وثب الضفدع عالياً في الهواء وصاح:

 

محكمة!  فوقف الحاضرون جميعاً في قاعة المحكمة الحيوانية وهم لفيف من مختلف أنواع وأشكال الحيوانات ودخل الدب القاضي متثاقلا ً في روبة الأسود يجر قديمه وجلس علی مقعده خلف المنصة وأشار بيده فجلس الحاضرون ثم قال:

 

          فُتِحَت الجلسة...نادي أيها الحاجب علی المتهم...

 

فوثب الضفدع في الهواء مرة أخری وقال بصوته المميز...المتهم هو إنسان...إدخلوا المتهم أيها الحراس...

 

ويدخل قاعة المحكمة إنسان محاط بأربعة حراس من الكلاب ويأخذ طريقه إلی قفص الإتهام حيث يدخل القفص ويغلق أحد الحراس الكلاب عليه الباب...ويجلس المتهم الإنسان علی مقعده داخل قفص الإتهام.

 

الدب القاضي:

          والتدخل هيئة المحلفين (فيفتح باب جانبي ويدخل المحلفون وهم عبارة عن فيل وغزال وصقر وفهد وأرنب وتمساح وزرافة وطاووس وحمل وحمامة ووطواط)...المدعي يتلوا قرار الإتهام ويقول لنا لماذا هذا المتهم هنا الأن؟

 

ويقف الثعلب المدعي مرتدياً وشاحه ويقول:

 

          سيدي القاضي..إن المتهم الواقف أمامكم الأن هو أحد البقايا النادرة لهذا الجنس المسمی بالبشر أو الإنسان...هذا الجنس الذي إنقرض تقريباً أوكاد.  وأذكر المحكمة الموقرة هنا بقرار ملكنا الأسد المفدی أطال الله عمره ، وقرار السيد النمر الأكبر رئيس الوزراء المرقم ٦٣٥ لسنة ٢٠٠٥ والذي صدر بخصوص حل مشكلة بقايا هذا الجنس الإنساني المنقرض...وينص هذا القرار كما تعلم المحكمة علی أن كل مخلوق يثبت بالأدلة أنه إنسان كامل الإنسانية أباً وأماً وأن له عقل يفكر ووجدان ومشاعر وأنه من بقايا الإنسانية فيجب القبض عليه فوراً لأنه خطر علی الأمن والنظام العام ، والتحفظ عليه حتی يتم تحويله بالطرق المتبعة إلی حيوان كسائر أفراد المملكة ۔ ولقد نص القرار والقانون علی أن لهذا الإنسان الحق في أن يتحول إلی أي نوع من الحيوان يشاء علی أن يتم ذلك في أسرع وقت ممكن ۔ كما نص القرار علی أنه إذا رفض أو إمتنع ذلك الإنسان من تنفيذ ذلك القرار فإنه يجب أن يقدم للمحاكمة العامة أمامكم يا سيادة القاضي ، وأمام هيئة المحلفين وفقاً لقوانين المملكة الحيوانية خلال ١٥ يوماً وأن تُكفل له محاكمة عادلة لا تزيد في طولها عن يوم واحد وأن يكون له محامي يمثله أمامكم وأن تحكموا عليه إذا ثبت أمام المحلفين أنه مذنب في النهاية طبقاً للقوانين المعمول بها والتي شرعها المجلس الحيواني التشريعي وأقرها مولانا الأسد الأعظم وسيدنا النمر الأكبر حفظهما الله ورعاهما.

 

سيدي القاضي:

          لقد تم القبض علی هذا الإنسان الماثل أمامكم منذ أسبوع وهو قابعاً مختفياً منغزلا ً في كهف صغير وقد ضبط وهو شارد يفكر وفي يديه كتاب يقرأ فيه...ولقد تم إبلاغ السيد الذئب المحترم رئيس الشرطة وزير الداخلية والنظام فتوجه فوراً مع عدد كبير من الحراس الكلاب وتم محاصرة وضبط هذا الإنسان متلبساً بجريمته في كهفه وإلقاء القبض عليه...وقد إعترف بأنه إنسان كامل الإنسانية من أب وأم بشر وأنه كان مختبأً في هذا الكهف بعيداً عن العيون ۔  تجنباً لمخالطة الحيوانات الأخری وإستعلاءً عليهم  وتهرباً من القانون الذي يلزمه بأن يتحول إلی حيوان مثلهم ، وأنه كان يقرأ ويفكر ويتفكر ويتعبد وأن له أحاسيس ووجدان ومبادئ وأخلاقيات وإعترف بأشياء أخری سنقدمها عبر الشهود في حينها...وبعد أن وضع المتهم في السجن...رفض تماماً التعاون مع السلطات في عملية تحويلة إلی حيوان ورفض تنفيذ قرارات وقوانين المملكة الحيوانية وقاوم بشدة وشراسة كافة المحاولات السلمية لإقناعه بالإنصياع للقرار وأصر علی موقفة في أن يظل إنساناً...ولذا كان لزاماً أن نقدمه للمحاكمة أمامكم كما نص القانون لتنظروا في أمره وتحكموا عليه...وإني أطالبكم بتطبيق العقوبة القصرية رقم ٦٤٥ عليه إذاً وجد مذنباً...هذه العقوبة التي تنص علی أنه يتم تحويل هذا الإنسان إلی حيوان قصراً وإكراهاً بأمر القاضي عن طريق لدغة بلدغة سامة من الحية الرقطاء ، وأن يتم هذا أمامكم وبأشرافكم...تلك اللدغة التي ستحوله رغماً عنه ودون إرادته إلی حيوان كسائر الحيوانات وستقضي علی عقله ووجدانه وإنسانيته ، وتكفيناً شره ويعود حيواناً مثلنا يعيش عيشتنا ويسلك منهجنا ، ويحيا مثلنا معشر الحيوانات...وهاكذا يكون عبرة لأي إنسان أخر من بقايا هذا الجنس المتكبر المنقرض الذي يتكبر علينا ويأنف منا ومن عيشتنا ويفاخر بأنه غيرنا لأن له عقل ومشاعر ووجدان ، وأنه يفكر ويتدبر ويقرر.  ويريد بناء علی هذا أن يحيا حياة غير حياتنا ويسلك سلوكاً غير سلوكنا وهذا ممنوع تماماً ومحرم في مملكتنا وفيه خطر شديد علينا وعلی وجودنا ولا يجب ولا نستطيع أن نسمح بهذا وإلا فان هذا الإنسان سيتميز ويعلو علينا ويستكبر ويظن أنه فوقنا ونحن لا نقبل أبداً ولا نرضی بهذا ، ولا نرضی إلا بأن يكون مثلنا وأن ينصاع لكافة قوانينا وتشريعاتنا وعاداتنا وتقاليدنا وعرفنا كما تنص كافة القوانين ، ولا يجب أن نسمح له بان يشذ وينفرد عن باقي أفراد المملكة بأي صورة ۔ ولو تركناه وما يريد فسيستفحل أمره ولربما يتوالد وينجب إناساً أخرين ويعلمهم ويسممهم بأفكاره فيتمردوا ويرفضوا الأخرين أن يكونوا حيوانات وهاكذا رويداً رويداً سينهدم النظام وسيدب الفساد ويشيع التمرد في مملكتنا وتضيع إنجازاتنا الحيوانية المادية كلها وسيفسدها بتفكراته ومعنوياته وروحانياته. ولا يجب أن نسمح له بهذا ، وعلينا أن نستأصل هذا التمرد والتعالي في أوله ، ونقطع جذور تلك الإنسانية المغرورة في مهدها قبل أن تشيع ويصعب محوها والسيطرة عليها. وشكراً لكم أيها الدب القاضي وأيها المحلفون الحيوانات. (ويجلس الثعلب المدعي)

 

القاضي الدب: (يلتفت إلی الإنسان الجالس داخل قفص الإتهام)

          المتهم الإنسان...لقد سمعت قرار الإتهام الموجه إليك من الإدعاء...فهل أنت مذنب...أم غير مذنب؟!

 

الإنسان:  (يقف)

          غير مذنب...ومعترف بأني  إنسان كامل الإنسانية وإنني كنت أفكر وأقرأ وأتعبد وأختبئ من عالمكم الحيواني ومن ظلمكم...وأعترف بأنني أرفض تماماً أن أتحول إلی حيوان مثلكم أو أن أصبح واحداً منكم. (يجلس)

 

وترتفع أصوات وهمهمات وإجتجاج من الحيوانات الحضور ومن المحلفين غضباً من إجابة المتهم...فيدق القاضي الدب علی المنصة أمامه بمطرقته طالباً الهدوء والصمت.

ويقف السيد البغبغاء المحامي طالباً الكلمة من الدب القاضي فيأذن له.

 

البغبغاء المحامي:  (بصوته المميز)

          أرجو ياسيادة القاضي أن تراعوا الحالة النفسية المتدهوه لموكلي المتهم الإنسان ، وألا تأخذوا ما قاله أُمامكم الأن علی محمل الجد وتحملوه ضده.  وكذا أرجوا من السادة الحيوانات المحلفين...فحالة موكلي النفسية والعقلية ليست سليمة ومختلة ، وهذا واضح من حديثه أمامكم...وسأوضح لكم هذا أثناء مرافعتي عندما يأتي دور الدفاع لعرض قضيته...شكراً لكم يا سيادة القاضي...يجلس.

المتهم الإنسان (يصيح بحدة من داخل القفص):

          أنا لم أوكل أي حيوان للدفاع عني فأنا أقدر علی الدفاع عن نفسي ، وهذا البغبغاء لا يمثلني ، وأنا أعقل وأحكم منكم جميعاً.

 

الدب القاضي:  (بعصبية)

إلزم الصمت والهدوء أيها الإنسان المتهم وإلا أمرت الحراس الكلاب بعضك عقاباً لك علی الإخلال بالنظام.

(يسود الصمت)

 

الدب القاضي:

          الإدعاء يبدء في عرض أدلة الإتهام...فلتنادي علی شاهدك الأول أيها الثعلب المدعي العام.

 

الثعلب المدعي:

           (يقف)  شكراً يا سيادة القاضي...الشاهد الأول السيد الذئب المحترم رئيس الشرطة ووزير الداخلية والنظام.

 

الضفدع الحاجب:  (يثب في الهوء ويصيح)

          السيد الذئب رئيس الشرطة ووزير الداخلية.

 

ويدخل السيد الذئب بملابسة الرسمية ونياشينة مختالا ً ويدق الأرض وعليه أمارات الجدية والعبوس ويعتلي منصة الشهادة بعد أن يؤدي اليمين المطلوبة...

 

الثعلب المدعي:

          السيد الذئب المحترم أرجو أن تذكر للمحكمة وللسادة المحلفين كيف ومتی تم القبض علی المتهم الإنسان.

 

الذئب رئيس الشرطة:

          لقد تم القبض عليه منذ أسبوع تماماً بعد أن أن تلقينا عدة مكالمات من حيوانات عديدة تفيد بأن المتهم يختبئ في كهف بعيداً عن العيون ويتجنب الإختلاط بأي حيوان ، وأنه يعكف علی الصلاة والعبادة وأنه يقضي أوقاتاً طويلة يتفكر ويفكر وأوقاتاً أخری يقرأ ويتأمل...ولقد أرسلنا عيوننا والكلاب من جواسيسنا..فتأكد لنا صدق الإدعاءات وفوراً أخطرت سيدنا النمر الأكبر رئيس الوزراء الذي أخطر بدوره مولانا الأسد الأعظم ثم صدر الأمر لي لأتوجه فوراً مع قوة كبيرة من الحراس الكلاب لمحاصرة هذا الإنسان المتهم في كهفه وإلقاء القبض عليه ، وتطبيق القانون الذي وضعه ملكنا الأسد المفدي وسيدنا النمر الأكبر.  وفعلا ً قُمت بإعداد قوة كبيرة من الحراس الكلاب وتحت قيادتي شخصياً توجهنا لكهف المتهم وحاصرناه  ثم ألقينا القبض عليه وتحفظنا عليه في السجن تحت حراسة مشددة.

 

الثعلب المدعي:

          وما هی الحالة التي وجدتم عليها المتهم الإنسان حال القبض عليه؟

 

الذئب رئيس الشرطة:

          لقد وجدناه وحيداً في كهفه الصغير متوارياً عن الأنظار معتزلا ً ، وقد كان ساجداً قائماً يناجي ربه ودمعه في عيناه الشاردتين وبجواره مجموعة من الكتب والأوراق والأقلام..ولم يقاوم ولكنه وقف أمامنا شامخاً بتحدي وكأنه لا يأبه بوجودنا وعقله مشغول بأفكاره وتأملاته.

 

الثعلب المدعي:

          وهل إعترف المتهم بأي شئ عندما وجه بتهمته؟

 

الذئب الشاهد:

          نعم لقد أدلی بإعترافات كاملة...فقد إعترف في تحقيقاتنا الأولية بأنه إنسان كامل الإنسانية من أب وأم بشر ، وإعترف كذلك بأنه كان مختبأً في ذلك الكهف متوارياً عن الأنظار بقصد التهرب من القانون الذي يلزمه بأن يتحول إلی حيوان مثل سائر شعب المملكة وبقصد الإبتعاد عن مخالطة الحيوانات الأخری والتعامل معهم تكبراً وتعالياً وأنفة ، وقد إعترف بأنه كان يقرأ ويتفكر ويتعبد إلی خالقه ويفكر ، وأن له أحاسيس ووجدان ومشاعر وكرامة ومبادئ ، وأنه يأبی الظلم والضيم والهوان ، وأنه يؤمن بالمعنويات والروحانيات وما وراء الماديات ، وأنه يلتزم بالأخلاقيات ولا يأبه بالماديات ويؤمن بالبعث والحساب بعد الموت..وقد تحدث عن أشياء سخيفة إنقرضت منذ زمن بعيد وقضينا عليها وإسترحنا منها وإستقرت بذلك مملكتنا الحيوانية.

 

الثعلب المدعي:

          أشياء مثل ماذا يا سيادة الذئب؟

 

الذئب قائد الشرطة:

          أشياء سخيفة لا معنی له مثل الرحمة والحياء والتعفف والسمو والعدل بين القوي والضعيف والشرف والنخوة والمرؤة والكرامة والعقل والحكمة والكرم والزهد والمودة والوفاء والعزة والترفع والجرءة في الحق وعدم العدوات وعدم الظلم والمساواة بين الجميع وإرتفاع مقام الإنسانية فوق الحيوانية وهذا الأخير أسوأ ما قاله وإعترف به.

 

الثعلب المدعي:

          وهل أدلی بتلك الإعترافات المذهلة تحت تأثير أي ضغط أو إرهاب أو تعذيب.

 

الذئب وزير الداخلية:

          لا بالطبع لقد أدلها بمحض إرادته وبحضور شهود عديدون ووقع علی إعترافاته تلك ولذا لم نكن بحاجة إلی ضغط أو إرهاب ، أو تعذيب أو عض كلاب.  وبعد ذلك رفض تماماً التعاون معنا في عملية تحويله إلی حيوان مثلنا سلمياً كما تقضي القوانين ، ورفض بشراسة كل المحاولات التي جرت لإقناعه بهذا ، وأصر علی أن يظل إنساناً رافضاً بهذا تنفيذ القانون.

 

الثعلب المدعي:

          لا شئ أخر وشكراً يا سيادة الثعلب...لا أسئله أخری يا سيادة القاضي.

 

الدب القاضي:

          السيد البغبغاء المحامي يريد أن يستجوب الشاهد.

 

البغبغاء المحامي:

          نعم يا سيادة القاضي...(يقف)

 

البغبغاء المحامي:

          سيادة الذئب المحترم...هل تم الكشف علی الصحة العقلية لموكلي من قبل أطباء حيوانات إختصاصيون؟

 

الذئب الشاهد:

          نعم لقد قام بفصحه كل من الدكتور سيد قشدة رئيس قسم الأمراض النفسية والعصبية بمستشفی الحيوانات المركزي ، والدكتورة بومة أختصائية الصحة النفسية والعقلية بالجامعة الحيوانية.

 

البغبغاء المحامي:

          وماذا جاء في تقريرها عن نتيجة فحصهما لموكلي؟

 

الذئب الشاهد:

          لقد توصلا إلی أن المتهم مصاب بحالة من الأوهام والخيالات والإنفصام وجنون العظمة ، وأنه يتصور ويؤمن بوجود أشياء لا وجود لها حقيقة إلا في خياله وأنه مصاب بحالة إكتئاب نتيجة لذلك وإلی أن ترفعه عن الحيوانات الأخرين ورفضه أن يكون واحد منهم هو بسبب حقده عليهم وعلی إنجازاتهم المادية الرائعة وتطويرهم للحياة بشكل كبير وضخم ، بُسبب عدم قدرته بإنسانيته المزعومة وروحانياته وأخلاقياته المتوهمة علی تحقيق ما حققوه هم بحيوانيتهم الغريزية ، وماديتهم الواقعية.  ولذا فهو يشعر بالعجز أمامهم وأمام قدراتهم وعدم القدرة علی مجارتهم نتيجة تمسكه بأوهام وخرافات قديمة لم يعد لها مكان الأن. فالدكتوران في النهاية يقرران بأن المتهم الإنسان هو مجنون ومريض عقلياً ونفسياً بدرجة كبيرة لا تمكنه حتی من الولاية علی نفسه.

 

البغبغاء المحامي:

          شكراً يا سيادة الذئب لا أسئله أخری...(يجلس)

 

الدب القاضي:

          شكراً أيها الذئب ويمكنك الإنصراف...نادي علی شاهدك الثاني أيها الثعلب المدعي.

 

الثعلب المدعي:

          الإدعاء يطلب السيد القرد الشهادة

 

الضفدع المدعي:  (يثب في الهواء ويصيح)

          السيد القرد...يدخل القرد...ويعتلی منصة الشهادة بعد أداء اليمين المطلوبة وهو يضحك وبلوح.

 

الثعلب المدعي:

          سيد قرد...هل تعرف المتهم القابع في القفص؟

 

القرد الشاهد:  (ينظر إليه بتأمل ويضحك)

          نعم أعرفه...أعرفه تماماً..

 

الثعلب المدعي:

          وكيف عرفته وماذا تعرف عنه؟

 

القرد الشاهد:

          إن مسكني بجوار كهفه أي أننا كنا جيران...وعندما كنت أراه كنت أحاول أن أتعرف به وأتقرب منه لأنني كما تری قريب الشبه منه ، ولنا صفات وخصائص مشتركة ، ولكنه كان دائماً يتباعد عني ويتعالی علي ويتهرب من محاولتي للتقرب منه ..وعندما ذكرته بأننا إخوة متشابهون ثار وإنفعل وقال إن له عقل يفكر ويتفكر ، وأن له معنويات وأخلاقيات ومشاعر وأحاسيس وأنني مجرد حيوان عبدٌ لحيوانيتي وشهواتي وماديتي لا عقل لي ولا أعرف شيئاً عن الأخلاق أو المعنويات أو العقل أو الروحانيات وأنه لا يوجد أي تشابه بيننا...وقد كان يعيش وحيداً ومنعزلا ً متباعداً عن كل الحيوانات الأخرين.

 

الثعلب المدعي:

          وكيف كان يقضي وقته؟

 

 القرد الشاهد:

          كان يقضي معظم وقته إما في عبادة ربه أو التفكر أو القراءة في الكتب أو الكتابة أو محادثة نفسه.

 

الثعلب:

          هل سألته يوماً عن سبب عزلته؟

 

القرد الشاهد:

          نعم وقد ذكر لي أنه يخشی علی نفسه من قوانين وظلم المملكة الحيوانية ونظامها وحكامها وشعبها ويخشی أن يطالبوه أو يحاولوا أن يجعلوه حيواناً مثلهم وهو يرفض هذا بكل شدة...ولقد قلت له مرة مداعباً  "إذا أُمرت أن تصبح حيواناً فأي حيوانٍ ستختار أن تكون...لا شك أنك ستصبح قرداً مثلي لأنك شبهی"...ها ها ها ...ولكنه غضب وإحمر وجهه وقال أنه يفضل الموت وهو علی إنسانيته التي خلقه الله عليها من أن يكون حيواناً شهوانياً بلا عقل ، وأنه سيقاوم هذا بكل ما أوتی من قوة ولن يُجبر عليه أبداً وأن ربه معه وسيعينه علی ذلك.

 

الثعلب المدعي:

          لا أسئله أخری شكراً يا سيد قرد وشكراً يا سيادة القاضي.

 

الدب القاضي:

          السيد البغبغاء المحامي هل لديك أية أسئلة للشاهد؟

 

البغبغاء المحامي:

          نعم ۔ يا سيادة القاضي...(يقف)...سيد قرد لقد ذكرت لنا منذ قليل أن هذا الإنسان موكلي كان يعيش وحيداً منعزلا ً عن الحيوانات الأخرين فهل يفعل مثل هذا الفعل أي حيوان عاقل؟

 

 القرد الشاهد:

          لا بالطبع...فنحن لا نعيش بمعزل عن بعضنا ولا نعيش إلا في قطعان وأسراب.

 

البغبغاء المحامي:

          وذكرت لنا أنه كان يقضي وقته إما في العبادة أو التفكر أو القراءة والكتابة أو في محادثة نفسه...فهل يفعل هذه الأفعال أي حيوان عاقل مثلنا؟

 

القرد الشاهد:

          لا بالطبع...فنحن لا نفكر ولا نتعبد ولا نقرأ ولا نحدث أنفسنا ولا نشرد ونسرح بفكرنا...فكل وقتنا هو فقط لإرضاء شهواتنا الحيوانية عن طريق العمل والسعي الدؤوب حتی نتعب وننام ثم نستيقظ لمواصلة نفس الشئ.  هذه هی حياتنا المادية الغرائزية الشهواتية الحيوانية الواقعية التي وصلنا من خلالها إلی كل ذلك التقدم التكنولوجي المادي ، تلك المكانة الرفيعة.  نعيش لأنفسنا لحيوانيتنا فقط ، لغرائزنا وشهواتنا وراحتنا ولا شئ أخر ، وذلك سر نجاحنا المادي الكبير.  وبهذا فنحن العقلاء وأمثال ذلك الإنسان المتكبر المندثر المغرور هم المجانين المتخلفين بغير شك.

 

البغبغاء المحامي:

          شكراً لا أسئله أخری...

 

الدب القاضي:

          شكراً يا سيد قرد ويمكنك الإنصراف...القرد ينزل من علی منصة الشهادة ويلوح للإنسان في القفص ويضحك وهو يقول "ستصبح قرداً مثلي عما قليل وستصبح من القرود العقلاء الحكماء فدعك من هذا الجنون" يضحك بقية الحيوانات الأخری علی تعليق القرد وحركاته المضحكة ، والإنسان يصيح من قفصه "أنا أرفض أن أكون قرداً مثلك...ويكرر ذلك."

 

الدب القاضي:

          نادي علی شاهدك التالي أيها الثعلب المدعي.

 

الثعلب:        

          الإدعاء يطلب السيد الثور للشهادة.

 

الضفدع الحاجب: (يثب في الهواء ويصيح)

          السيد الثور! (يدخل الثور واضحاً عليه أثار التعب والإنهاك من كثرة الكد والعمل ويصعد إلی منصة الشهادة بعد أداء اليمين المطلوبة ثم يتنهد وييخنفر بضجر).

 

الثعلب المدعي:

          سيد ثور...هل تعرف هذا الإنسان الموجود في القفص؟

 

الثورالشاهد: (يتنهد)

          نعم أعرفه...لقد كنا أصدقاء في يوم ما ... هيه كان هذا منذ زمن طويل.

 

الثعلب المدعي:

          وماذا تعرف عنه؟

 

الثور الشاهد:

          لقد كان إنساناً طيباً عابداً لخالقه ، ولكنه كان يستخدم عقله كثيراً أكثر مما ينبغي ولذا كنا نختلف عن بعضنا...

 

الثعلب:

          وكيف كنتم تختلفون عن بعضكم؟

 

الثور الشاهد:

          أنا كما تعرف أحب العمل ، والعمل فقط ، ومصلحتي فوق كل إعتبار ، ولا أحب أن أضيع وقتي في التفكير والتفكر والعبادة والملاخظة والتدقيق والتثقف والتعلم والقراءة إلی أخر هذه الأشياء العقلية ، فأنا ثور...أعمل وأكد وأدور وأحمل وأشد وأجر وأعمل وأأكل وأنكح ثم أعمل وأعمل...وهاكذا حياتي كلها عمل في سبيل الطعام والشهوة ، ولا وقت عندي للعقل وعمله ورغباته وغذائه...والعمل عندي هو الهدف وهو الوسيلة ، والجري والسعي والكد وخدمة الأخرين هی حياتي ليس إلا ، ولا أعرف شيئاً أخر طالما أبيت شبعاناً ولست شبقاناً.  أما هو فيحب إستخدام عقله كثيراً وله منطق ومبادئ وخلق وفكر ، ويخضع حياته وطاقته لهذه الأشياء.  وهي أهم عنده من أي شئ...والعمل عنده موجه وخاضع لما يميله عليه عقله ، فهو لا يعمل إلا لما يقتنع به عقله أولا ً ويقبله منطقه وفكره وترضاه مبادئه ولا يغضب ربه ومن ثم يخضع العمل لذلك الفكر والمنطق وتلك العبادة وهذه المبادئ ، ولا يهمه في هذا لا شهوة بطن ولا شهوة جسد وهنا نختلف عن بعضنا.  إنه لا يسيد عليه ولا يطيع ولا يخدم إلا من يرضاه عقله وفكره وترضاه عبادته ومبادئه بصرف النظر عن شهواته وغرائزه ، أما أنا فعبد لمن يستعبدني وخادم مطيع لمن يستخدمني ويطعمني أكثر ويرضي شهواني أكثر.

 

الثعلب المدعي:

          أنت إذن تشهد أنه كان يحب إستخدام عقله كثيراً ، أي أنه عاقل تماماً ليس بمجنون كما يقول الدفاع.

 

الثور الشاهد:

          إنه مجنون من وجهة نظرنا نحن الحيوانات ، وعاقل من وجهة نظر الإنسانية التي ينتمي إليها.

 

الثعلب المدعي:

          ولماذا إنقطعت علاقتكما؟

 

الثور الشاهد:

          لقد كان دائماً يهاجمني ، ويتهمني بأنني أعمل كالأعمی ، ولا أستخدم عقلي ولا أعطيه وقتاً ، وأنني عبد لشهواتي فقط ، وأنني عبد لمن يستخدمني دون أن أفكر فيمن يكون مُسخری ومُستخدمي والمستفيد من عملي ومجهودي...وكنت أتضايق من هذا الهجوم..وكان يحرجني بهذا ويؤلمني بل إنني أعترف أنني كنت أغار منه حتی بدءت أكرهه...ولذا إبتعدت عنه وتركته.

 

الثعلب:

          وما هی أراءه في عالمنا الحيواني؟

 

الثور:

          إنه يكره عالمنا تماماً بكل قيمه وخصائصه ، إن كان له أي قيّم أو خصائص ۔ إنه يستعلي علينا ويفاخر دائماً بأن الله أعطاه العقل وسخر له شهواته فهی تحت قدمه يتحكم بها ، ولا تتحكم به مثلنا ۔ وبأنه يعرف ربه ويطيعه ويعبده علی علم ومعرفة...ولذا فهو يرفض كل الرفض حياتنا ونهجنا وطريقة معيشتنا الحيوانية ، ويأبی أن يتحول إلينا أو يكون مثلنا.

 

الثعلب المدعي:

          شكراً سيد ثور ۔ لا أسئله أخری يا سيادة القاضي.

 

القاضي الدب:

          الدفاع ، هل لديك أسئلة للشاهد؟

 

البغبغاء المحامي: (يتجه نحو الشاهد)

          أيها الثور، من خلاصة معرفتك بهذا الإنسان قل لنا رأيك بصفتك الحيوانية ۔ بصفتك ثور فيه هل هو مجنوناً أم عاقلا ً.

 

الثور:

          إن رأيي هو مثل رأي أي حيوان فيه.. إنني أعتبره أحمق متطرفاً في إستخدام عقله ۔ ولذا فليس بالنسبة لي عاقلا ً ، ولا أعتبره مثلا ً يُحتذی به جديراً بالإحترام والتقليد.

 

البغبغاء المحامي:

          شكراً يا سيادة القاضي ۔ لا أسئله أخری.

 

الدب القاضي:

          يمكنك الإنصراف الأن أيها الثور وشكراً لك..نادي علی شاهدك التالي أيها الثعلب المدعي.

 

الثعلب:

          الإدعاء يطلب السيد الخنزير للشهادة.

 

الضفدع الحاجب:  (يثب في الهواء ويصيح بصوته المميز)

          السيد الخنزير ۔ السيد الخنزير...

(ويدخل الخنزير يشمشم ويهز شحومه ويبحث في الأرض عن أي قمامة ، ثم يؤدي اليمين المطلوبة ويصعد إلی منصة الشهادة ولكنه ما زال يشمشم في الأرض).

 

الثعلب المدعي:

          سيد خنزير...هل تعرف هذا الإنسان الموجود داخل القفص؟

 

الخنزير الشاهد:

          أعرفه ۔ أعرفه جيداً...إنه عدوي اللدود ۔ إنه نقيضي تماماً...

 

الثعلب:

          ماذا تعني بهذا؟

 

الخنزير الشاهد:

          أعني أننا أضداد متعاكسين في كل شئ...هو إنسان وأنا حيوان ۔ هو له روح وأحاسيس ووجدان وأنا لا أعرف كل هؤلاء ۔ هو يحب النظافة وأنا أحب القذارة ۔ هو يترفع عن الفتات وأنا لا أبحث إلا عن الفتات ۔ هو يلقي الزبالة ويأنف منها وأعتبرها مرتعي ومسكني وأبحث عنها ۔ هو يحب الروح والسمو وأنا أحب المادة والدنو۔ هو مرتفع وأنا دنئ ۔ هو له إهتمامات أخری غير الطعام والشراب وأنا همي هو طعامي وشرابي وشهواتي ۔ هو يبحث عن الرزق النظيف الطاهر وأنا لا أحب الطهر والنظافة وأأكل كل شئ وأي شئ ولا أبالي ، هو عبد لخالقه وأناعبد لرغباتي وشهواتي ۔ هو يضيع وقته في التفكير والقراءة والعبادة والتفكر وأني أقضي حياتي كلها في البحث والسعي وراء الفتات والأقذار والسحت ۔ هو ينظر إلی حياته الأخرة ويؤمن بها ويعمل لها ۔ وأنا أعيش يومي وساعتي ولا أعمل إلا لهما ولدنياي التي أمام عيني ۔ هو يأنف مني ويكره النظر إلی وأنا لا أحفل به  ولا أبالي ولا يهمني أمره فالبحث في الأزبال والأقذار عن الفتات يأخذ كل وقتي ويفني عمري وليس عندي وقت لمثل هذا الإنسان وأفكاره ومثالياته وتُراهته.

 

الثعلب المدعي:

          هل تعرف ما هو شعوره ورأيه في عالمنا الحيواني هذا؟

 

الخنزير الشاهد:

          لا أعرف ولا أهتم ، وأرجو أن تلاحظ أنك أخذت من وقتي دقيقتين ثمينتين لم أبحث خلالها عن أي فتات ولم ألعق أي حذاء ولم أشاهد أي قمامة وهذا يثير أعصابي جداً وأعتبره وقتاً ضائعاً فعجل أرجوك أرجوك عجل.

 

الثعلب:

          شكراً  لا أسئلة أخری.

 

الدب القاضي:

          الدفاع لديه أسئلة سريعة للشاهد.

 

الضفدع المحامي:

          سؤال واحد سريع يا سيد خنزير، هل تقول لنا أن هناك عداوة مسبقو بينك وبين هذا الإنسان.

 

الخنزير الشاهد:

          عدواة أزلية يا سيدي.

 

الضفدع المحامي: (موجهاً كلامه للقاضي)

          إنني أطعن في شهادة هذا الشاهد أيها القاضي ، لقد إعترف بأنه يعادي موكلي منذ قديم الأزل فلا يصلح إذن للشهادو ضده لأنه متحيز بحكم عدواته السابقة له.

 

الدب القاضي:

          هذا متروك للمحلفين لتقديره أيها الضفدع المحامي...شكراً يا سيد خنزير ، يمكنك الإنصراف والعودة سريعاً لفتاتك وأزبالك.

 

الخنزير :

          شكراً...(وينزل بسرعة ملصقاً أنفه بالأرض يشم ويبحث ثم يرفع رأسه لينظر للإنسان القابع في القفص نظره ثم يمضي فرحاً مهرولا ً مشمشماً يجر شحومه مسرعاً نحو الباب).

 

الدب القاضي:

          نادي علی شاهدك التالي أيها الثعلب المدعي.

 

الثعلب:

          نطلب السيد الحمار للشهادة.

 

الضفدع الحاجب:

          السيد الحمار يتفضل...السيد الحمار يدخل.

(ويدخل الحمار بتواضع ثم يطلق نهقات رهيبة تهز المحكمة ، ثم يتوقف فجأة ولا يكمل المسير ، فينظر أحد الكلاب الحراس نظرة ذات مغزی فيسرع الحمار المشي ويصعد إلی منصة الشهادة بعد أداء اليمين المطلوبة).

 

الثعلب المدعي:

          أيها الحمار...هل تعرف هذا الإنسان المتهم الموجود أمامك؟

 

الحمار الشاهد:

          أي إنسان أنا لا أری إلا حيوانات.

 

الثعلب المدعي:

          هذا الموجود أمامك بالقفص.

 

الحمار:  (يخرج نظارته ليلبسها)

          أه...نعم أعرفه..وكم أنا فرح الأن أنكم وضعتموه في القفص. لكم إعتاد أجداده من قبل أن يضعوا الحيوانات ويتفرقوا عليها في القفص ، فجاء دوره ليكون هو في القفص ونحن ننفرج عليه ونتشفی فيه.

 

الثعلب المدعي:

          ماذا تعرف عنه يا سيد حمار وكيف كانت معرفتكما؟

 

الحمار الشاهد:

          كنت أعمل مع والده ۔ وكان هذا الإنسان يضرب بي المثل في الغباء لأنني لا أستعمل عقلي ويتهمني بأنه ليس لي ذوق أو أحاسيس أو شعور ويأخذ علي جدي في العمل وسذاجتي وقلة تعبي وكثرة أكلي وشربي وشهواتي وتوقفي عن العمل أحياناً لقلة المزاج. وكان يفاخر علی بأنه يستخدم عقله وبأنه لذلك أزكی مني وأفهم  وبأن له مشاعر وذوق وأحاسيس وأخلاقيات ، وبأنه مهذب ويعرف متی يعمل ولمن يعمل ومتی يرتاح  ولا يحتاج لمن يسوسه أويضربه وبأنه يعرف عدوة من صديقه وليس مثلي لا يعرف من يخدم ولمن يعمل ومن يصادق.

 

الثعلب:

          وماذا تعرف عن رأيه في عالمنا الحيواني؟  ولما إمتنع عن أن يتحول إلی حيوان مثلنا؟

 

الحمار الشاهد:

          إنه يكره عالم الشهوات الحيوانية المجردة ويكره الماديات المجردة ويأبی إلا أن يكون إنساناً ذو عقل يعبد به ربه ويتفكر فيما حوله ويأنف أن يكون عبداً لشهواته أو لغيره مثلنا...ولذا فأنا أعرف أنه لا يقبل ولن يقبل أبداً أن يعيش حياتنا أو أن يكون واحداً منا.

 

الثعلب:

          هل تعتبره من وجهة نظرك عاقلا ً أم مجنوناً ضعيف العقل؟

 

الحمار الشاهد:

          لا أعرف... فلِكَي أعرف لا بد أن أفكر وأنا لا عقل لي ولا أريد ولا أحب عملية التفكير والتفكر والجدال والحوار ، فأنا يا سيدي مجرد حمار أعمل وأتعب وأخدم وأركب وأصبر وأطيع الجميع المهم أن أأكل وأشرب وأتزاوج ، فمن يضمن لي هؤلاء فأنا عبده وخادمه أعمل له وأطيعه ، وإن ضربني أطيعه أكثر وأُسيّده عليّ أكثر وأخدمه أكثر وأكثر ، وهذه حياتي يا سيدي.

 

الثعلب:

          لا أسئله أخری شكراً يا سيادة القاضي.

 

الدب القاضي:

          هل لديك أسئلة أيها الدفاع؟

 

البغبغاء المحامي:

          لا أسئله يا سيدي فالشاهد إعترف أنه حمار لا يدري ما يقول ولا عقل له ولذا فلا قيمة لكلامه ولا لشهادته ، وأترك ذلك لتقدير السادة الحيوانات المحلفين.

 

الدب القاضي:

          هل هناك شهود أخرون أيها المدعي الثعلب؟

 

الثعلب المدعي:

          لا يا سيادة القاضي ونحن نكتفي بما سمعناه من هؤلاء الشهود.

 

الدب القاضي:

          هل لديك شهود أيها البغبغاء المحامي؟

 

البغبغاء المحامي:

          لا يا سيادة القاضي فالقضية واضحة ولا تحتاج إلی شهود وموكلي مختل القوی العقلية وهذا يابت بشهادة الشهود الذين قدمهم الثعلب المدعي نفسه.

 

الدب القاضي:

          فلتبدأ إذن أيها الثعلب المحامي في إلقاء مرافعتك النهائية ضد المتهم.

(يقف الثعلب المدعي أمام هيئة المحلفين الحيوانات ثم يقول...)

 

الثعلب المدعي:

          أيها السادة المحلفون ، لقد سمعتم بأنفسكم من الشهود ومن المتهم ذاته كيف يتمرد بإصرار ويرفض تنفيذ قوانين المملكة الحيوانية التي وضعها ملكنا الأسد المفدي وسيدنا النمر الأكبر ووافق عليها المجلس النشريعي الحيواني ممثلا ً لكل حيوانات المملكة...وهذه القوانين لم تُسن وتوضع إلا لمصلحة جميع الحيوانات فمخالفتها هی إذن ضد مصلحة جميع الحيوانات...فأنتم مسئولون الأن عن إقامة وتنفيذ تلك القوانين ، ومعاقبة من يتخلف عنها كما يقضی القانون.  إن من يرغب عن حياتنا الحيوانية ويرفضها ويتأنف منها ويستكبر عليها لا يستحق منا الرحمة أو الشفقة ۔ وإذا سمحنا بهذا النهج أن يستمر فسنری المزيد في المستقبل من أبناء هذه الجنس المنقرض المغرور بني البشر۔ يتمردون علينا ويعودوا لإنسانيتهم ويفسدوا مملكتنا ومصالحنا بتفكرهم وتفكيرهم وكثرة إستخدام عقولهم وتحكمهم في شهواتهم ومعناوياتهم وروحانياتهم وسمو أخلاقهم المزعوم وأدبهم وذوقهم... إلی أخر تلك التفاهات التي عانينا منها طويلا ً ولم نحصد منها شيئاً. فالمادية والمادية الشهوانية الغرائزية وحدها هی التي يجب أن تسود ، ومن لا يقبل بها ويعمل لها ومن خلالها فلا مكان له بيننا...فإما أن يعيش المتهم عالمنا وحياتنا بقواننا أو أن ينهی حياته ويرحل عنها وعنا ، ولا خيار ثالث ، وهذا هو القانون لا نريد أن يكون هذا الإنسان نموذجاً يحتذی من غيره ۔ إنه خطر يجب بتره في أوله وأنتم تحملون هذه المسؤلية أمام شعب هذه المملكة من أجل مستقبلها وإستمرارها.  إنني أطالبكم بإدانته وتنفيذ العقوبة رقم ٦٣٥ فيه وتحويله قصراً الأن...إلی حيوان أمامكم بلدغة واحدة من الحية الدنيوية الرقطاء ، وهی تنتظر أمركم وتحتري شوقاً لتنفيذ العقوبة. ولا تُخدعوا بادعاءات الدفاع بأن المتهم مختل عقلياً وغير مُحاسب علی أعماله فتلك أكذوبة الهدف منها خداعكم ، وها هو المتهم أمامكم عاقلا ً كاملا ً.  بل إن جريمته أنه يستخدم عقله أكثر مما ينبغي ، فكيف لا يكون عاقلا ً وغير مُحسباً ۔ إن هذا هُراء ۔ نعم إن إستخدام العقل كثيراً بهذه الصورة في شرعنا جنون ، ولكنه جنون لا يجعل صاحبه غير مُحاسباً علی أعماله أمام القانون وإلا سنری المزيد من هذا الجنون في المستقبل ۔ إن المسؤلية تقع علی عاتقكم فلتنفذوا أمر ملككم وسيدكم ، ولتحموا مجتمعكم الحيواني من أمثال هذا الإنسان المتعالي المغرور بعقله ومنطقه وأخلاقياته وعبادته وأحاسيسه المرهفة.

وشكراً لكم وشكراً لك يا سيادة القاضي.

 

القاضي الدب:

          السيد البغبغاء المحامي فلنبدأ في مرافعتك الختامية.

(المتهم الإنسان يقف داخل القفص ويصيح بأعلا صوته)

 

الأنسان المتهم:

          لا...لا...أنا سأدفع عن نفسي...أنا لم أوكل أي حيوان للدفاع عني.  إن هذا من حقي أن تكون لي الكلمة الأخيرة في قضيتي.

 

القاضي الدب:

          هل متأكد أنت من ذلك وتتحمل مسئوليته كاملة؟

 

الإنسان المتهم:

          نعم. إنني أتحمل كل المسئولية.

 

القاضي الدب:

          فلنبدأ إذن في مرافعتك الأخيرة عن نفسك.

(الإنسان يواجه هيئة المحلفين الحيوانات ويوجه كلامه لهم).

 

الإنسان المتهم:

          أيتها الحيوانات المادية الدنيوية الشهوابية ۔ إسمعوا مني ما سأقوله لكم وفكروا فيه وإستعملوا عقولكم ولومرة  واحدة. فإنني لست الذي في قفص الإتهام وإنما هو أنتم ومملكتكم وحياتكم...إنني لا أكرهكم ولا أتعالی عليكم كما يدعي الثعلب الماكر...ولكني أكره حياتكم وسلوككم ونهجكم ۔ أكره ماديتكم وإنكاركم عقولكم وتحكيمكم لشهواتكم ۔ وإستسلامكم لقيادة وبطش وتوجيه غيركم.  أكره زلّكم وضعفكم أمام ماديتكم وغرائزكم وشهواتكم ۔ أكره حياتكم التي هي بلا مشاعر أو أحاسيس أو مثل ومبادئ أو قيم أو أخلاقيات ۔ أكره إنكبابكم علی دنياكم بكليتكم وجعلها غاية همكم ،  وإنصرافكم عن عبادة ربكم وخالقكم ، وعمّا هو أتي من البعث بعد والموت من حياة أخرة.  أكره عبادتكم لغرائزكم وشهواتكم ومطامحكم وطمعكم وكل ما هو مادي أمام أعينكم وعدم إستعمال عقولكم ۔ أكره تقليدكم الأعمی وجريكم في أسراب وقطعان وراء كل ناعق يقودكم وتقلدوه كالعميان ۔ أكره إستسلامكم أكثر وطاعتكم وإحترامكم أكثر لمن يضربكم ويهينكم ويدوس عليكم طالما ستستفيدون منه بصورة أو أخري تُرضي حيوانيتكم ۔ أكره أنكم نسيتم أن لكم أرواح ووجدان وعقول ۔ أكره أنكم تخدمون فقط من يُمدكم بحاجتكم المادية وتخلصون له ، ولكنكم تُعرضون عن الذي خلقكم وأعطاكم الحياة كلها بما فيها وضمن لكم أرزاقكم.

          إننكم تُريدونني أن أكون مثلكم وأعيش حياتكم وأن أتحول إلی واحد منكم ۔ هيهات لن يكون هذا أبداً وإن قطعتموني أو مزقتموني أو نهشتموني أو حاصرتموني أو حرمتموني الطعام والشراب والهواء ، فالموت علی إنسانيتي أشرف وأكرم وأحب لي ألف مرة من العيش في ذل حياتكم الحيوانية فأنام وأقوم وأعمل وأأكل وأشرب وألعب وأتزوج وأتناسل وأشتري وأبيع وأقتني وأتلذذ وأتمتع وأستريح ثم أنام وأقوم وأعمل وأأكل وأشرب وألعب وهاكذا حتی ينتهي أجلي..لا إن الله تعالی لم يخلقني لهذا بل جعل في عقلا ً ميزني به علی كل الحيوانات حتی أجعل حياتي غير حياتكم فأفكر وأتفكر وأقرأ وأتعلم وأتثقف وأعرف وأتعبد وأعبد وأناقش وأبحث وأتأدب وأتذوق وأتخلق وأحس وأشعر وأفلسف حتی أعرف خالقي وقدرته فأعبده أكثر وأحبه أكثر وأطيعه أكثر ومن ثم أكون خليفته في الأرض ۔ فأجعله هوالملك المفدی وهو السيد الأكبر والأعظم فأحكم في أرضه بالعدل وأصلح فيها ولا أتبع سبيل المفسدين بل وأحاربهم وأقاومهم. ونهجكم الحيواني وإتباعكم لماديتكم وعبادتكم لغير الله من أسدكم الأهزل إلی نمركم الأضعف هو إفساد في الأرض ، ولذا فأنا ودنياكم الحيوانية علی طرفی نقيض وفي صراع دائم وحرب بلا هوادة وهذا هو دوري في الحياة ۔ فكيف أقبل إذن أن أتحول إلی حيوان مثلكم يعيش لذاته وملذاته وماديته ومتعته وشهواته فقط ۔ إنني لن إستسلمتم كما إستسلم أنتم من قبل لقوانين وشرائع المجتمع الحيواني بقيادة أسد أو نمر أو فهد أو حتی ديناصور ۔ إنني أذكركم جميعاً أيها المحلفون أنكم كنتم يوماً من الأيام بشراً وأناس مثلي ، وحتی هذا الدب القاضي وذاك الثعلب المدعي وهذا البغبغاء المحامي وهؤلاء الكلاب الحراس ورئيسهم الذئب ، كلكم وهؤلاء الشهود كنتم جميعاً بشراً في يوم من الأيام ولكنكم إستسلمتم لقوانين وشرائع المملكة الحيوانية وخفتم من أسدها ونمرها ووحشها فقبلتم مختارين أن تتحولوا إلی حيوانات وإختار كل منكم الحيوان الأقرب إلی شخصيته ليتحول إليها فإصبح هذا حماراً وهذا دباً وهذا كلباً وهذا ذئباً وذاك ثعلباً أو خنزيراً وذاك طائراً وهذا تمساحاً وهذا حوتاً وتلك حمامة وهذا طاووساً وتلك سلحفاة وهذا نعجة وهذا فيلا ً ۔ ولكن في النهاية إستسلمتم جميعاً وأصبحتم حيوانات وعيشتم عيشة الحيونات وأبعدتم عقولكم وتنكرتم لإنسانيتكم ونسيتم أخلاقياتكم ومبادئكم ومشاعركم وسموكم وما كرمكم الله به علی غيركم ألا وهو العقل والتفكير ، ورحتم تستمتعون وتتلذذون وتتبعون شهواتكم وتقلدون وتنساقون وتُقادون كأي حيوان وتعملون لخدمة غيركم وتستزلكم الشهوات والغرائز والملذّات فتقبلون الذل والضرب والهوان فلماكل ذلك وقد حرركم الله الخالق من الحيوانية بإعطاء العقول والوجدان والمشاعر والكرامة لكم ۔ لقد تركتم ما فضلكم به ربكم وإرتضيتم مختارين أن تعيشوا كالحيوانات وياليتكم أصبحتم حيوانات حقيقية ولكنكم أصبحتم كالحيوانات وركنتم إلی دنياكم ونسيتم أخراكم ولبستم أقنعة حيوانية وعشتم حياة حيوانية فأصبحتم كالمسخ عالمسخ لاأنتم بشر ولا أنتم حيوانات فأي ظلم لإنفسكم الذي فعلتم وإرتضيتم ۔ لقد أحب الله أن يكرمكم فأخزيتم أنفسكم بأيديكم وأحب أن يرفعكم فأبيتم إلا الدناءة والسفلية وأراد أن يعزكم ففضلتم الذلة والمهانة وأحب أن يستخلفكم فرفضتم وقبلتم حياة التبعية والإنقياد والتقليد ، فلا تعجبوا أن يغضب الله عليكم ويزدكم حيوانية إلی حيوانيتكم ويجعل منكم قردة وخنازير وكل نوع من أنواع الحيوانات التي أحببتم أن تكونوا فكنتوها وبارك لكم ربكم في ذلك وأخزاكم مثلهم وأحياكم حياتهم وأماتكم مماتهم فتعساً لكم إذ تقبلون الذل وترفضون العز، تقبلون من يذلكم ويضربكم وينهشكم وتعبدوه وتطيعوه وترفضون ربكم وخالقكم والرحيم بكم المُحترم والمكرم لكم...تقبلون الدناءة وترفضون الرفعة والسمو ۔ تستبدلون العقل بالشهوات والفكر باللذة والعلم بالجهل والأخرة بالدنيا والله بما عداه ، فتباً لكم ولإختياركم!

إنظروا لم أنتم عليه وقد أصبحتم حيوانات بعد أن كنتم بشر ، أليس منكم رجل رشيد ۔ مالكم كيف تحكمون ۔ كيف إرتضيتم بهذا مختارين ولما لم تقاوموا وتتمسكوا بتميزكم عن كافة الحيوانات الأخری ولا تنزلوا إلی مراتبهم ۔ ولم يكفيكم هذا بل رحتم وإمعاناً تقيمون قوانين المملكة الحيوانية وتنفذوها وتعملوا كتروس لها ۔ وها أنتم تشكلون محكمة لمحاكمتي وإجباري لأكون حيواناً مثلكم ، وكأنكم حيوانات حقيقية وتتسابقون في تنفيذ أمر ملككم السبع الأحقر وسيدكم النمر الأضعف ۔ فهل تفعلون هذا نفاقاً له عسی أن يرفعكم في مملكته الحيوانية ويثني عليكم ويفيض من أفضاله لتشملكم بمنصب أكبر يتيح لكم شهوة ألذ وراحة أكبر وطعام أكثر وشراب أمتع ومسكن أوسع وملبس أنعم وسلطة أوسع ، أم تفعلونه حقداً عليّ وغيرة حيث أنني أرفض ما قبلتم به وأقاوم ما إستسلمتم له فرأيتم أن تحطموني وتجبروني أن أكون مثلكم ، حتی لا أكون شاهداً عليكم ، ونموذجاً أمام أعينكم لما كان يجب أن تكونوا عليه ولكنكم ضيعتموه وضيعتم أنفسكم معه ۔ أما كان أفضل لكم أن تنضمعوا إلی وترفعوا هذا الأقنعة الحيوانية عن وجوهكم لتعودوا إلی حقيقتكم الإنسانية السامية التي أرادها الله لكم قبل أن يفوت الأوان ويأتيكم الموت فَتُقبضون وأنتم علی حيوانيتكم هذه التي إخترتموها بإرادتكم فلا يبقی لكم إلا العذاب والذلّ في أخراكم وبذا تكونوا ذقتم العذاب دنياةً وأخرة ولم تنالوا شيئاً أو تحظوا بشئ اللهم إلا الذل والهوان والعذاب في دنياكم وفي أخراكم ۔ لقد صور لكم حكامكم وقادتكم المضللون الإنسانية الحقيقية علی أنها تخلف وماضي قديم أخنی عليه الدهر وأنها سبب عذابكم في الماضي وإنهياركم وأوهموكم أن الحل هو في ترك تلك القيم الإنسانية والعودة إلی المادية المفرطة لأن فيها الحل والعزة ۔ وصدقتموهم وخضتم التجربة ۔ فهل حقا وجدتم الحل والعزة في ترك الإنسانية وإتباع المادية المفرطة ۔ هل أنتم أكثر سعادة الأن ۔ نعم قد تكونون أكثر تقدماً مادياً ولمكن هل أنتم أكثر سعادة من أجدادكم الذين كانوا بشراً تمسكوا بإنسانيتهم ولم يصبحوا حيوانات ماديين أمثالكم ، أم كانوا هم أكثر سعادة منكم ۔ سأترك هذا الإجابة عليه من ضمائركم وعقولكم إن كان بقي فيكم بقية من ضمير أو عقول...إنزعوا عنكم تلك الحيوانية وتمردوا وعودوا إلی إنسانيتكم قبل أن يفوت الأوان ، وأنقذوا أبنائكم من هذا المصير فالإنسانية خلقها الله وجعلها أفضل وأعز وأجمل وأصلح وأرقی وأسمی وأحب من الحيوانية ۔ أما أنا فسأظل علی إنسانيتي ولن تفلح لدغة حيتكم في تسميمي وقتل عقلي وتنمية شهواتي ، هل تعرفون لماذا ۔ لأنني لجأت إلی ربي ليحميني منها وسيحميني منها بقدرته ومن الحياة الحيوانية المادية القذرة البغيضة ۔ ولذا فلا سبيل لكم إلی فإما أن أحيا إنساناً عابداً لله مكرماً سامياً خليفة لله في أرضه أقاوم الحيوانية وأدعو للإنسانية والربانية والعبودية والحياة الإستخلافية وإما أن أموت إنساناً عاش كما أراد الله له أن يعيش ومات كما أراد له أن يموت إنساناً مسلماً مؤمناً عابداً خليفةً مجاهداً صابراً يأبی أن يعبد غير الله أو يطيع غير الله أو يستعمل إلا عقله أو يتبع إلا فكره أو يطيع شهواته وملذاته أو يُستعبد لمادياته وأهوائه أو يقلد أو ينقاد أو يعمل لحساب غيره ۔ فإن حييت علی هذا فنعم الحياة وإن مت علی هذا فنعم الممات وفي الحالين سأنال رضا الله وأكون في الأخرة من الفائزين بإذن الله.

          أيتها الحيوانات البشرية ۔ أيها البشر الحيوانات!  إليكم عني ۔فلا أنا منكم ولا أنتم مني ۔ إنني إنسان نعم أنا إنسان ۔ وسأظل إنسان مهما حاولتم أو ضغطم أوهددتم أو عذبتم...فلن أكون أبداً مثلكم...طريقي غير طريقكم وحياتي غير حياتكم ۔ نهجي غير نهجكم ۔ أنتم إرتضيتم أن تكونوا مجرد حيوانات ، ربكم أنفسكم ، ودينكم شهواتكم ، وملتكم ماديتكم وترابيتكم ۔ وأنا إنسان ربي الله خالقي وخالقكم وديني إسلاماً محمدياً علوياً ، وملتي توحيداً حنيفية إبراهيميا ، خلقني الله ليميزني عنكم وإستخلفني لأحكم عليكم وأصلح ما أفسدتم ۔ فإن تمكنت من أداء مهمتي ودوري فسأقوم بها ، وإن لم أتمكن فسأقاومكم وأنصحكم ، وإن لم أتمكن فسأعتزلكم وأنئا عنكم ولئن تكالبتم علي فسأقاتلكم حتی تستريحوا مني وأرتاح منكم وليس بيني وبينكم صلح أو هدنه أو أرض مشتركة ۔ وعبادة الله هي خصم المادية ۔ وقديماً عندما خلق الله الأرض عاش فيها حيوانات أمثالكم بل وأقوي منكم ۔ عبدوا شهواتهم وماديتهم وعاشوا لها ومن أجلها فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء وأكل الواحد منهم الأخر حياً وساد الظلم ۔ فأراد الله برحمته أن يطهر الأرض منهم وأن يجعل فيها خليفةً له ليصلحها ويعدل فيها ويقضي علی المادية والحيوانية الغرائزية ۔ وليعبده وليعلي كلمته فيها ۔ وزوده بالعقل ليحكم به شهواته ويفكر به فيكون بهذا أقوی من كل حيوانات الأرض وسيداً عليها ومتميزاً عنها فيحكمهم بعقله برغم أنيابهم ومخالبهم وعضلاتهم...ثم أرسل له الرسل والأديان ليعرفه مهمته ويوجهه في أداء دوره ليضمن له النجاح ۔ ولكن للأسف خان الإنسان الأمانة وعطل عقله وفكره ۔ وسار خلف شهواته وعبد نفسه  وحكم ماديته ، وقلد الحيوانات التي جاء ليحكمها ويحمي الأرض من شرها ونهجها ۔ فكفر بربه وجحد نعمته وتخلی عن دوره فأفسد وظلم وسفك الدماء فأصبح كأشر حيوان.  هذا أنتم وهذا حالكم وما أصبحتم عليه ۔ فلعنة الله علی الظالمين ، ولعنة الله علی المفسدين ولعنة الله علی الكافرين الجاحدين الذين خانوا أمانة الإستخلاف ونكثوا علی أعقابهم.  أما أنا فسأظل علی إنسانيتي ولن أخون ربي ، ولن أفرط في دوري ۔ أو أنكث علی عاقبي مثلكم ۔ بل سأظل علی عهدي مع الله مؤدياً دوري ما إستطعت حتی ينتهي عمري ۔ فالمحيا محياه والممات مماته ۔ وعيشي كله له ۔ وكدي وسعي في سبيله ۔ ولم تفيض روحي إلا علی كلمته ۔ فألقاه وهو عني راضٍ ۔ قد أديت الأمانة وأخلصت في الخلافة فلم أعبد ذاتي من دونه ۔ ولم تحجبني شهواتي عن نوره ۔ ولم أخضع لسلطان أحدٍ سواه ولم أخونه ولم أطاوعكم أو أقلدكم ۔ ولم أقبل بعالمكم وضلالكم ... هذا مقالي فأحزموا أمركم ثم كيدوني جميعاً ولا تنظرون , إني توكلت علی الله ربي وربكم , ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها , إن ربي علی صراط مستقيم , والله المستعان علی كيدكم ومكركم وإفسادكم وظلمكم وشركم ۔ والله المستعان علی ما تصفون ۔ والحمد لله رب العالمين ۔ فاقضوا ما أنتم مقضون ۔ إنما تقضون هذه الحياة الدنيا ۔ والله خيرٌ وأبقی ۔ إنه من يأتِ ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي ۔ ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فاؤلئك لهم الدرجات العلی ۔ جنات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خلدين فيها وذلك جزاء من تزكّی.

 

وتسود الهمهمة ويسرع الذئب قائد الشرطة ليهمس في أذن المدعي الثعلب ويخرج مسرعاً ، ويتململ القاضي في مقعده وينظر المحلفون الحيوانات بعضهم إلی بعض.

 

الدب القاضي:

          تُرفع الجلسة لإجراء المدوالة بين المحلفين علی أن يعودوا بقرارهم بعد نصف ساعة ۔ (ثم يضرب علی المنصة أمامه ۔ ويصيح الضفدع الحاجب "رفعت الجلسة للمدوالة).

 

****************************************************************

 

وثب الضفدع عالياً في الهواء وصاح محكمة...

 

          ويدخل الدب القاضي متثاقلا ً مهتماً ۔ ثم يدخل المحلفون الحيوانات واحداً واحداً يجرون أقدامهم ويأخذون أماكنهم ۔ الثعلب في مكانه واضح عليه الحيرة والإرتباك ۔ الذئب قاعد الحرس ووزير الداخلية يجلس متحفزاً وعينه يلمع بها بريق مخيف وهو يتلفت حوله هنا وهناك ۔ الحيوانات الحضور جالسة في صمت وحزن ۔ يلا حظ تزايد عدد الحراس الكلاب زيادة كبيرة مع وجود أنواع شرسة  من الكلاب ذات أسنان وأنياب وأجسام ضخمة وأخلاب لم تكن موجودة من قبل.

 

الدب القاضي:

          فُتحت الجلسة...السادة المحلفون هل وصلتم إلی قرار؟

 

المحلفون بصوت واحد:

          نعم.

 

الدب القاضي:

          فما هو قراركم؟

 

المحلفون: (وهم يقومون بنزع أقنعتهم وملابسهم الحيوانية)

          لقد قررنا أن الإنسان غير مذنب وأنه برئ ، وقررنا أن نعود إلی إنسانيتنا مرة أخری وننزع عن أنفسنا رداء الحيوانية (وإذا هم بشر مرة أخری).

 

          ويسود الهرج والمرج بين الحاضرين ۔ وهنا يقف الذئب وعينه تتوقد شرار ويصيح ..

.

الذئب :

          لقد أمرني الملك الأسد الأعظم أن أعيد النظام والأمن فوراً فلتتحرك كلاب الحراسة إلی مواقعها  ولتنهي تلك المهزلة أيها القاضي .

 

ويتحرك الحراس الكلاب في كل مكان ويحيطون بالمحلفين وبالقاضي وبالحاضرين.

ولكن الإنسان يقف في قفصه ويصيح بأعلی صوته...

 

الإنسان:

          الله أكبر منكم..هيا إكشف عن وجهك القبيح أيها الذئب وعن وجه سيدك الأحقر ۔ هيا أيتها الكلاب الحراسية إكشفي عن وجهك البشع ۔ هذا هو عدل المملكة الحيوانية ۔ إنكم تحكمون  بالحديد والنار ولا تعترفون بالحرية الحقيقية.  وإنكم لا تقبلون أبداً أن تُعرف الحقيقة وتكشف ويقلع الناس عن حيوانيتهم ويعودوا إلی إنسانيتهم وسموهم ۔ لعنة الله عليكم ۔ هل نسيت أيها الذئب أنك أنت أيضاً كنت إنساناً ۔ لما لا تفعل مثل المحلفين وتعترف بالحق وتعود إلی إنسانيتك ، وتقلع عن حيوانيتك ۔ ماذا سيعطيك سيداك الأسد والنمر مقابل عمالتك وخدمتك لهما؟ هل نسيتم أيها الحراس الكلاب أنكم كنتم في الأصل بشر ولكنكم رضيتم بأن تكونوا كلابا ً وحراساً للسلطة الحيوانية المادية ومؤامرتها ومخططاتها ضد البشرية الإنسانية مقابل حفنة من العظام والفتات المادي يلقونها إليكم ۔ أما آن لكم أن تفيقوا فتجعلوا أنيابكم وأجسادكم ومخالبكم مع الحق والعدل والحقيقة ۔ وعبادة الله في أرضه.

 

الذئب : (هائجاً)

          إخرص أيها المتهم! أسكت ۔ أيتها الحية الرقطاء إنني أصدر إليك الأمر بإسم مولانا الأسد الأعظم أن تلدغيه بلدغتك السامة حتی يصبح حيواناً رغماً عنه...وتقضي علی عقله وتثيري شهواته ورغباته وماديته.

 

وتتقدم الحية الرقطاء وتدخل القفص ملوية جسدها ممدة لسانها إستعداداً لأداء العمل...ولكن الإنسان يقاوم التفافها حوله وهجومها وهو يصيح بأعلی صوته.

 

الإنسان:

لا... لن أكون حيواناً!

   لا... لن أكون حيواناً... إنني إنسان...وسأظل إنساناً بأمر الله وبإذن الله وبقوة الله!

 

وأخيراً تنج الحية في لدغ الإنسان بلدغتها السامة المعهودة وتخرج من القفص مسرعة...

وينتظر الجميع النتيجة...أن يتحول الإنسان إلی حيوان...

 

وينتظروا ويطول إنتظارهم ، ولكن لم يحدث شيئاً ، والإنسان ملقی منهك القوی ولكنه يتحامل بعد مدة ويقوم ثم ينتصب قائماً ويقول بأعلی صوته...

 

الإنسان:

الحمد لله لم تفلح لدغتكم ولا مؤمراتكم ۔ ولقد أنجاني الله منها وحماني بفضله وعنايته فلم تؤثر في شيئاً ، وما زادتني إلا إنسانية وعبادة لربي ، وإيماناً ومحبة له ۔ وها أنا أمامكم ۔ فما رأيكم الأن وقد رأيتم أية ربكم...

 

ويسود الهرج والمرج ويبداً بعض الحضور أيضاً في خلع ملابسهم وأقنعتهم الحيوانية فإذا هم بشر حقيقيون مرة أخری.

 

وهنا يجن جنون الذئب ويهمس في أذن الثعلب ثم يصدر أمره ويصيح...

 

الذئب:

أيتها الكلاب بأمر مولانا الأسد الأعظم وسيدنا النمر الأكبر ، ومن أجل بقاء مملكتنا الحيوانية وتقدمها وتطورها وإزدهارها وماديتها ، أمركم بالهجوم علی هذا الإنسان وقتله وؤد الفتنة في مهدها قبل أن تستفحل ويسود التمرد وينتهي أمرنا وأمركم وعالمنا وعالمكم ونعيمنا ونعيمكم... فلتهجموا علی هذا الإنسان المغرور المفسد الحاقد علی مملكتكم ومنجزاتكم وحضارتكم وماديتكم........إهجموا علیه ومزقوه!!

 

          وفوراً تتدافع الكلاب نحو الفقص ويهجمون علی الإنسان وهو يقاومهم بقدر إستطاعته ، ويدعو ربه ويطلق شهادتيه...ويزداد نهش الكلاب بأسنانهم ومخالبهم وأنيابهم ، وتتطاير الدماء هنا وهناك...وتشارك حيوانات أخری في الهجوم علی الإنسان المسكين ۔ فهذا الحمار يرفصه ،  وهذا الثور ينطحه ، وهذا الصقر ينهش فيه ، وهذا الخنزير يضحك عليه ويسخر منه ، وهذه الكلاب تقطعه إرباً إرباً ۔ والمسكين يصيح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له...محمد عبده ورسوله...إنا لله وإنا إليه راجعون...فزت ورب الكعبة...علی طريق علي وعلی نهج ودرب الحسين...الحمد لله رب العالمين

ثم أنشد يقول وهو يقاوم ويقاتل :

 

                    الله معي...الله معي               يا نفس صبراً لا تجزعي

                    مرحی بموت ولكن بعزٍ        وأفٍ لعيشٍ لا ينفعِ

                    الملك يذهب ..المال ينفذ           الدنيا نفنی والله دائمِ

                   في الدنيا يعلو كل مفسدٍ           وفيها يعاني مسلمٍ مؤمنِ

                   الدنيا لا تعطي إلا كلابها          ومريد الله يأبی حياة خنازيرِ

                   العمر يمضي والأجل يدنو       الجسد يبلو والقبرُ مظلمِ

                   البعث قادم والكتاب شاهد         وسعي الدنيا ضلٌ والله محاسبِ

                  فصبرٌ يا نفس...في طاعة الإله      فلن ينجو إلا عُبّاد الخالقِ

                  يا دنيا غري غيري وضري         فلا أنا منك ولا أنت مني

                  بشر ظلومٌ بشر جهول               يهوي الضلال ويبغض الحق

                  نفوس مريضة...قلوب سقيمة      عقول سفيهة...هویً بغير حد

                  فيانفس عوفي هذا المتاع               ولا يغرك...لهو وزخرف

                   فما الدنيا إلا..دارُ فتنة                وما الحياةُ سوی...جسرٍ ومعبري

                   فلا تؤثري...يا نفس دفيتك          حلم سينتهي ووهم سينقضي

                  فلتقنعي يانفس وتقبلي                 إرادة الإله..وقدر مقدري

                 ومعك الإله يا نفس فأهنئ               وقري وأطمئني...فالله منقذي

                 إليه ملجئ...إليه مفزعي                 إليه مرجعي...يا نفس فأهنئ

                 ومن يأت ربه بقلبٍ مؤمنٍ                ونفسٍ صابرةٍ فالجنةُ موعديِ

                وعداً من الله وحقاً وعدهُ                  والله لا يُخلف أبداً وعدهِ

 

 

          حتی تفيض أنفاسه وينقطع صوته...ويصدر أمر الذئب قائد الشرطة وزير الداخلية يوقف الهجوم...فتوقف كلاب الحراسة وتعود مكانها مدرجة بدم الإنسان الشهيد الذي أصبح جثة هامدة مقطعة منهوشة من قسوة الفتك والهجوم.

 

          ويلتفت الذئب إلی هيئة المحلفين والحاضرين فإذا هم جميعاً قد لبسوا ثيابهم الحيوانية وأقنعتهم مرة أخری وعادوا لحيوانيتهم...ويسألهم الذئب بحدة.

 

الذئب:

هل كان هذا الإنسان الغبي المجنون المتخلف مذنباً أم غير مذنب؟!

 

المحلفون والحاضرون والقاضي بصوت واحد:

مذنب ! مذنب ! مذنب!

 

فيصيع الذئب ويهتف:

  تحيا المملكة الحيوانية ! المجد والبقاء للمادية ! عاش مولانا الأسد الأعظم ! عاش سيدنا النمر الأكبر ! الرفعة والسيادة للغرائز والشهوات ! يسقط العقل ! ويسقط الحكمة ! يسقط التفكير والوجدان والأحاسيس ! تسقط الأخلاقيات والمثل العليا والمبادئ ! الموت لمن يعبد غير ما نريد ! والعذاب لمن يرفض أن يكون حيواناً !  وليبقی نهجنا الحيواني ! لتبقی معيشتنا الحيوانية وإنجازاتنا المادية الحسية إلی الأبد !

 

 

 ويردد الجميع ورائه مثل قوله ، والكلاب محيطة بهم مكشوة عن أنيابها ملوثة بدماء الإنسان الشهيد الضحية... ويسدل الستار علی تلك المأساة الهزلية!