی سخفه وسفهه وسفاهة من يلقيه...هل الشاة الذي تم إستنساخه حديثاً لم يعد يُسمی شاة لأنه تميز عن بقية أفراد جنسه...هل البيضة التي نُزع منها الكلستيرول لم تعد تُسمی بيضة لأنها حدث لها ما لم يحدث لسائر البيض...نعتقد أن الأمر قد اتضح وعقم السؤال قد ظهر ، ولا يحتاج الأمر إلی أي شرح أكثر من هذا.  فتطهير وعصمة الأنبياء والأئمة لا يخرجهم أبداً عن حدود البشرية أو إطار الإنسانية (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا ً).  (قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحی إليّ)  وهل تسائل أحد المسلمين أبداً وقال هل عيسی ابن مريم لخاصية ولادته بغير أب...هل هو بشر أم غير بشر؟!  إن هذا منطق المسيحين الساذج العقيم في إثبات إلهية عيسی وأنه إبن الله ، لعنة الله عليهم وعلی من يُفكر مثلهم.

 

المبحث السادس:

 

          والسؤال الأن هو:

 

هل تجعل الطهارة والعصمة من الأنبياء والأئمة شخوصاً إلهية لا يمكن التعامل معها من قبل الناس العاديين وهل تحول بينهم وبين الإتصال والإلتقاء بسائر البشر؟

 

          التعامل والإتصال والألتقاء بين الناس هو أنواع متعددة وليس نوعاً واحداً كما يبدو من السؤال...فتعاملك وصلتك بأبيك وأمك تختلف عن أخيك وأختك ، وتعاملك وصلتك بمدرسك  وناظر مدرستك تختلف عن صديقك أو زميلك ، وتعاملك وصلتك مع رئيس دولتك تختلف عن رئيسك المباشر في العمل أو خادمك.  والتعامل والإتصال بينك وبين شيخ مسجدك وواعظك ليس كتعاملك وإتصالك بجارك أو إبنك...فلكل مقام مقال ولكل إنسان طريقة تعامل واتصال وعلاقة تختلف بإختلاف المتعامل معه.  والأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمة...شخوص تؤدي وظائف ربانية إلهية...فهيبتهم من هيبة الله ومكانتهم من مكانة الله...هذا بصرف النظر إن كانوا معصومين مُطهرين أم لا...فتعاملك معهم وصلتك بهم ليس من المتوقع أبداً أن تكون كصلتك بصديقك أو معلمك أو جارك أو زميل العمل...لأن تعاملك معهم وإتصالك بهم له قدسية هی من الله الذي يمثلونه...فهل تُعامل وتتعامل مع رسول صديقك إليك كتعاملك مع رسول رئيس الدولة إليك أو رسول البوليس إليك...لا شك لا...لأن تعاملك واتصالك في الحالتين الأخيرتين سيتأثر بلا شك بمن يمثله الرسول.  فرسول رئيس الدولة ستعامله بإحترام ومهابة أكثر ورسول البوليس ستعامله بخوف وتحفظ أكثر ، وهاكذا البشر يُكيّفون علاقتهم وتعاملهم وكيفية إتصالهم بحسب الشخص الذي أمامهم وما يمثله ومن يمثله...فأنت أساساً لن تتعامل أو تتصل مع الأنبياء والأئمة كتعاملك مع بقية الناس...لأن العلاقة هنا مختلفة ، ومن يمثلونه هو رب عظيم مالك الملك...فمطلوب أيضاً أن تبقی علاقتك واتصالك بهم في شكل معين وحدود معينة فريدة جداً تختلف عن كافة علاقتك واتصالتك ، ولا تتوقع أن تكون لك بهم علاقة أو اتصال يشبه علاقتك بأخيك وصديقك...إن هذا غير مقبول وغير منطقي ، بل علی العكس إن هذا الإختلاف مرغوب في حد ذاته...ألم يقل الله تعالی (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض) أي لا تعاملوا وتتعاملوا مع الرسول (ص) كما تعاملون بعضكم بعضاً...إن الله تعالی أراد أن تظل هناك مسافة من الإحترام والمهابة ، وهذه المسافة لن تعيق قيام الأنبياء والأوصياء بوظائفهم ، وإلا لو علم الله بإعاقتها لما أمرنا أن نترك هذه المسافة بيننا وبينهم...إن هذه المسافة لن تعيق إنسياب الرسالة الإلهية والتعاليم والأوامر منهم إلينا ولن تعيق تعليمهم لنا أو حكمهم فينا وعلينا...لن تعيق اداءهم لوظائفهم أبداً وهو المطلوب.  وليس من وظائفهم أن يكونوا نُدمائنا أو أصدقائنا...أليس يترك كل ملك أو رئيس دوله أو رئيس عمل مسافة بينه وبين الناس ، وهل هذا يعيقه عن أداء مهام وظيفته...هل لن يصلح الرئيس الأمريكي لأداء وظيفتة إلا لو فتح لي باب البيت الأبيض لأذهب إليه أي وقت أشاء وأُحدثه فيما أشاء وأضيع وقته فيما أشاء واتصل به تليفونياً وقتما أشاء ، ولو فعل هذا لأصبح رئيساً جيداً ولو لم يفعله لا صبح لا يؤدي مهمته لأنني لا أستطيع أن أتعامل معه وأتصل به كما أفعل مع جاري أو صديقي أو إبني...إن هذا هراء يصل لحد الجنون...إن علاقتك وإتصالك بالأنبياء والأئمة تختلف عن الأخرين ، ليس لأنهم مُطهرين أو غير مطهرين ، معصومين أو غير معصومين ، لكن لأنهم يمثلون الله تعالی بكل قدسيته وعلوه وعظمته...إنك تبجل وتحترم شيخ مسجدك أو أي عالم وتتعامل معه ليس كما تعامل الأخرين لماذا؟!  لأنه يمثل الدين والله في نظرك فكيف بك مع أنبيائك ورسلك وأئمتك...ووجود العصمة والطهارة هنا لا علاقة له بالموضوع بالمرة...فأنت تهاب وتتحفظ مع الشرطی رسول رئيس الشرطة إليك لما يُمثله ومن يُمثله ولا يهمك هنا إن كان هذا الشرطی ذو تقارير حسنة وكفء في عمله أم لا ، إن كان مقرب من رئيس الشرطة أم لا ، إن كانت ملابسه مكوية لامعة أم لا...كل هذا لا يدخل في حساباتك...إنك تترك مسافة بينك وبينه لما يمثله وليس لأي شئ أخر.

 

          أما  القول بأنني أستطيع أن أقيم علاقة وصلة مع أصحاب النبي (ص) ولا أستطيع أن أقيم نفس العلاقة والصلة مع الأئمة من أهل البيت (ع) وذلك بسبب طهارتهم وعصمتهم فهذا صحيح بلا شك بل هو مرغوب فيه وصحي ، والسبب هنا ليس لطهارتهم وعصمتهم في حد ذاتها ولكن لدورهم ولما يمثلونه...فأصحاب النبي (ص) ليسوا معينين من الله وليسوا أوصياء وليسوا أئمة وليست لهم أدوار إلهية وبالتالي ليسوا مُطهرين أو معصومين...ولذا فهناك فرق بين علاقتك واتصالك بهم وعلاقتك واتصالك بالأئمة والأوصياء المعينين من الله...فقد تكون في قلبي مهابة لأصحاب موسی (ع) ولكن مهابتي من يوشع بن نون وصي موسی (ع) ستكون أكثر بلا شك ليس فقط بسبب طهارته وعصمته ولكن بسبب دوره ووظيفته وما يمثله ولذا فعلاقتي وتعاملي وإتصالي بصاحب موسی ستكون أسهل من علاقتي وصلتي بيوشع بن نون وليس في هذا حرج ولا خطأ ، ولكنه مقصود أن تبقی هناك مسافة بينك وبين إمام زمانك والأئمة أكبر من التي تُبقيها بينك وبين غيرهم وذلك لمكانتهم ووضعهم ووظيفتهم وقربهم من الله تعالی. هذا طبيعي ولا غضاضة فيه ونحن نفعل هذا في حياتنا اليومية بلا حرج ....هل إذا أتاك إبنك وقال لك إنني أستطيع أن أتعامل وأتصل بصديقي في المدرسة ولا أستطيع أن أتعامل وأتصل بناظر المدرسة بنفس السهولة والطريقة لأن هناك مسافة بيني وبين ناظر المدرسة أكبر مما هی بيني وبين زميلي...بما ستجيب إبنك...إن ما ستجيب به إبنك وتشرحه له مما يزيل عجبه وضيقه هو نفسه ما سنقوله لك ليزيل عجبك وإلتباسك وشكوكك.  فالطهارة والعصمة هنا لا دخل لها في الموضوع...وهل إذا فرض والتقيت بالإمام الحسين (ع) الأن هل سيفرق  تعاملك معه وإتصالك به إن كان معصوماً أو غير معصوم؟  نترك هذا السؤال للقارئ لإجابته وحسم الموضوع.

 

          ثم إن المسيحيون عبدوا عيسی (ع) وقدسوه وادعوا أنه الإله نفسه فهو بالتالي عندهم معصوم بالطبع بل هو أكثر إنه إله ولكن هل منعهم هذا المفهوم ومنعتهم تلك النظرة من إقامة العلاقة معه والإتصال به وإدخاله في كل شئون حياتهم صغيرة وكبيرة...مجرد سؤال...فلِما نقول إذن بأن مبدء الطهارة والعصمة يحول بين العلاقة والإتصال ويضاده.

 

المبحث السابع:

 

          والسؤال الذي يطرحه البعض الأن...

 

لما لم يذكر الأنبياء أو الرسل أو الأوصياء أو الأئمة أنهم معصومين؟

 

والإجابة علی هذا السؤال بسيطة...

 

فأولا ً:   الحقيقة التي تثبت بالمنطق والعقل لا تحتاج إلی تأكيدها بنص طالما لم يخالفها نص وطالما هی حقيقة يقبلها العقل.

 

          مثلا ً إن العقل والمنطق يقول بأن يونس (ع) كان يصوم لله ولكن هل لدينا نص من القرءان أو الأحاديث يقرر هذا تحديداً...لا...ولكن ليس لدينا أيضاً نص ينفيه ولذا فهو حقيقة طالما استنتجها وقبلها العقل السليم.  وركوب السيارة مثلا ً العقل يقضي بأنه حلال لا شبهة فيه ولكن هل هناك نص قرأني أو أحاديث في جواز ركوب السيارة؟  لا ولكن ليس هناك نص بالتحريم...فيصبح إذاً جواز ركوب السيارة حقيقة لا غبار عليها ونحن إستنتجنا بعقلنا السليم حتمية حدوث الطهارة والعصمة ، فحتی إن لم نجد لها نصاً في القرءان أو الأحاديث ، وليس هذا صحيحاً ، وليس هناك أبداً نص يعارضها يقول أن الأنبياء غير معصومين وغير مطهرين ولذا فهی حقيقة لا غبار عليها طالما تقبلها واستنتجها العقل السليم ولم يعارضها نص شرعي.

 

وثانياً:  هل المطلوب أو هو من الذوق السليم...من الإنسان العادي أن يتحدث عن نفسه إيجابياً ويمدح نفسه ويذكر خصائصه الفريدة ومكانته؟!  إن هذا غير مقبول وتأباه النفس من الإنسان العادي فما بالك بقمة الإنسانية وأعلاها...الأنبياء والمرسلين والأئمة هل يُتوقع منهم وهم أهل التواضع والحياء أن يقفوا بين الناس ويقولوا لهم "نحن مطهرون نحن معصومون؟!"  هل لو لم ينزل الله أية التطهير كان رسول الله (ص) أو أمير المؤمنين (ع) سيقول للناس "نحن أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيراً؟!"  إن زهدهم  وحياءهم وتواضعهم كان سيمنعهم من هذا ولذا تكفّل الله بهذه المهمة عنهم...فكيف نريد أو ننتظر منهم هذا وأن يقولوا لنا ما هو واضح وضوح الشمس أما أعيننا نستطيع أن نراه دون حتی أن يقولوه أويشيروا إليه.

 

ثالثاً: ألم ينزل الله تعالی أية التطهير وكلها في الفعل المضارع مما يدل علی الأبدية والإستمرار (يُذهب ويُطهر) وإذا فهم وتأكد الأبد والإستمرار لزمت العصمة كما أوضحنا في مبحثنا الأول...وبالتالي فأية التطهير تدل أيضاً علی العصمة بلا شك أو جدال.  وهل بعد قول الله قول وهو أحكم الحاكمين ونكتفي بهذا ولا حاجة بنا لسرد عشرات الأحاديث عن الرسول (ص) وعن الأئمة (ع) التي تدل بطريقة غير مباشرة علی طهارتهم وعصمتهم وكفی بالتاريخ وبسيرتهم الذاتية شاهداً ودليلا ً!

 

 

          أما الأنبياء والمرسلين...فهل إذا طهر الله وعصم أهل البيت والأئمة فهل يبقی هناك شك في طهارة وعصمة الأنبياء والمرسلين...وهل إتطلعنا علی رسالة وكتاب كل نبي ورسول سبق حتی نحكم بخلو هذه الرسالات وتلك الكتب من أيات واضحات في تطهير كل نبي أو رسول وعصمته...وألسنا نجد في القرءان أيات عديدة تصف الأنبياء والرسل لا يمكن أن يفهم معها إلا تطهيرهم وعصمتهم من قبل الله تعالی وإلا فما معنی:   إنه كان صادق الوعد (١٩:٥٤)...وكان صديقاً نبيا (١٩:٤١)..........نِعم العبد إنه أواب (٣٨:٣٠,٤٤) ...........أولی الأيدي والأبصار (٣٨:٤٥)...........وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (٣٨:٤٧)............إنا أخلصناهم بخالصة ذكری الدار (٣٨:٤٦)..............بل عبادٌ مُكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون (٢١:٢٦،٢٧).

 

          ونظرة متأملة في سورة مريم وسورة الأنبياء وسورة إبراهيم وسورة يوسف وسورة الصافات وسورة صاد وسورة غافر وسورة الأعراف وسورة الشعراء وكافة سور القرءان وسوف يتضح الحال...لكل ذي بصيرة وفكر خالص من الشوائب والأرذال.  فالأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمة المنتجبين جزء واحد لا يتجزء ولا يتفرق ، إصطفاه الله وطهره الله وعصمه الله والحمد لله منة من الله ونعمة من الله صبحانه وتعالى.

 

           ونكون بهذا قد إنتهينا من بحثنا حول الطهارة والعصمة...للأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة...والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله...والصلاة والسلام علی الطاهر والمُطهَر المعصوم محمد رسول الله....وعلی أهل بيته الطاهرين المُطهَرين المعصومين بأمر الله وبكلمة الله وبقدرة الله سبحانه وتعالى.