لُغز نبؤة المزمور رقم "22"

 

 

أخوة الإيمان والإسلام والدين الحق القويم

 

بعد الصلاة على محمد وأله الطيبين الطاهرين

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

الحمد لله الأول قبل الإحياء والإنشاء...والأخر بعد فناء الأشياء...والحمد لله الذي خلق الخلق...وأنزل الرزق...وقَدّرَ الأقدار...لا يغيب عن علمه شئ في السموات والأرض وهو بكل شئ عليم.

والحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم...ثم علمه البيان...بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً. ثم هداه النجدين إما شاكراً وإما كفوراً. ثم أرسل له رسلاً وأنبياء وأوصياء هداة مهديين...ليدلّوه على طريق الرشاد وعلى الصراط المستقيم...وأرسل معهم كتباً وصحائف...فيها الحكمة والإعجاز وفيها من قصص الأولين وأخبار الغابرين وفيها نبؤات وتلميحات عما سيحدث وما هو أتي...وبعض من أنباء الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده ليكون ذلك دليلاً وتأكيداً على صدق نبوة النبي ورسالة الرسول...فترى الدليل والمعجزة كل عين مدركه فاحصة متأملة ، مخلصة متجردة...فتؤمن بربها وتُصدق نبيها وتتبع رسولها بعدما رأت وتأكدت بعين البصر والبصيرة من صدق ما جاءها...ولما لا وهى ترى كتب ربها تشرح وتوضح لها ما كان وترى تحقق ما أخبرت به تلك الكتب الإلهية من أنباء الغيب...وقد لزمتها بذلك الحجة من ربها...فلا تأتي نفس بعد ذلك تجادل عند ربها فتقول: لو أنك أرسلت إلينا رسولاً هادياً أو كتاباً مبيناً؟! فنتبع أياتك من قبل أن نذل ونخزى.

 

ومن الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى فيها هدىً ونور..."الزَبُور". وهو كتاب الله تعالى أنزله على نبيه داود (ع) وقال الله تعالى في قرءانه الكريم "وأتينا داود زبورا". فما هو الزبور؟ وكيف كان؟ وأين يمكن أن نجده؟

أما الزَبُور فهو كما قلنا كتاب من الله تعالى أوحاه إلى نبيه داود (ع).

وأما كيف كان؟ فهو مقسم إلى أجزاء أو سور تُسمى مَزامير ومفردها مَزّمُور ، وكل مزمور يحمل رقماً بدءاً من رقم (1) واحد وحتى رقم (150) مائة وخمسون. فعدد سور الزَبُوّر أو مزاميره هو مائة وخمسين مَزموّراً.

 

وأما لماذا سُمِيت بالمزامير، فذلك لأن داود (ع) كان يتغنى بها ويبكي ويسبح بصوت حزين عذب رخيم خَشوُعِ جميل ، فكانت الجبال والطير تُسبح وتُؤﱠب معه كما حكى الله تعالى في القرءان "يا جبال أوّبيّ معه والطير وألنّا له الحديد". وقال الله تعالى: "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكُنا فاعلين". وتغني داود (ع) هنا طبعاً ليس الغناء بمعناه المحرم والشائع في مجالس اللهو ولكنه أشبه بتجويد أو ترتيل القرءان بصوت جميل ونغمة خاشعة حزينة نابعة من القلب والنفس المتأثرة والمنفعلة الواعية بما تقول وتردد من أيات وحي الله النورانية الرحيمة والكريمة والقدسية. وهذا ما كان يفعله داواد (ع) بقلب خاشع ونفس محبة لله تعالى وكلامه وبعقل واعي ومدرك لمعاني الوحي العظيمة ودلالاتها ، ولذا أمر الله تعالى الطير والجبال أن يسبحن معه ويرددن أصداء أيات وحي التنزيل معه.

 

وأيات المزامير كانت مجموعة من المناجاة والدعاء وبث الهموم والشكوى ، والحِكَم والمواعظ والتسبييح والتمجيد والثناء على الله وذكر ألائه ونعمه ، وبها أيضاً مجموعة من حقائق الحياة وأسرارها وبعض أخبار الماضي ووقائعه وبعض من أخبار الغيب وملاحمه ونبؤاته ولكن كعادة الوحي في كل كتاب إلهي تلك النبؤات تكون غير مباشرة ومبهمة إلى حد ما وتكون في صورة إشارات وتلميحات وتشبيهات وتمثيلات...تحتاج إلى كثير من التأمل والتفكر والفهم والذكاء والخلفيات العلمية والثقافة الدينية والتاريخية حتى يمكن فهم تلك النبؤات والإستنباط منها ، ثم التوصل إلى الإستنتاج السليم. وهذا ينطبق على كل نبؤات الكتب السماوية الإلهية ولا يجوز في ذلك مجرد النقل وتقليد الغير دون وعي أو دراسة أو فهم عميق أو إستنتاج مبني على العقل والمنطق والعلم المسبق. وإذا إستطعت أن تحلل النبؤة تحليلاً سليماً واستخلصت واستنبط منها الإستنباط الصحيح...فإن كانت تلك النبؤة قد تحققت فعلاً فيما مضى...فهذا يزيد إيمانك بالله وبرسله وكتبه واليوم الأخر ويزيد رسوخك ويقينك ، وفي هذا فضل عظيم ونعمة من الله عليك ومعجزة منه مُشاهدةً أمام عينيك. وإذا كانت النبؤة لم تتحقق بعد فأنت إذاً تنتظرها وتترقبها في أيام حياتك فإن حدثت وأنت حي ورأيتها وأدركتها وعرفتها وعشتها وأمنت بها ، فقد نلت فضلاً كبيراً من الله وعطاءاً لا حدود له. وإن لم تدركها في أيام حياتك فقد نلت أجر المترقبين المنتظرين للفرج ولتحقق النبؤات وكنت من المؤمنين بالغيب ، وأتاك الله أجراً عظيماً وأثابك ثواباً كبيراً فكنت تماماً كمن شاهدها وعاشها وأمَن بها ، وكنت على هُدىً من ربك وكنت من المتقين.

والزَبُوّر بمزاميره المائة والخمسين يشبه إلى حد كبير في نمطه وتوجهه وأدبياته ومنهاجه...يشبه الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه وعلى أبائه الطاهرين أفضل الصلوات وأتم التسليم...فهو كما ذكرنا مليئ بالمناجاة والدعاء والتمجيد والتسبيح والشكر والتحميد وبث الهموم والشكوى مما يحدث للمؤمنين من الظالمين ، وفيه أيضاً كما ذكرنا من حقائق أخبار السابقين وغوامض نبؤات اللاحقين...ولذا فلا عجب أن سُمِيت الصحيفة السجادية ب"زَابّور ألِ محمد" للتشابه الكبير بين الكتابين والصحيفتين في الروحانيات والتعبدات والمناجاة والمفاهيم والقِيَم والمعلومات والحِكَم التي تقدمها.

 

وأما أين يمكنك أن تجد زابور ومزامير داود (ع)...فهى الأن جزء من الكتاب المقدّس في العهد القديم منه ، وهو مُترجم من العبرية القديمة إلى عدة لغات ومنها اللغة العربية...مع الأخذ بالإعتبار التحريف والتغيير الذي ناله خصوصاً أثناء عملية الترجمة.

 

ولا ندعي الإحاطة الكاملة بكل المزامير المائة والخمسين ونأمل أن تُدرَس يوماً دراسة كاملة واعية متأملة ، ولكن ما حدث هو أني في أحد المناظرات الساخنة مع أحد أتباع الديانة المسيحية...وبينما هو يسوق أدلته على صحة وقوع صلب المسيح عليه السلام وتعذيبه ومعاناته قبل صلبه بخلاف ما يدعيه الإسلام من عدم وقوع أي تعذيب أو صلب للمسيح لأن الله تعالى رفعه إليه بقدرته ورحمته ، فكان من أحد أدلته أن أخرج الكتاب المُقدس وفتحه على العهد القديم ، ثم أشار إلى المزمور رقم "22" من مزامير داود (ع). وقال: "إقرأ هذا المزمور ، وإسمه "مزمور إلهي إلهي" ، فستجد فيه نبؤةً عن ظهور المسيح (ع) وعن تعذيبه وصلبه واضحةً جلية ، وهذا قبل ولادة المسيح (ع) بمئات الأعوام. فهل يكذب زابور داود في نبؤته؟! وأنتم أيها المسلمون تعترفون به وبما يحتويه ككتاب سماوي مُنزّل من الله تعالى. وأليس هذا دليلاً واضحاً جلياً على صحة إعتقادنا بتعذيب المسيح (ع) وصلبه؟! ودليلاً أيضاً على بطلان إعتقادكم أيها المسلمون بعدم صلب المسيح ورفعه ، ودليلاً ثالثاً على تعارض قرءانكم مع ما جاء في الكتب السماوية وأنتم تدعون أن القرءان جاء ليوكد ما فيها؟!"

 

وتناولت الكتاب المقدس...وبدءت أقرأ ما أشار إليه وهو المزمور رقم "22" أو مزمور "إلهي إلهي" كما يُسمونه...وبعد أن إنتهيت من قراءته إهتز قلبي إهتزازاً شديداً...وتدفقت الدموع من عيني وتدافعت الأفكار إلى رأسي كالشلال الهادر...حتى أحسست أن لساني يكاد أن يتوقف ولا يستطيع الكلام للعاصفة الدماغية التي شلته وشغلت عقلي عنه والتي أنصبت على رأسي ، وأنا أحاول وأجاهد أن أُلَملِمّ أفكاري وخواطري وأُجمعها مع كل كلمة يقع نظري عليها في هذا المزمور الرائع وهذه النبؤة العظيمة الخالدة...وهذه المعجزة الإلهية بل والهدية الربانية لكل مؤمن ومؤمنة ، وإنها وإن كانت حزينة وأليمة إلا أنها تُثَبِِت الأقدام على الصراط المستقيم وتُرسّخ الإيمان وتُزيد اليقين...وما أن إنتهيت من قراءته حتى إشتعل قلبي فجأة بحرقة وألم شديد وأسىً لا حدود له. ولم أدري ما أقول...وأحسست أنني بحاجة شديدة لإن أخلو بنفسي حتى أهدأ وأحاول الإفاقة من الصدمة ومن ثم ترتيب أفكاري وخواطري. ولذا طلبت من مُحاوري أن يُعطيني فرصة زمنية لإعادة قراءة المزمّور المذكور والتفكر فيه علَى أن نُعاوِد التحاور بعد ذلك. وكأنما أرسل الله لي هذا المُحاوِر فقط ليدلني على هذا الكِنز وتلك الثروة دون ما إرادة منه...لأن الحوار نفسه كان عقيماً كما هو الحوار مع كل مُتعصب من أهل الكتاب مُعادي للإسلام لا يريد أن يرى الحقيقة مهما كانت واضحة وجليّة...المُهِم أن الله أعثرنا من خلال ذلك على هذا النبع الدافق وتلك الواحة المزهرة بلون الدم وسط صحراء الحياة القاحلة...والله يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب والحمد لله رب العالمين.

 

وقبل أن نبدأ في البحث والحديث عن لُغز نبؤة المزمور رقم "22" أو مزمور "إلهي إلهي"...والذي هو بين أيدينا وحولنا ولا نكاد نلتفت إليه أو ننتبه إلى وجوده...نقدم لكم أولاً النص الكامل لهذا المزمور الرائع وفيه تلك النبؤة المعجزة الخالدة وكما جاء في الكتاب المقدس.

 

نص المزمور الثاني والعشرون

من الزبور المُنزّل على داود (ع)

 

صفحة 846 من العهد القديم في الكتاب المقدس

 

"إلهي إلهي...لماذا تركتني بعيداُ عن خلاصي عن كلام زفيري؟ إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب وفي الليل أدعو فلا هدوء لي- وأنت القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل- عليك إتكل أباؤنا فنجيتهم- إليك صرخوا فنجوا- عليك إتكلوا فلم يَخزوا- أما أنا فدودةُُ لا إنسان- عارُ عند البشر ومُحتقر عند الشعب- كل الذين يرونني يستهزئون بي- يفغُرُون الشفاه ويَنغِضُون الرأس قائلين: "إتكل على الرب فلينجه ، فلينقذه لأنه سُرَ به"- إنك أنت جذبتني من بطن أُمي وجعلتني مطمئناً على ثدي أُمي- عليك معتمداً أُلقيت من الرحم ومن بطن أُمي- لا تتباعد عني لأن الضيق قريب- لأنه لا مُعين. أحاطت بي ثيران كثيرة-أقوياء باشان إكتنفتني- فغروا عليَ أفواههم كأسد مفترس مُزّمجر- كالماء انسكبت عليًّ ، إنفصلت كل عظامي- صار قلبي كالشمع- قد ذاب قلبي في وسط أمعائي- يبست مثل شقفةٍ قوتي ولصق لساني بفمي- وإلى تراب الموت تضعني- لإنه قد أحاطت بي كلابٌُ- جماعة من الأشرار إكتنفتني- ثقبوا يدي ورجلي- هُشِمت كل عظامي- وهُم ينظرون ويتفرسون في- يُقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يتنازعون.

أما أنت يا رب فلا تبعد- يا قوتي أسرع إلى نصرتي- أنقذ من السيف نفسي- من يد الكلب وحيدتي- خلصني من فم الأسد ومن قرون البقر الوحشي- إستجب لي."

 

 

هذا هو النص الكامل كما جاء في الكتاب المقدس- وواضح طبعاً رداءة الترجمة إلى اللغة العربية لأن المُترجم حرص أن يُترجم بطريقة الكلمة إلى الكلمة ولم يراعي روح ولا فنون ولا قواعد اللغة المُترجم إليها وهى العربية. وكان الأفضل له أن يُترجم بالكلمة والمعني معاً بدلاً من الترجمة الحرفية. ولكن لا بأس من التعامل مع النص كما هو ، أخذين في الإعتبار أن اللغة العربية قريبة جداً مِن اللغة العبرية الأصلية التي أنزلت بها تلك المزامير وأوحى الله الزبور إلى داود (ع) بها. بل ومِن المعلوم أن اللغة العبرية تُعتبر أماً للغة العربية كما هو الحال بالنسبة للغة اللاتينية التي هى أُم اللغات الأوروبية. ولذا فالعِربية أقرب للعبرية من أي لغة أخرى. ولنبدأ أولاً بشرح دقيق ومُتَفحّص ومُتأمّل للنص حتى يكون واضحاً تماماً بلا لبس أو إشتباه ، ثم نحاول بعد ذلك أن نستنتج منه ما يجب ولا بد لنا من إستنتاجه...ولا ننخدع بما يُملىَ علينا ويُفرض من رؤية السابقين والتي قد توافق أهواء مُسبقَة لديهم خاصةً من أهل الكتاب ممن لا يؤمن إلا بما هو عليه من دين ولا يؤمن بالإسلام...وسيكون تأمُلنا وتفحصنا موضوعياً ومجرداً وشرحنا سيكون مركزاً على النَّص فقط دون ميل أو هوى وبحيادية كاملة والله المستعان.

 

شرح النص:

 

يبدأ النص بالتضرع والدعاء واللجوء إلى الله تعالى الإله الواحد الأحد بقول:

 

1) "إلهي إلهي"

ثم يبدأ في بث الشكوى ورفع الحاجة والمناجاة فيقول متسائلاً تسائل العبد الذليل أمام الملك السيد الجبار وليس الأمر هنا سؤالاً فالله تعالى "لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون" ولكنه تسائل يدل على مقام العبودية والخشوع ومنتهى الإسترحام فيجب أن ننتبه لهذا ولا نظن أن التسائل هنا هو مقام عتاب حاشى لله. إنه تسائل يشبه دعاء رسول الله (ص) يوم الطائف وقوله "إلى من تكلني...إلى بعيد يتجهّمني...أم إلى عدوٍ قدِ ملكته أمري!" تسائل الرسول (ص) هنا هو منتهى التعبير عن العبودية والخشوع والحب وكناية عن التسليم المطلق لله والرضا بقضائه وهذا يعرفه جيداً العالمين بأساليب اللغة العربية العارفين بمسالكها وفنونها...وليس التسائل هنا هو تعبير عن أي إستفهام أو تسائل حقيقي كما يخطر على البال لأول وهلة وللتسائل والإستفهام في اللغة العربية أنواع كثيرة وأهداف متعددة...وهذا واضح جداً في الكثير من ايات القراءن الكريم التي تحمل أنواع التسائل والإستفهام التحذيري والإنذاري والتوبيخي والتقريعي والتبكيتي والتهكمي والتعبدي والإلحاحي...إلى أخر هذه الأنواع.

 

يتسائل الداعي الخاشع العابد المُسلّم أمره لله...

2) "لماذا تركتني بعيداً عن خلاصي...عن كلام زفيري".

"الخلاص" هنا هو بمعنى النجاة...النجاة من الأعداء والحاقدين والمفسدين...والنجاة من فتن الدنيا ومصائبها...وأما "كلام زفيري" فهو كناية عن التعبّد بالدعاء والتسبيح والتمجيد والتوحيد والصلاة الدائمة المستمرة وقول كل ما يرضي الله تعالى...وكُنيَّ عنه بالزفير لأن الكلام لا يحدث إلا عند الزفير وهو إخراج الهواء عن الرئتين والصدر، والزفرة أيضاً تأتي بمعنى الشكوى والأنين...فيكون المعنى كالتالي: يا إلهي وربي...لما تركتني للأعداء- أعدائك وأعدائي- والمفسدين ولا تخلصني وتنجيني منهم بقدرتك ورحمتك ولما لا تخلصني من فتن الدنيا وتمنحني الخروج منها بسلام والورود إلى أخرتك ورحمتك بأمان وهذا هو الخلاص الأكبر. لما تشغلني بدنياي وفتنتها وأعدائك وأعدائي فيها عن عبادتي المنقطعة لك وعن دعائي وتسبيحي وأنيني المتواصل الدائم لك.

 

3) "إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب- وفي الليل أدعو فلا هدوء لي"

وهذا أسلوب إلحاح وإستغاثة وإصرار...فهو يعبر عن حاله المستمر في الدعاء والتضرع المتواصل ليل نهار لله سبحانه وتعالى دون كلّل أو فتور ولسان حاله يعبر عن الإلحاح في سرعة الإستجابة مما يدّل على أن الداعي يتعرض لموقف صعب وشديد وخطير يستدعي الإلحاح على الله في سرعة الإجابة ويدل عليه تواصل الدعاء ليلاً ونهاراً. وإذا ربطناه بالدعاء الأول إستنتجنا بسهولة تعرض الداعي لهجوم شديد من أعدائه أعداء الله...لذا فهو يستغيث بالله لمعونته ضدهم ولنجاته منهم. والمواجهة واقعة أو ستقع سريعاً ولذا فهو يتضرع لسرعة الإستجابة من الله تعالى.

 

4) "وأنت القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل"

أسلوب تسبيح وتمجيد وتقديس لله تعالى...وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام...وكلمة الجالس هنا بمعنى الموجود والمذكور. فيكون المعنى: أنت القدوس المذكور في تسبيحات وأذكار يعقوب (ع).

 

5) "عليك إتكل أباؤنا فنجيتهم إليك صرخوا فنجوا عليك إتكلوا فلم يخزوا"

وهذا تَعبُّد لله بذكر وتذكر نعمه والائه وأفضاله..وله مماثلات كثيرة في القرءان الكريم وفي الصحيفة السجادية وأدعية الأئمة عليهم السلام- وهو أيضاً تقرير لحقيقة واقعة وهى أن الله ينصر المؤمنين ومن يدعوه بصدق ويتوكل عليه ويستعين به ويلجأ إليه وأن حزب الله هم الغالبون والمفلحون في الدنيا والأخرة. وهو أيضاً تطمين وتذكير للنفس بأن نصر الله أتِ وقريب وأن على المؤمن الصبر وإنتظار الفرج كما نصر الله الأولين بعد توكلهم وصبرهم.

 

6) "أما أنا فدودة لا إنسان - عار عند البشر ومُحتقر عند الشعب".

وهذه بداية رسم الصورة وتصوير الحال...فالذي يدعو الله هنا يُصور حاله بأنه مُستَضعف تَخشَى الناس أن يُنسَب إليها أو أن تُتَهم بموالاته...لما قد يصيبها من جراء ذلك...وذلك يشبه قول الرسول (ص) في دعائه "وهواني على الناس". وهو يُنظر إليه بإزدراء لقلة خطره وقلة أعوانه...ولذا فهو يُشبه نفسه ألماً وحسرةً "بالدودة" تجاه الناس...وذلك لضعف قوته وقلة حيلته وهوانه على الناس.

ومن هذه الصورة يتضح فوراً أن الذي يدعو الله هنا ليس داود (ع). فإن داود (ع) كان ملكاً عظيماً بالإضافة لكونه نبياً وبالتالي فقد كان محط إهتمام الناس وتقربهم وتملقهم وتقديرهم على الأقل بسبب السلطة والملك. ولذا فهذا المزمور وإن كان الذي يردده هو داود (ع) فهو يتحدث عن حال شخص أخر...هو الذي يدعو ويبتهل وهو الذي يصور حال وحدته بين أعدائه وبين أمته وشعبه...ولذا إدعت النصارى إنه نبؤة عن عيسى (ع) وعما سيحدث له.

 

7) "كل الذين يرونني يستهزئون بي- يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين : إتكل على الرب فلينجه ، فلينقذه لإنه سُرَّ به"

وهذا إستكمالاً لوصف الحال كما هو قبله...فالذي يدعو الله هنا وهو بالطبع ليس داود (ع) ، يستكمل الشكوى إلى الله من قومه ومن أمته. فهُم يستهزئون به لقة قوته وقلة ناصره...والأسوء من ذلك أنهم يسخرون منه بسبب لجؤه إلى الله تعالى وإتكاله عليه في كل أحواله. فهُم إذن ليسوا بمؤمنين ولكنهم مجرد كلاب دنيا وإن تسمّوا بغير حقيقتهم ، وهم ينتقدوه لأنه أمَن بربه وفرح وسُعِد به ، ويتحدوه أن يستطيع ربه أن ينقذه من بين أيديهم فقالوا كما قال فرعون (لع) "ذروني أقتل موسى وليدع ربه" إستطاله على الله وإستهانه به...ونستطيع من ذلك أن نستنتج أن الذي يدعو الله هنا مُحاط بأعداء كثيرون جداً يستعدون للوثوب به. وكل جريمته في نظرهم أنه أمَن بالله حق الإيمان وأحبه حق الحب وأعتمد وتوكل عليه حق التوكّل. وهُم مغترين بكثرتهم وضعفه وقلة ناصريه فيعتقدون من كثرة عددهم وقلة عدد جنوده أنه حتى الله لا يستطيع أن ينقذه منهم... وهُم يعترفون بانهم أعداء الله. فما الفرق بين الفقرة السابقة وهذه الفقرة؟ الفقرة السابقة تتحدث عن حال الأُمة والشعب ، وأما الفقرة هذه فتتحدث عن حال الأعداء والجنود الذين يحيطون مباشرة ببطلنا المؤمن المجاهد الذي يدعو الله وتشير إليه نبؤة المزمور، وهو مُحاط بأعداء هائلة مسلحة من جنود الأعداء الباغين الكافرين المجاهرين بعداء الله والذين أعجبتهم كثرتهم ويستعدون للهجوم عليه والإنتقام منه جزاء إيمانه وحبه وتوكله على الله تعالى بصدق وإخلاص.

8) "إنك أنت جذبتني من بطن أُمي وجعلتني مطمئناً على ثديها عليك معتمداً ألقيت من الرحم ومن بطن أًمي"

وهذا مرة أخرى ذكرٌ وتذكير للنفس بنعم الله وألائه ومثله كثير في أيات القرءان الكريم وأدعية الصحيفة السجادية ودعاء كميل...وتذكر وذكر نعم الله والائه في أثناء الدعاء تُرضي الرب وتسرع بقبول وإستجابة الدعاء خصوصاً مع الحمد والثناء على الله تعالى...ولنرجع إلى دعاء الجّوشن الصغير...لندرك أهمية وقيمة ذلك.

 

9) "لا تتباعد عني لأن الضيق قريب لأنه لا مُعين"

وهذا توسل وتضرع إلى الله مشفوعاً بالأسباب...وبطلنا المؤمن المجاهد هنا يذكر سببين: أولهما أن الضيق قريب والخطر محدق والأعداء على الأبواب وهُم كثيرون كما علمنا وفي منتهى الشراسة لأنهم كارهون ومُعادون لله وغير مؤمنين...وثانيهما أنه لا مُعين...وهذا يدل على أن بطلنا المؤمن يقف تقريباً وحده أمام هؤلاء الأعداء الأشرار يجاهدهم بنفسه...والعبارة كلها توحي بأن هناك مواجهة مسلحة بين طرفين أحدهما كثير العدد جداً شرس ليس على الإيمان والطرف الأخر المؤمن قليل العدد جداً يكاد يكون المؤمن البطل وحده وهو يطلب العون من الله قبل المواجهة المسلحة مباشرة وإلا لو لم تكن هناك مواجهة وشيكة فلما طلب العون من الله والشكوى من أنه لا معين ولو أن الأمر كان أمر أسير مؤمن يوشك أن يُقتل صبراً أو يُعدم لكان الطلب من الله هو المعونة على مواجهة الموت الذي هو واقع لا محالة...وهذا واضح جداً إن تأملنا جيداً في كلمات الدعاء.

 

10) "أحاطت بي ثيران كثيرة أقوياء باشان* إكتنفتني ، فغروا عليَ أفواههم كأسد مفترس مزمجر ، كالماء إنسكبت علي"

 

* باشان: هى قبائل همجية وقوية كانت تعيش في المنطقة في ذلك الوقت وإستخدامها هنا هو كناية عن شدة القوة والقسوة الحيوانية والهمجية.

 

وهنا يبدأ الوصف في التحديد والتشخيص أكثر...فها هو بطلنا المؤمن المجاهد الذي يدعو ربه وتُصوّر النبؤة حاله...يصور لنا ميدان المعركة بما لا يدع مجالاً للشك في أنها مواجهة حقيقية بين طرفين وبما لا يمكن أن ينطبق على حال شخص محكوم بالإعدام وبالقتل صبراً فبطلنا يصور حاله بأنه مُحاط بثيران كثيرة وهذا تشبيه رائع وإستعارة مكنية تُشبّه الجيش أو التجمع المعادي لله وله الذي أحاط به بأنه قوي كالثور كثير العدد جداً ولكنه لا عقل له ولا فهم تماماً كالحيوان فإستخدام كلمة الثور هنا دلالة بليغة على القوة المفرطة التي لا عقل ولا تفكير لها. وهذا كما يبدو كان حال القوات المحيطة ببطلنا الكثيرة العدد المدججة بالسلاح...ولا ننسى طبعاً ولا يجب أن ننسى أن الكلمات هنا هى وحي إلهي ، حتى وإن جاءت على لسان بطلنا المؤمن المجاهد الصابر. وطالما أنها وحي إلهي على لسان مؤمن فهى إذا حقيقة مؤكدة وليست وَهماً أو توهما. تماماً كما يذكر القرءان الكريم كلمات وجُمَل جاءت على لسان أنبياء ورُسل وأوصياء وصالحين فهى صحيحة لفظاً ومعنى ومدلول.

 

ومعنى" إكتنفتني" انها إقتربت مني إقتراباً شديداً وتداخلت معي بعد الإحاطة. فهذا يصور تطورً أخر في المعركة التي بدءت بالفعل وطالما بدأت ووصل الأمر إلى حد الإكتناف فهذا يدل على أن القلة القليلة الناصرة لبطلنا قد فُقِدت وقُتِلت وأصبح البطل الأن وحيداً إكتنفه الأعداء. وهذه روعة لغتنا العربية فكلمة واحدة تعطيك معاني كثيرة تساعدك في تصور أحوال وأوضاع لم تراها وتستطيع أن تستنتج منها الكثير.

وهل يبقى هناك شك بعد ذلك أن الأمر كان معركة وقتالاً بين فريقين وفئتين ولم يكن مجرد تصوير لحالة إعدام وصلب؟!! فما بين الإحاطة أولاً والإكتناف لاحقاً أحداث يستطيع أن يتصورها ويتخيلها العقل المفكر السليم وإن لم تُذكر تَدُل على وجود معركة حقيقية بين قوة كبيرة مسلحة غاشمة معادية لله غير مؤمنة (وهو ما يستدل عليه من نص الفقرات) وقوة قليلة جداً مستضعفة بقيادة بطلنا المؤمن الصابر العابد المُحب لله (وهو ما يستدل عليه أيضاً من نص الفقرات أيضاً).

ثم بطلنا يصور ما في داخل قلوبهم كما ظهر على وجوههم فهم فاغرين الأفواه عليه وفغر الفاه هو فتح الفم بطريقة تُظهر الأسنان وتكشف عن الأنياب وتدل على الغضب المفرط والغلّ الدفين والكراهية الشديدة والإستعداد للإنقضاض. ثم هو مرة أخرى يشبههم بأسد مزمّجر مفترس متوحش جائع متعطش للدماء. والمُزمّجر هو الذي يطلق الزئير العالي القبيح الدال على الغضب المراد به تخويف الفريسة. ونلاحظ أن المؤمن إختار هذه المرة أن يشبههم بالأسد بعد أن شبههم بالثيران فلماذا؟ إن هذا يدل على أن الأعداء الأن بعد أن أكتنفوه ووصلوا إليه أصبحوا أكثر قوة وشراسة وذلك لأنه أصبح وحيداً تماماً الأن فهُم يستأسدون ويستَقّوُون عليه بعد أن فقد القلة القليلة من أنصاره في أول القتال والنزال. فأعداءه الأن يشعرون أنهم أقوى من قبل. وهاكذا أصبح الثور أسداً الأن وأصبحوا أكثر شراسة وعنفاً وغضباً ولكن لو تلحظ أنهم مازالوا حيوانات لا عقول لها ولا فهم لا تعرف إلا منطق الغابة والقوة فقط ولا يفيد معها وعظ ولا نصح ولا إرشاد.

وأما قوله "كالماء إنسكبت علي" فهو أصدق تعبير عن الهجوم الأخير عليه من قبل جحافل هؤلاء المجرمين المتوحشين أعداء الله ، فهى هجمت عليه وأقتحمته كما ينسكب الماء من أعلى إلى أسفل على الشئ أو كما الشلال في قوته وتدميره عندما ينّصَبّ على ما تحته بقوة لا يعرف رحمة ولا شفقة. فهل هذا كله يتناسب في الوصف والتصوير مع حالة إعدام وصلب أَم حالة مواجهة وحرب وقتال بين طرفين غير متكافئين وغير متعادلين في القوة والعتاد والعدد. وفي هذه الفقرة ثلاثة مراحل للقتال: مرحلة الإحاطة ثم مرحلة الإكتناف ثم مرحة الهجوم النهائي الأخير. فهل هذه هى مراحل الإعدام والصلب وهل تتناسب معها إذا سلّمنا بحدوث الصلب وهو ما نفاه الله تعالى من فوق سبع سموات ، أم هى مراحل مواجهة مسلحة بين طرفين؟!

 

11) "إنفصلت كل عظامي صار قلبي كالشمع قد ذاب في وسط أمعائي يبست مثل شقفةِ قوتي ولصق لساني بفمي."

وهنا توضح لنا النبؤة على لسان بطلنا المؤمن ما حدث له نتيجة هذا الهجوم الشرس الغير متكافئ من جيش مسلح شرس غير مؤمن قوي كثير العدد على إنسان مؤمن وحيد فقد أنصاره وأعوانه. فماذا نظن ستكون النتيجة؟ تصور لنا الضحية المؤمنة تلك النتيجة المأساوية...التي تجعل المحاجر المتحجرة تتشقق فتخرج منها الدموع ينابيع وتجري أنهاراً. فالعظام إنفصلت وتكسرت...والقلب تقطَع وتمزق وسال كالشمع فذاب في وسط الأمعاء وهذا الوصف الدقيق لا يكون إلا عن ضربة سيف أو ضربات أو طعنة رمح أو طعنات أو رمية سهم أو رميات أصابت القلب بصور مباشرة فهتَّكته حتى إختلط بالمعدة والأمعاء. وأما يبوس القوة ولصوق اللسان بالفم فهو كناية عن شدة العطش والجفاف ونقص أو منع الماء نتيجة الإحاطة والحصار التي وردت في الفقرة العاشرة فبطلنا المؤمن الأن يقاتل الجيش الكثير العاتي وحده وهو في شدة العطش وممنوع عنه الماء وهو يشكو إلى الله حاله بعد أن أُصيب إصابة بليغة شديدة قاتلة. هذا هو ما يستنتج من هذه الفقرة.

 

12) "وإلى تراب الموت تضعُني لأنه قد أحاطت بي كلابٌ جماعة من الأشرار إكتنفتني ثقبوا يدي ورجلي هشمت كل عظامي".

ويواصل بطلنا المؤمن المجاهد تصوير حاله فيقول (وإلى تراب الموت تضعُني) مما يدل على أنه سقط بعد ذلك على الأرض وتوسّد على التراب تراب أرض المعركة وهذا دليل أخر على أنها كانت معركة ولم تكن إعداماً أو صلباً. وتراب الموت معناه أنه سيموت على هذه التربة التي سقط عليها وتوسّد عليها وأنه سيُدفن فيها. والضمير في كلمة "تضعُني" عائد على الإصابات القاتلة التي أُصيب بها وليس عائداً على الله تعالى الذي يخاطبه ويُناجيه كما قد يبدو ويظن البعض.

 

ثم مرة أخرى يصف بطلنا المحيطين به والذين يقاتلوه وهو في لحظاته الأخيرة بأنهم "كلاب". وذلك بعد أن وصفهم أولاً بالثيران ثم بالأسد المفترس. وما زال كل تشبيهه لهم بالحيوانات التي لا عقول ولا فهم لها. ولا ننسى أن هذا هو وصف الكتاب المقدس والوحي الإلهي لهم وإن جاء على لسان بطلنا المؤمن المجاهد الصابر. ولذا فهذا قول الله فيهم وهذه منزلتهم عند الله. أما لماذا هذه المرة هُم كلاب؟ لأن الكلب نَجِسٌ وهم بفعلتهم هذه الخسيسة تنجسّوا إلى الأبد ولأن الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث وهُم كذلك ولأن الكلب يجري وراء الفتات وهم كذلك. ولأن الكلب دنئ وهُم كذلك. ولأن الكلب ينهش الجثة ولا يحترم الموتى وهُم كذلك ، فهُم بهذا الوصف قد إنحدروا إلى أسفل السلم الحيواني وأخسّه. ثم يأتي الوصف المباشر لهم بالأشرار ، وهُم ليس كل الجيش ولكنهم جماعة منه هى التي تتولى الأن قتله وتستعد لنهشه بعد موته وهى التي الأن تكتنفه. فالإكتناف الأول في الفقرة 10 كان تعبير عن الجيش المقاتل المُعادي كله ولذا قال (ثيران كثيرة) أما الإكتناف الثاني هنا فهو لجماعة فقط من هذا الجيش وهى التي تتولى الأن قتله.

 

"ثقبوا يدي ورجلي" ومِن هذه الجملة بالذات استدلت النصارى على أنها إشارة لصلب المسيح حيث أن المصلوب تُثّبت يديه وقدميه على الصليب بالمسامير - ولكن لغوياً كل جرح نافذ في الجسد يحدث ثقباً. فضربة السيف النافذة تُحدث في الجسم ثقباً وطعنة الرمح النافذة تُحدث في الجسم ثقباً ورمية السهم النافذة تُحدث في الجسم ثقباً...أما ثقب اليد والرجل فقد يكون كناية عن كثرة الجروح النافذة وتعدد أماكنها حتى شملت اليدين والقدمين. فإن العادة أن يكون تصويب طعن السيوف والرماح ورمي السهام مركزاً على الرأس والصدر والبطن ليحدث القتل المطلوب أما أن تصيب الطعنات والسهام حتى اليدين والقدمين فلا بد أنها كانت كثيرة جداً وتُرمى بلا تصّويّب لصعوبة الهدف والخوف والرعب من المُستهدف وهذا يمكن تصوره وإستنتاجه من كلمات ووصف هذه الفقرة من المزمور وهو يتماشى ويتوافق مع الأحداث والوقائع في أرض المعركة كما إستنتجناها من الفقرات السابقة ولا يتعارض معها...كما يتعارض ما إستنتجناه سابقاً مع فكرة ثقب اليدين والرجلين للشخص المصلوب أثناء تثبيته على الصليب...هذا إن كان قد صُلِب من أساسه. ثم يقول البطل المؤمن "هُشمت كل عظامي" في جملة منفصلة بعد أن قال في أول الفقرة رقم 11 "إنفصلت كل عظامي" فلماذا التكرار؟ وما هو الفرق؟ إن الأولى هى كناية عن شدة وشراسة القتال وكثرة الإصابات في بطلنا أثناء المواجهة وحده مع أعدائه في ساحة القتال أما تهشّيم العظام في الثانية فهذا يدل على شئ ما وقع لجثته بعد سقوطه على تراب الموت وبعد إستشهاده! شئ ما قامت به تلك الجماعة من الكلاب الشرسة أدى إلى تهشيم عظامه بعد موته! والعظام لا تتهشم إلا بسقوط أجسام ثقيلة بشدة عليها لمرات متكررة وكثيرة ، وهذا ما تدل عليه العبارة وتشير إليه الفقرة.

 

13) "وهُم ينظرون ويتفرّسون فيّ يُقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يتنازعون".

والإنسان لا ينظر ويتفرّس إلا إلى إنسان حي...فالبطل المؤمن المجاهد يقول وحي الله عن لسانه أنه بعد أن وقع على الأرض تحت وطأة جراحاته التي أثخنته أخذت الجماعة المجرمة التي إكتنفته والتي ستتولى قتله والإجهاز عليه ، أخذ هؤلاء الكلاب كما وصفهم من قبل ينظرون إليه ويتفرسّون فيه...ويبدو أن هذا حدث لسببين. أولاً لأن لا أحد منهم يجرؤ أن يتولى قتله بصفة مباشرة وهم مترددون في ذلك ، وثانياً لأن أنوار وجه بطلنا المؤمن المجاهد وبهائه وهيبته أخذت بعقولهم وأبصارهم فلم يملكوا إلا النظر إليه والتفرّس فيه والإنشعال بجماله وأنواره الربانية عن قتله ولو لفترة من الزمان.

أما الجزء الثاني من الفقرة فهو بلا شك يحمل شكوى البطل بعد إستشهاده وقتله من قبل المجرمين أعداء الله. فهو يشكو إلى الله أنهم لم يرحموه حتى بعد قتله ، فعمدوا إلى سلّبه فأخذوا حتى ثيابه وجردوه منها وهُم يُقسّمونها بينهم وحتى لباسه وهو ثيابه الداخلية أخذوا يتنازعون عليها وهذا يدل أولاً على أنهم في منتهى الحقارة والإنحطاط وهُم بهذا أقل وأحط من أي حيوان خلقه الله تعالى ، ويدل ثانياً على أن البطل الشهيد الرائع كان فارساً ميسور الحال ذو سُمعة وصيت وشأنٍ عال في المجتمع والأمة ولذا طمع القوم في ثيابه ولباسه وتنازعوا عليها لقيمتها المادية والمعنوية والإجتماعية.

 

14) "أما أنت يا رب فلا تَبعُد يا قوتي أسرع إلى نصرتي"

ومرة أخرى يعود المؤمن البطل إلى الدعاء وإلابتهال واللجؤ إلى الله تعالى بمنتهى الحب والثقة والعرفان. ثمَ ها هو يستغيث بالله ويطلب منه الإسراع إلى نصرته وتلبية دعائه ولكنّا علمنا أن المعركة حُسمت بإستشهاد البطل فكيف سيطلب من الله النصرة والعون وقد وقع ما وقع وحدث ما حدث؟! فلا بد هنا أن نستنتج بالعقل والمنطق أن هناك شئ ما! أو لنقُل شخص ما! أو شخوص ما يخاف بطلنا المؤمن عليها من هؤلاء المجرمين المتوحشين بعد رحيله وإستشهاده ولذا فهو حتى بعد موته وكما يُصوّر الوحي الإلهي يطلب النصرة من الله والإسراع بها من أجل هذا الشخص العزيز أو تلك الشخوص الهامة لبطلنا المؤمن...لكي يحميها وينصُرها ويُخلّصُها من بين براثن هذا الجيش الكافر الجرار الذي لا يعرف رباً ولا ديناً ولا إنسانية. والأمرُ لا يحتمل التأخير حيث أن الواضح أن الهدف التالي لهذا الجيش المجرم الإرهابي هو ذلك الشخص أو تلك الشخوص العزيزة على بطلنا المؤمن المجاهد والقريبة منه...هذا ما يمكن أن يُفهم ويُستنتج من هذه الفقرة وتلك المناجاة.

 

15) " أنقذ من السيف نفسي مِن يد الكلب وحيدَتي خَلصني مِن فمّ الأسد ومِن قرون البقر الوحشي إستجب لي."

وإن كان بطلنا المؤمن المجاهد قد قُتلَّ واستُشهد فكيف يطلب الأن من الله أن ينقذ من السيف نفسه؟! ولاحظ أيضاً إستخدام كلمة السيف هناألا يدل ذلك دلالة واضحة على أن الأمر، كما توقعناه منطقياً فيما سبق ، كان قتالاُ بالسيوف بين فريقين ولم يكن صلّباًولو كان صلّباً لقال "أنقذ من الصلب نفسي"نعود ونسأل كيف يَطلب بطُلنا ومحور حديثنا ومن تتحدث الأيات والنبؤة عنه كيف يطلب الإنقاذ من السيف وقد قُتِل وإستُشهد فعلاً؟! إن هذا يدل بلا شك أن هناك شخصاً هاماً جداً هو بالنسبة لبطلنا كنفسه يطلب من الله إنقاذه من القتل بالسيف على يد هؤلاء المجرمين السفاحين الكافرينشخصاً حياته تمثل إستمرارًً لحياة بطلنا ذو الرسالة الإيمانية الربانية المُهمةولذا فهو يطلب من الله حفظ حياته وإنقاذه من سيوف الطغاة حتى يحمل الرسالة من بعدهويحمل مشعل الإيمان والدين والعبادة للناس عامة وللمؤمنين بوجه خاص. ويحمل الراية من بعدهويؤدي نفس دور البطولة والجهاد والعطاء والنموذج الإيماني الكامل حتى في أحلك الظروف. ولذا ومن فرط حب بطلنا الشهيد للدور وللرسالة فهو يدعو الله لحفظ مَن سيقوم به من بعدهوهذا إستنتاج صحيح يستطيع أن يدركه أي عقل واعٍ ناضج مفكر.

 

ثم هو يطلب مِن الرب الأعلى أن ينقذ من يد الكلب وحيدتهفمَن هو "الكلب"؟! ومن هى "وحيدته"؟! وما هى أهمية أن تُنقذ؟ يبدو أن الكلب المقصود هنا هو رجلاً بعينه من بين الكلاب التي شبّه بطلنا الشهيد الجماعة التي قتلته بها...ويبدو أنه أسوأهم وأخسهم وأبشعهم وأكثرهم كراهية لبطلنا ولربه ، ولربما يكون هو الذي تولّى قتله بعد تردد القوم كما إستنتجنا سابقاً. ولربما يكون أمير القوم أو ملكهم الأَمِر لهم. أما "وحيدته" فيبدو أنها أُنثى لإنه لم يقل "وحيدي" وهى عزيزة جداً على قلب بطلنا الشهيد المناجي لربه وقلبه مشغوف بحبها...ولمعرفته بأنها تحبه جداً...وانها ستكون من بعده وحيدة لا أحد لها وذلك لعلاقتها الخاصة جداً به...لذا إستخدام كلمة "وحيدتي". ولمعرفته بما قد يجري عليها من بعده وهي وحيدة فهو يطلب من الله أن ينقذها من ذلك الكلب المتربص بها...والذي هو المسئول عن ، والمتسبب في تلك المأساة كلها...وهنا يتوقع بطلنا وشهيدنا أن تكون هناك مواجهة محتمة بين ذلك الكلب المتحكم وتلك المرأة الوحيده الحزينة المكلومة. وإستخدام عبارة "يد الكلب" ترمز للسلطة المطلقة ولذا نتوقع أن ذلك الكلب المذكور ليس أمير وقائد الجيش ولكنه الملك أو الرئيس الأعلى للسلطة الظالمة كلها التي تتصدى وتحارب الحق ودعاته وأبطاله وتقتلهم وتشرد بهم وتنتقم لكفرها وباطلها منهم وتتقرب لشياطينها بدمائهم.

 

ثم يعود بطلُنا إلى التضرع إلى الله بعد إستشهاده بأن "يخلصه من فم الأسد ومن قرون البقر الوحشي"...ويجب أن نتوقف هنا كثيراً. فالبطل قد فاز ونال الخلوص الأبدي بإستشهاده في سبيل الله فما هو معنى تضرعه بأن يُخلّصه الله؟ لا بد إذن وأن نستنتج أن البطل الشهيد يترك الأن وراءه من هم منه وهو منهم ، وقد غاب عنهم بجسده وحمايته المباشرة وأصبح هؤلاء ولا حاميَ لهم ، أطفاله مثلاً أو نساءه أو عائلته أصبحوا بين يدي هذا الجيش الكافر الفتّاك الذي لا يرحم والمملؤ بغضاً وحنقاً ، وبين يدي صاحب هذا الجيش وملكه ومُرسله...ولذا فبطلنا المؤمن يدعو ويرجو الله أن يُخلّصه أي يُخلّص من هم في كفالته وهو مسؤل عنهم ومن هم قرة عينه ولا حول لهم ولا قوة الأن ، أن يُخلّصهم من فم الأسد وهذا رمز أخر للطاغية الكبير الذي أمر بإرسال هذا الجيش لقتال المؤمنين والذي سيواجهه هؤلاء الذين لا حول لهم ولا قوة عاجلاً أو أجلاً وهُم دون نصير أو محاميِ أو مُدافع يدعو أن يُخلصهم من "قرون البقر الوحشي" ، وهذا يرمز للجيش المجرم الذين هُم بين أيديه الأن وتلك الزمرة الفاسدة الكافرة الحاقدة ، وهو يشبههم هذه المرة بلسان الوحي الإلهي بأنهم كالبقر الوحشي ، وأيضاً تشبيههم بالحيوانات ، فمرة كالثيران ومرة كالأسد ومرة كالكلاب والأن كالبقر الوحشي. فهم إذن مجموعة همجية لا تعرف إلا القتل والأنياب والقرون وإستخدام القوة. وهم قطيع حيواني يطيع سادته بلا فهم ولا تفكير. وإستخدام كلمة "قرون" هنا هو تعبير وكناية عن الإيذاء الأعمى الذي قد يلحق بعائلته وأحبائه ومستضعفيه من جراء هذا الإيذاء من تلك الوحوش الذي لا يعرف هدفاً ولا يُميّز بين طفل رضيع أو إمرأة أو مريض أو شيخاً لأنه ايذاء حيواني. وإستخدام كلمة "البقر" أيضاً له معنى فالبقر عموماً حيوان يُفترض أنه خيّر ومصدر للعطاء غير مؤذي ومطيع ، ولكنه هنا بقر نعم ولكنه وحشي ، فالشكل شكل بقر نافع مفيد والفعل فعل الوحوش المفترسة وكأنه يريد أن يقول بأن هؤلاء القوم لو إتبعوا الحق ولزموه لكانوا شيئاً أخر طيب مفيد ورحمة. ولكنهم حادوا عن الحق وعادوه وإنقلبوا عليه وأثروا الحياة الدنيا فأصبحوا وحوشاً وإن في شكل أبقار وأصبحوا أذىً وعذاب ونقمة بتقديم قرونهم وأذاهم بدلاً مِن لحومهم وحرثهم ولبنهم. وهذا تشبيه جميل ورائع ونستطيع أن نستدل منه على أن هذا الجيش الجرار المُعادي لبطلنا وشهيدنا كان من المفترض أن يكون معه - وكان مِن المُتوقع أن يكون له ، ولكنه أثر إتباع الباطل والإنحيازعن الحق فإنقلب على من كان يُفترض أن يكون له عوناً ومدداً ونفعاً فكان عليه وبالاً وعداءً وقتالاً وهجوماً شرساً. وبدل الحليب والحرث ، أعطى هذا البقر لبطلنا قروناً شريرة وأسىً وعذاباً نكراً وهو ما لم يكن متوقعاً منه كبقر خيّر مُسالم منقاد نافع. ولذا فهو بقر ولكنه وحشي مستأسد تماماً كما ينقلب الحيوان الأليف إلى حيوان بري متوحش لا ولاء ولا إنتماء ولا وفاء له...فينهش الكلب لحم سيده وصاحبه الذي أواه وأطعمه وعلّمه ورباه...وهذا هو تفسير إستخدام كلمة "البقر الوحشي". ثم يختم بطلنا بتضرع لطيف ورجاء ملئة الأدب والخشوع متمثلاً في كلمة "إستجب لي".

وإستمرار بطلنا المؤمن في الدعاء والإستغاثة حتى بعد رحيله وإستشهاده يدل ويتماشى مع قول الله تعالى: "ولا تحسبن الذين قُتِلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يُرزقون". فهو وإن غادر الدنيا ببدنه فهو حيٌ بقدرة الله يسمع ويرى ويدعو ويرجو ويتعبد. وهاكذا تُصدق الكُتب السماوية بعضها بعضاً ويؤكد كلٌ ما جاء في الأخر..

 

ولنا بسهولة هنا أن نستنتج أن لبطلنا الشهيد المؤمن المجاهد مكانة كبيرة ومنزلة عظيمة عند الله تعالى وكفى به تكريماً أن يروي الوحي الإلهي حاله ويتنبّأ ويُنبئ بما سيقع عليه ويجري له من ظلم وحصار وإكتناف وتعذيب وقتل وفتك بعائلته ومواليه كل هذا في سبيل الله وإعلاء لكلمته وهو صابراً مُحتسباً داعياً متعبداً واثقاً عارفاً حتى بعد إستشهاده ورحيله. ولذا إدّعت النصارى أن هذه المنزلة الكبيرة وهذا الفضل العظيم لا يكون إلا للمسيح عيسى بن مريم...إبن الرب أو الرب ذاته بحسب زعمهم وخيالاتهم وكفرهم. ولو لم يروا هذا التكريم الكبير لصاحب هذه النبؤة والمكانة الرفعية التي إستحقها بصبره وجهاده وتضحيته لما أدعوها للمسيح وحده دون غيره.

 

 

كان هذا هو شرح النص كما جاء في الكتاب المقدس وكما أعملنا فيه فكرنا المتواضع المُجرّد المتأمل دون ميل أو هوى وإستنتجنا منه ما يمكن وما يجب إستنتاجه ، وبالله التوفيق والسداد ، ويمكن أن نلخص هذا الإستنتاج في ما يلي:

 

الإستنتاج المنطقي من نص المزمور رقم "22":

 

1) المزمور يتحدث ويتنبأ ويُنبئ عن واقعة ستحدث في المستقبل وهى لا تخص داود (ع) المنزل عليه الكتاب.

 

2) الواقعة هى عبارة عن مواجهة مسلحة بين إنسان مؤمن محب لربه مسلّم له عابد مستعين به له عرفان ويقين يؤيده أعوان وجنود قليلون جداً وفئة مؤمنة محدودة وبين جيش ضخم كثير العدد مدجج بالسلاح لا يعرف إيماناً ولا رحمة ، ولا عقل له ولا فهم. وفيه مجموعة حاقدة كارهة لذلك الإنسان المؤمن ومتعطشة لقتله وسفك دمه.

 

3) المواجهة وشيكة الحدوث والمؤمن البطل في موقف عصيب وهو يدعو ويستغيث بربه ويلح عليه في الإسراع لنجدته ويتوسل إليه مع كل الثقة واليقين والتسليم والخشوع ، خاصة وأنه وأعوانه في حالة عطش شديد لأنهم على ما يبدوا مُنِع عنهم الماء.

 

4) أحاط الجيش المجرم بالبطل المؤمن ودارت معركة سريعة قتل فيها أعوان وأنصار المؤمن القليلون.

 

5) أصبح البطل المجاهد وحده في الميدان وإكتنفه الجيش المعادي وبالذات تلك الجماعة الكافرة الحاقدة منه وهو في حالة من العطش الشديد.

 

6) أُصيب البطل المؤمن إصابة قاتلة وسقط على الأرض وتوسد على التراب.

 

7) المؤمن يجود بنفسه ويئن من جراحه ويشكو العطش الشديد.

 

8) الجماعة الحاقدة الكافرة من ذلك الجيش تحيط به وتنظر وتتفرس فيه ولا تجروء على الإجهاز عليه لخوفهم من العواقب ولنوره وهيبته التي شغلتهم عن قتله.

 

9) أخيراً قرر أحدهم أن يتولى ذلك ومضى البطل شهيداً مظلوماً وحيداً عطشاناً يشكو إلى ربه ما فُعِل به. ثم تَمَّ التمثيل بجثته وتهشيم عظامه بطريقة ما! ثم تَمَّ سلبه وأخذ ثيابه ولباسه.

 

10) بعد إستشهاده هو يدعو ربه لينقذ أقرب الناس إلى نفسه من هؤلاء الشياطين لإنه هو الذي سيحمل الراية والرسالة والدور من بعده.

 

11) هذا البطل المؤمن يدعو ربه بعد إستشهاده لينقذ شخصية نسائية حبيبة إلى نفسه جداً قد تكون أمه أو أخته أو زوجته أو إبنته وهو مُهِتَم جداً لها لإنها ستصبح وحيدة من بعده وستتحمل مسؤلية مواجهة الحاكم أو الطاغية الذي أرسل هذا الجيش الضال الكافر وستكون بين براثنه.

 

12) هذا البطل المجاهد الشهيد يدعو ربه أيضاً ويتضرع إليه أن يُنقذ ضعافاً تركهم ورائه لا معين ولا حامي لهم أمام هذا الجيش اللعين وتلك الجماعة الحاقدة الكافرة وهؤلاء الضعاف غالباً هُم أطفاله ونسائه وعائلته.

 

13) يبدو أن هذا الجيش كان المفروض أن يكون معه وله ولكنه أغواه الشيطان وأغوته السلطة فإنقلب على عقبيه وأصبح يواجه ويعادي بطلنا المؤمن المجاهد بدلاً من أن يكون معه فكانت الخيانة الكبرى وحدثت المواجهة الغير متكافئة وإنقلب المفترض أنهم أعوان وصاروا أشرس الأعداء.

 

14) البطل المؤمن المجاهد الشهيد المذكور والمشار إليه في هذا المزمور وتلك النبؤة له شأن كبير ودرجة رفيعة ومنزلة عظيمة عند الله تعالى وهو إما نبي أو وصيّ نبي أو إمام أو قديس صديق أو من الصالحين.

 

 

والأن وبعد أن إستخلصنا من النص تلك الإستنتاجات العقلية الأربعة عشر بعد الفحص والتأمل والتحليل الدقيق للعبارات والكلمات والفقراتوجب علينا أن نتساءل الأنهل تحققت هذه النبؤة فعلاً مستكملة كل ما إستنتجناه؟!

 

يدعي النصارى ان هذه النبؤة قد تحققت فعلاً فيما وقع وحدث للمسيح عيسى بن مريم (ع) ويدعون أن النبؤة أصلاً تشير إليه. ونحن كمسلمون مؤمنون أن المسيح (ع) لم يُعذب ولم يُصلب وإنما شُبّه لهم ورفعه الله إليه سليماً معافىً لم يمُسّه شر ولم تمتد إليه يد بسوءإذاً فبالنسبة لكل مسلم مؤمن القضية محسومة تماماً فالسيد المسيح لم يكن هو البطل المجاهد الشهيد المذكور والمشار إليه في نبؤة المزمور رقم "22". فمن هو إذن ذلك البطل؟ وما هى تلك الواقعة التي يشير إليها ذلك المزمور والتي تستوفي كل الإستنتاجات الأربعة عشر التي توصلنا إليها؟! هذا السؤال مطروح على كل مسلم مؤمن يهتَّم بأمر دينه ويدعي أنه مسلم متدين متطلع إلى أخرته ويحترم كلام ربه.

ولا مانع بأن نجادل المسيحيين فيما يعتقدوه ويظنوه ونقنعهم بالأدلة بأن المسيح (ع) ليس على الإطلاق هو المقصود بهذه النبؤة في ذلك المزمور. نجادلهم على ضوء الإستنتاجات العقلية المجردة الأربعة عشر التي إستخلصناها وإستنتجناها والتي هى مأخوذة من كلمات وعبارات نص المزمور وفقراته كما جاءت في كتابهم المقدس. ولإقناعهم والرد عليهم نقول:

 

أولاً: الإستنتاج الثاني يدل على وجود مواجهة مسلحة بين فريقين ، وصلب وتعذيب المسيح (ع) كما تعتقدون لم يكن سوى محاكمة صورية وحكم بالتعذيب والإعدام على شخص برئ ولم يكن فيه مواجهة بين طرفين ولا جيشين ولا قوتين.

 

ثانياً: بطلنا الشهيد كان يعاني من العطش الشديد كما يشير الإستنتاج الثالث ولم يرد أن المسيح كما يزعمون (وليس هو المسيح) كان عطشاناً أو أنه صلب عطشاناً بل المعروف أن مِن عادات الرومان أن يسقوا ويطعموا المصلوب قبل صلبه.

 

ثالثاً: لم يكن في حالة المسيح (بزعمهم ولم يكن المسيح) جيش يحاصر ولا يحيط ولا جماعة إكتنفت. ولكنهم جنود السلطة يعذبون ويصلبون ، ومجموعة من المشاهدين بعضهم معه وبعضهم ضده وبعضهم لا يدري شيئاً وجاء للرؤية فقطوهى كلها كانت مجموعة صغيرة لم تتجاوز العشرات على الأكثر وذلك على خلاف تماماً ما إستنتجناه من نص المزمور.

 

رابعاً: بطلنا كما إستنتجنا قُتِل وهو يُقاتل بعد إصابته إصابة قاتلة والمسيح بزعمهم صلب أي أُعدِم ولم يُقتل في ساحة معركة.

 

خامساً: بطلنا المؤمن سقط على الأرض وتوسد التراب وهذا لم يحدث في صلب المسيح (حسب زعمهم).

 

سادساً: لم تُهشم عظام جثة المسيح (حسب زعمهم) بعد موته ولم يتم التمثيل بجثته ولكنه دُفِن كأي مصلوب بعد موته على الصليب.

 

سابعاً: لم يكن على المسيح (حسب زعمهم) ثياب ذات قيمة لتُسلب ويُتنازع عليها وهو المعروف عنه الزهد ولبس الخشن والبسيط من الثياب. وما قيمة ثيابه بعد ان بُلِيت أثناء عمليات التعذيب التي تعرض لهم بزعمهم. وإن قالوا أن هذا كان رداء ألقاه عليه الحاكم إستهزاءً فُهم أخذوه منه بعد صلبه! فهل سيَهتَم المسيح لفقد رداء الحاكم حتى يشكو ربه أنهم أخذوه منه سواءً بعد أو قبل موته؟!!

 

ثامناً: من هو الشخص الذي يدعو له المسيح (بحسب زعمهم) بالنجاة من الأسد بعد موته والذي هو كنفسه ، والذي سيحمل المشعل والراية من بعده والذي هو في خطر داهم بعد رحيل المسيح.

 

تاسعاً: من هى تلك الشخصية النسائية التي يدعو لها المسيح (بزعمهم) بعد موته والتي هى أقرب إليه من كل نساء الدنيا والتي هى وحيدة بعده وهى في خطر شديد وستواجه فرعون زمانها وطاغيته؟ والمسيح لم يتزوج ولم ينجب وإن قالوا أنها مريم (ع) قلنا أن هناك أراء كثيرة عند المسيحيين أن مريم (ع) توفيت قبل موت المسيح وصلبه بزعمهموحتى إن كانت موجودة فهى لم تكن وحيدة حيث أن بجانبها كان يوسف النجار حسب روايتهم ولم تكن مطاردة ولم تكن في خطر وشيك ولا صدام مع السلطة الحاكمة.

 

عاشراً: من هم الأطفال والضعفاء والعائلة التي تركها وراءه المسيح (ع) بلا محامي يدافع عنهم والتي يدعو لها بعد موته (بزعمهم) لكي يحفظهم الله من أعدائهم المتربصين بهم.

 

 

واضح تماماً من كل النقاط السابقة بطلان دعوى النصارى تماماً في أن بطل هذا المزمور ، والمُشار إليه فيه هو المسيح عيسى بن مريم (ع).

 

والأن السؤال للمسيحيين ولليهود أيضاً فهُم يؤمنون بالزبور ومزاميره المئة والخمسين - من هُوَ المقصود بهذه النبؤة؟ ومن هو بطل تلك الواقعة وضحيتها ومظلومها؟ وما هى تلك الواقعة وأين حدثت؟ ومتى كان زمانها؟ بحيث تستوفى تماماً كل ما ذُكر وما جاء في المزمور رقم "22" عنها وعن أحداثها وتتوافق مع ما إستنبطناه سابقاً؟ السؤال مطروح عليكم أيها المسلمون أيها المسيحيون ويا أيها اليهود.

 

لا تعرفون الإجابة ولا تدرون سبيلاً إليها...نعم نحن عندنا الإجابة واضحة شافية بيّنة ثابتة كثبوت الشمس في كبد السماء وقت الظهيرة مؤيدة بالأدلة والإثباتات والبراهين العقلية والنقلية والتاريخية.

 

أيها السيدات والسادة أيها المسلمون والمسلمات أيها المؤمنون والمؤمنات أيها الإخوة والأخوات في كل زمان ومكان...أيتها الإنسانية جمعاء نقول لكم جميعاً بكل الثقة والوضوح وبكل قناعة وإيمان وبكل قوة الحق الواضح والمباشر والصريح:

 

إن هذه النبؤة الموجودة في المزمور رقم "22" من زابور داود (ع) تتحدث عن ، وبطلها المؤمن المجاهد الصابر هو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. والواقعة التي تتحدث عنها هى واقعة الطف. والمكان هو أرض كربلاء والزمان هو يوم العاشر من محرم سنة 61 هجرية.

 

والعجيب أن كلمات هذا المزمور المعجز تتحدث بدقة وتصف وصفاً بليغاً كل ما حدث في كربلاء ومأسيها...بطريقة لم أرى أروع ولا أبلغ منها...ولِما لا؟ وهى وحي الله المُنزّل على نبيه لينبأ الإنسانية من خلاله عن ملحمة من أروع ملاحم البشرية وصراع الخير ضد الشر وإنتصار الدم على السيف.

 

نعم أيتها البشرية ورغماً عن أنفك وعن جحودك وعن جهلك وعن عنادك وعن إستكبارك...يتحدث وحي السماء بكلام الله المنزّل عن كربلاء وعن بطلها المؤمن الصابر سيد الشهداء الحسين (ع) ويصف ما يحدث له ويقع عليه هو وأهله والزمرة المؤمنة التي قاتلت معه وإستشهدت بين يديه. وإليكم جميعاً تلك الأدلة الدامغة التي تثبت ذلك والتي لا يرقى إليها شك ولا يُداهمها تفنيد:

 

أولاً: في كربلاء كانت هناك فعلاً مواجهة بين قُوتَين أحداهما كثيرة العدد مدججة بالسلاح ممثلة في جيش إبن زياد (لع) تدافع عن الباطل والظلم وهدم الدين وجعل كلمة الله السفلى وتبغى الفساد في الأرض. والأخرى قليلة العدد جداً على رأسها الإمام الحسين (ع) تدافع عن الحق والعدل وتريد إقامة الدين وجعل كلمة الله هى العليا وتريد الإصلاح في الأرض. والمواجهة كانت غير متكافئة في العدد والعدة.

 

ثانياً: المواجهة الغير متكافئة توشك أن تقع بعد أن أحاط جيش الضلالة المرسل بأمر يزيد بن معاوية (لعنهما الله) الخليفة الفاسد الفاسق المستبد الظالم الجالس في دمشق للتصدي لثورة الإمام الحسين (ع) سبط رسول الله (ص) وإمام الهدى والحق والنور أحاط هذا الجيش الظالم بمعسكر الحسين (ع) ، ولذا فالمزمور يصوره وهو يدعو ربه أولاً بقوله "إلهي إلهي" ثم يرفع شكوته وإستغاثته وإلحاحه ولجؤه بكل الحب والخشوع والتسليم إلى ربه مناجياً إياه متضرعاً إليه وهذا واضح من الفقرات 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5.

 

ثالثاً: ثم هو يشكو إلى ربه من الأمة التي تركته وتخلت عنه ليواجه بطش الحاكم الظالم وحده ، وهو الذي خرج لرفع الظلم والقهرعنها ، بل وتكاد تتبرأ منه خوفاً من بطش السلطة الحاكمة. ويشكو أيضاً من الذين أدعو أنهم شيعته كذباً ونفاقاً وبعد أن دعوه لينصروه إنقلبوا عليه يقاتلوه ويسلموه. وهذا واضح جداً في الفقرتين رقم 6 ورقم 7 والفقرة السابعة بالذات تصور لسان حال من مَر بهم الحسين (ع) في الطريق إلى كربلاء ولسان حال الجيش الذي أحاط به.

 

رابعاً: ولو نظرنا إلى الفقرة التاسعة سوف نلاحظ توسله إلى الله وقد أوشكت الحرب أن تنشب بينه وبين أعدائه ولنسمعه وهو يشكو ويقول كلمة "لأنه لا معين". ولنتذكر فوراً نداء الحسين (ع) في قمة شدته وهو يقول "ألا مِن ناصر ينصرنا...ألا مِن معين يعيننا...ألا مِن ذابٍّ يذُبّ عن حرم رسول الله (ص)؟ ولا ناصر..ولا معين! فكلمة "لا معين" في هذه الفقرة هى مفتاح من المفاتيح التي دلتنا على أن بطل المزمور رقم 22 المؤمن المجاهد الشهيد هو الإمام الحسين (ع) بعينه وليس أحدُ غيره.

 

خامساً: أما الفقرة العاشرة من المزمور فهى تصور تماماً ما حدث ، فبعد الحصار من قِبل جيش الضلالة بقيادة عمر بن سعد (لع) ، وهُم الثيران الكثيرة التي أحاطت بالإمام الحسين وحاصرته ، حدثت المواجه المرتقبة وبعد قتال قصير قُتِل بالفعل من كان مع الإمام الحسين (ع) من فئة مؤمنة قليلة العدد من أنصاره. وبقى الإمام وحيداً أمام أعداءه الذين إكتنفوه الأن خاصة جماعة الأشرار التي كان على رأسها الشمر بن ذي الجوشن (لع). والتي تبغض الإمام بصفة شخصية كما بغضت أباه وأمه وأخاه وجده من قبل. وهم الذين فغروا أفواههم عليه حنقاً وبغضاً وحقداً وحسداً كأسد مفترس مُزمّجر ثم بدءوا هجومهم الوحشي الكاسح على الإمام الذي بقى وحيداً يقاتلهم بنفسه ويجاهدهم بذاته فإنكبوا على قتاله وإنسالوا عليه كالماء الجارف عندما ينسكب مِن أعلى الشلال إلى أسفله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا ما تصوره هذه الفقرة من المزمور بكل دقة.

 

سادساً : ثم تأتي الفقرة رقم 11 من المزمور والتي تصور بدقة ما حدث للإمام الحسين في ميدان القتال...ما بين العطش الشديد الذي" ييبس" القوة ويلصق اللسان بالفم وما بين القتال الشديد المتواصل الذي يفصل العظام والمفاصل... حتى رُميَ الإمام (ع) بالسهم المثلث اللعين الذي أصاب قلبه وهتِّك أمعائه ، وتصف الأيات هذا الحال بقوة ووضوح عندما تقول على لسان البطل المجاهد "صار قلبي كالشمع قد ذاب في وسط أمعائي" ثم سقط الإمام الحسين البطل المجاهد المؤمن على الأرض وتوسد على التراب وهو ما يعبر عنه في المزمور بكلمة "وإلى تراب الموت تضعني". ثم إكتنفته جماعة الأشرار وعلى رأسهم عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن الذين طعنوه بالسيوف وبالرماح ورموه بالسهام فثقب جسمه في كل مكان بجروحٍِ نافذة ، حتى يده ورجله لم تسلم من ذلك ، وهم الذين وصفهم المزمور ب "أحاطب بي كلابُ".

 

سابعاً: ثم وقفت زمرة وجماعة الأشرار ينظرون إلى الإمام الحسين (ع) وهو يجود بأنفاسه ويئن من جراحه وهم مترددون في الإجهاز عليه وكل منهم لا يريد أن يبؤ بهذا الإثم وذلك الذنب العظيم وقد شغلهم نوره وهيبته وبهائه عن قتله...وهذا ما أفاد به جميع رواة المقتل وشهود كربلاء ، وهذا أيضاً ما أشار إليه المزمور بعبارة "وهُم ينظرون ويتفرسون في". ثم أخيراً إنبعث أشقاهم وهو شمر بن ذي الجوشن (لع)...فقام بقتل البطل المجاهد سيد الشهداء الحسين عليه السلام وإحتز رأسه.

 

ثامناً: ثم هُم لم يكتفوا بقتل الحسين (ع) بل ندبوا عشرة خياله ليطأوا جسد الشهيد البطل بخيولهم ويُهشموا عظامه تحت وطء سنابك الخيول. لذا يقول المزمور على لسان سيد الشهداء ، "هُشمت كل عظامي" إشارة إلى ما فعلوه.

 

تاسعاً: ثم قاموا بعد ذلك بالتكالب على جثة الإمام الشهيد يسلبونها ويجردونها مما عليها...طمعاً في قيمة تلك الثياب المادية والإجتماعية ، فهم يعرفون من هو الحسين (ع) ، وتنازعوا في ذلك وكل منهم يريد أن يأخذ كل ما تستطيع يده أن تأخذه كالذئاب الضارية التي لا ضمير ولا دين ولا إنسانية لديها حتى قطع أحدهم إصبع الإمام البطل الشهيد ليأخذ خاتمه الذي يتختم به في إصبعه الخنصر ، لعنة الله عليهم جميعاً...وهذا ما يشكو منه الحسين (ع) إلى ربه بعد إستشهاده كما جاء في أخر الفقرة رقم 13 بقوله: "يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يتنازعون".

 

عاشراً: ثم ها هو الحسين (ع) يدعو ربه مرة أخرى بعد إستشهاده فهو لا يتوقف أبداً عن عبادة ربه ودعائه حتى بعد رحيله...ولنا أن نذكر هنا بأن رأس الحسين (ع) بعد أن حُمِلَ على الرمح كان يتكلم وكان يُناجي ربه ويدعوه ويقرأ القرءان وقد تواترت الروايات في ذلك من مصادر عديدة وحوتها كثير من كتب المسلمين سُنةً وشيعة لأنها كانت حقيقة إعجازية وظاهرة لا نظير لها. أفلا يتوافق هذا مع فقرات المزمور التي تثبت أن الشهيد كان مواصلاً دعاء ربه وعبادته وتسبيحه وتمجيده والثناء عليه حتى بعد رحيله وإستشهاده ولم يتوقف ولن يتوقف عن هذا أبداً. وبرغم المأسي وكل ما حدث له فهو يُناجي ربه بقوله "أما أنت يا رب فلا تبعد". حتى بعد كُل ما فُعل به فهو لم يفقد للحظة الثقة في ربه وخالقه ولا عرفانه به حتى بعد القتل والسلب والتمثيل وتهشيم الصدر والعظام. فأي عظمة وروعة وقمة إيمانية تلك لم يصلها أحد من قبله ولن يصلها أحد من بعده!

 

أحد عشر: إن الحسين (ع) يدعو ربه ليسرع إلى نصرته وينقذ من السيف نفسه. فمَن هى تلك الشخصية التي يدعو الله لها ليحفظها من السيف بعد أن كان هو نفسه ضحية لذلك السيف الغاشم الغادر؟! من هى تلك الشخصية التي هى كنفس الحسين كما جاء في الفقرتين 14 و15 والتي يتضرع إلى الله ليسرع إلى نصرتها وإنقاذها؟ ولماذا يطلب هذا ويلح عليه؟ إن هذه الشخصية هى إبنه الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) الوحيد الباقي من أبنائه. وأما لماذا...فلأن علي بن الحسين زين العابدين (ع) هو الإمام من بعده وكان مريضاً عليلاً أثناء القتال. ولذا فالحسين (ع) البطل الشهيد يطلب ويلح على الله في أن يسرع في إنقاذ الإمام زين العابدين (ع) من السيف ومن القتل ليحمل الراية من بعده ولتستمر المسيرة. وإستجاب الله...وإلى الأن لا يفهم المؤرخون والباحثون كيف نجا الإمام زين العابدين (ع) من القتل والذبح والإعدام الذي طال الجميع حتى الأطفال والرُّضع من أهل بيت النبوة. ولكنها قدرة الله التي إستجابت للحسين (ع) وهو شهيد ولبت ندائه وتدخلت يد العناية الإلهية لتنقذ الإمام الجديد زين العابدين (ع) ليظل نور الله به مضيئاً مهما حاول الظالمون والمجرمون والمنافقون إطفاءه وإخماده.

 

إثنى عشر: من هى تلك الشخصية النسائية التي يدعو لها الحسين (ع) لينقذها الله من يد الكلب...وهى ستُصبح وحيدة من بعده وتوشك أن تقع في يد الطغاة وتواجه رأس الظلم وفرعون زمانها...إنها إخته وحبيبة قلبه زينب بنت علي بن أبي طالب حفيدة رسول الله (ص) وبطلة كربلاء بلا منازع والتي دهمتها المصائب واحدة تلو الأخرى والتي عليها الأن تَحَمُل المصيبة كاملة فوق رأسها بعد فقدان أخيها الحسين (ع) وكافة أهل بيتها ، والتي يقف لها الشمر الملعون بالمرصاد ويترقب إبن زياد (لع) دخولها عليه في الكوفة ليرسلها أسيرة إلى سيدة الفرعون الأكبر يزيد (لع) في دمشق لتَمّثلُّ بن يديه ليَتشفى فيها وكلهم الكلب الذي عناه الإمام الحسين في قوله "أنقذ من يد الكلب وحيدتي". فكلمة "وحيدتي" هنا هى مفتاح أخر من المفاتيح التي تدلنا بوضوح إلى واقعة الطف والأحداث المأساوية التي شهدتها كربلاء في العاشر من المحرم لسنة 61 من الهجرة وذلك قبل حدوثها بمئات بل لنقُل بألوف السنين.

 

ثالث عشر: من هم الضعاف الذين لا معين لهم ولا محامي الذين تركهم الإمام الحسين (ع) ورائه وهو يدعو لهم بقوله "خلصني من فم الأسد ومن قرون البقر الوحشي "ويتوسل فيهم بقوله "إستجب لي"؟! إنهم أطفاله وأيتامه ونساءه الأرامل وكذا أطفال وأرامل أخوته الشهداء وأولاد عمومته وأهل بيته...والذين هم الأن بيد ، وتحت رحمة ، هذا الجيش الذي لا رحمة ولا شفقة عنده بل هم أجلاف أشرار لم يتوانوا عن حرق خيام النساء والأطفال وسبيهم وسلبهم وسرقتهم حتى وهم أهل بيت النبوة وقربى رسول الله (ص) الذين أمر الله بمودتهم ووصلهم والإحسان إليهم.

 

رابع عشر: وأما البقر الذي تحول من الخير والعطاء إلى بقر وحشي ذو قرون ينطح بها المؤمنون ويؤذيهم بدلا من أن تكون قرونه على أعدائهم...فهؤلاء هم أهل الكوفة المفترض أنهم شيعة الحق وشيعة الرسول (ص) وشيعة الإيمان وشيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وشيعة الإسلام والمدافعين عن الحق والدين وعن إمام الحق والدين الإمام الحسين (ع) ، ولكنهم بدلاً من ذلك غيروا وخافوا من السلطة ومن السلطان وغُررّّوا بالعطائات والهبات والوعود فإنقلبوا على أعقابهم خاسرين وباعوا أخراهم وأشتروا دنياهم وخانوا إمامهم ومولاهم وأميرهم وإنقلبوا ضده فإذا هم يقاتلونه في جيش الضلالة وجيش فرعون العصر يزيد ، وإذا سُيوفهم على الحسين بعد أن كانت معه. وإذا أنيابهم في لحمة بعد أن كانت في لحم عدوّه وعدوّ الله ، وإذا لهم قرون وقرونهم تنطحة وتؤذيه وتقتله هو وأهل بيته وحتى أطفاله ونسله فأي إنحدار وأي خيانة وأي وضاعة وأي خِسة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

خامس عشر: وحقاً وفعلاً البطل المؤمن المجاهد الشهيد الصابر المشار إليه في هذا المزمور الرائع وهذا الكنز المَخفي والذي أنَ له أن يتضح ويظهر، له عند الله شأن كبير جداً ومنزلة ليست لأحدٍ غيره. وهو حقاً وفعلاً إمام وقديس وسيد الشهداء وحفيد محمد المصطفى (ص) وإبن عليٌّ المرتضى (ع) وفاطمة الزهراء (ع) والثالث من أئمة الهدى والدين والرحمة. ومَن له مثل منزلة ومكانة الحسين (ع) عند الله ومَن له مثل جهاده وتضحياته وصبره؟! إنه حقاً وفعلاً مجهول القدر مثل جده وأبيه وأمه وأخيه وأبنائه الأئمة التسعة. وسيظل مجهول القدر مهما قلنا وكتبنا حتى يوم الوقت المعلوم وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

________________________________________________________________________________________________________________

 

وبعد كل ما سبق ، هل صدقتم الأن أيها المسلمون؟ هل صدقتم الأن أيها المسيحيون؟ هل صدقتم الأن أيها اليهود؟ هل صدقتم الأن أيها الموحدون؟ هل صدقتي الأن أيتها البشرية وأيتها الإنسانية بأن نبؤة المزمور رقم "22" من مزامير داود (ع) هى تُشير إلى الحسين (ع) وما جرى على الحسين (ع) وما جرى على أرض كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 هجرية ، ولا تتحدث عن أحد غيره على الإطلاق. فهل يا أيها المسلمون ، يا من يُنكر الحسين وما حدث للحسين ومكانة الحسين...ومأساة الحسين...ويتهم محبيه وشيعته بالمبالغة والتهويل والغُلوّ...هل زابور داود (ع) كتاب شيعي؟! وهل ما جاء في مزموره الثاني والعشرين عن الحسين (ع) ومأساته وكان داود (ع) يتغنى به ويبكي وتردده الجبال والطير معه...هل كان غلواً؟! وهل كان مبالغةً وتهويلاً؟! هل ما تردده اليهود والنصارى إلى اليوم في كنائسهم ومعابدهم وتترنم به لأنه جزء من كتابهم المقدس ولا تعرف إلى ما يشير لأن المسلمون أخفوا الحقيقة ، هل هو غُلوّ ومبالغةً وتهويل؟! إن كان كذلك فالله تعالى إذن هو الذي أمر به وحثَّ عليه لأن الزبور كتاباً موحي به من الله تعالى...فاتهموا الله إذن يا مبغضي الحسين ومحبي أعدائه بالغلوّ والمبالغة والتهويل ونحن نعرف أنكم موجودون في كل زمان لأنكم أعداء الله والحق والحقيقة.

 

إن الكتب السماوية كلها ومن أُوحيت إليهم من أنبياء ورسل رَجّعتَ أصداء مأساة الحسين في كربلاء. وتلت الذكر...ذكر قصة الحسين (ع) الخالدة وبكت وأبكت على مر الأجيال والقرون. ذكر متواصل وتذكر لا ينتهي ولن ينتهي أو يُطفأ أو يبردُ أبداً. ذكرٌ...قاله الله تعالى في كتابه الكريم في أخر سورة الأنبياء وأشار إليه حين قال: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر...أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" أية 105. فهل هناك دليل أقوى من ذلك؟ إن الله تعالى يذكر في القرءان مباشرة بأنه كتب في الزبور من بعد "الذكر" فما هو هذا "الذكر"؟!....إنه ذكر قصة الحسين عليه السلام وما حدث له كما جاء في المزمور رقم 22 من الزبور ، تماماً كما قال الله تعالى "ذكرُ رحمة ربك عبده زكريا"

فالذكر في الزبور هو ذكر مظلمة الحسين (ع) وما يجري عليه والنبؤة التي تشير إليه في المزمور رقم "22".

فهل يبقى هذا المزمور وبطله لغزاً بعد الأن أيها المسلمون ويا أهل الكتاب؟َ!

وها هو الله يشير إليه في القرءان وإلا فما هو هذا الذكر الذي عناه الله في هذه الأية من سورة الأنبياء؟!

وإن كان لا يزال لديكم شك وريبة فخذوا هذا الدليل الساطع على أن "الذكر" المذكور في الأية الكريمة هو بالتحديد المزمور رقم "22" ولا شئ غيره والذي يحمل مأساة الحسين (ع). إن الله تعالى يقول أنه في الزبوركتب من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون....فأين كتب الله في الزبور وعده بأن الأرض يرثها عباده الصالحون؟

إن كان قد كتبها في مزمور قبل المزمور رقم "22" ، رقم "1" أو "2" أو "3" أو أي رقم قبل "22" ، فحجتنا إذن داحضة وبرهاننا باطل لأن الله يقول " بعد"....فإذا كان الذكر هو ذكر الحسين (ع) في المزمور رقم "22" كما ندعي ونؤكد ، وجب أن يكون وعد الله بالإرث للصالحين يأتي في مزمور بعد المزمور"22".

 

وكلمة "بعد" تفيد أنه بعده ولكنه قريب منه فهو ليس مثلاً المزمور رقم مائة أو أكثر أو حتى ثمانين أو خمسين ولكنه يجب أن يكون قريباً جداً من المزمور رقم "22"....ولو كان بعيداً إذن بَطُلَت أيضاً حُجتنا ودحضدت.

فأين نجد وعد الله بميراث الأرض لعباده الصالحين في الزبور؟........إننا أيها السادة والسيدات والإخوة والأخوات نجده في المزمورين رقم "25" و"28"......أي بعد المزمور رقم "22" وقريباً منه جداً!

فهل يبقى هناك شك في أن "الذكر" الموجود في الأية القرءانية يشير إلى النبؤة والذكر والقصة والملحمة الموجودة في المزمور رقم "22" والتي أثبتنا بالدليل القاطع أنها تشير إلى كربلاء الحسين (ع) وإلى ما حدث في يوم العاشر من محرم سنة 61 هجرية ولا تشير إلى أحد سواه على الإطلاق.

والحمد لله الذي جعل الحق بيناً واضحاً ليرغم به أُنوف الظالمين والحاقدين والمبطلين والمنافقين والفاسقين والكافرين.

 

وهكذا تتواصل الكتب السماوية وتؤكد بعضها بعضاً وتشير بعضها إلى بعض. وتحل بعضها ألغاز وأسرار بعض والحمد لله رب العالمين.

 

أيها المؤمنون والمؤمنات...أيها المسلمون والمسلمات...إننا هنا أمام نعمة ومعجزة إلهية كبرى لا يجب أبداً أن نهملها أو نتجاهلها أو نمُرعليها مرور الكرام. فهى هدى ونور ورحمة وتعليم من الله لمن يريد أن يهتدي ويرى النور ويتمتع بالرحمة ويتعلم من الله. ولا عذر لأحد بعد اليوم بعد أن ظهرت الأيات الواضحات البينات. فإن نكن لم نهتدي بعد فلزم الأن أن نهتدي. وإن كنا والحمد لله قد إهتدينا لموالاة محمد وأل محمد ولمحبتهم وهُدينا إلى الصراط المستقيم ، فإننا الأن نزداد هدىً ونزداد رسوخاً وإيماناً ويقيناً بالحق الذي نحن عليه وهو أمر هام جداً فلا تزغ قلوبنا نتيجة تشكيك المشككين ولا يهتز إيماننا ولا عقيدتنا نتيجة الحملات الإعلامية وتهجمات التكفيريين والمنافقين والفاسقين وأعداء الحق والحقيقة الذين هم في نفس الوقت أعداء الحسين (ع) والموالين لإعدائه وهم شيعة قتلته وظالميه ومن سفك دمه الذين ذمهم الله ولعنهم في كل كتاب سماوي. ولنا في المزمور رقم "22" من زابور داود (ع) أكبر وخير دليل على ذلك. وقد جعلهم الله أقل مِن أقل حيوان جزاء ظلمهم وجحودهم ونكرانهم وعنادهم وكفرهم وحقد وسواد قلوبهم.

 

فلتلزموا الحق الذي أنتم عليه ولتعُضوا عليه بالنواجذ لأنه فعلاً وحقاً الحق والهدى من الله وهو الصراط المستقيم والعروة الوثقى التي لا إنفصام لها...نوصيكم بهذا ولتتواصوا به...وتذكروا دائماً المزمور رقم "22" من الزبور ومن الكتاب المقدس ونبؤته فهى لكم دون غيركم وهى دليل وبرهان على صحة حقكم الذي أنتم عليه وسائرون على نهجه......مزمور "إلهي إلهى"...إقرئوه واحفظوه وافهموه وافرحوا به وابكوا منه وجادلوا به خصمكم فتخصموه وتَجّبهَوه وتردوه خائباً مخذولاً وقد قامت عليه الحجة من كتاب سماوي أخر ليس بكتاب المسلمين.....ولا هو كتاب الشيعة.....ولكنه كتاب الله الذي أنزله على نبيه داود (ع) وجعل تصديقه والإيمان به جزءاً من الإسلام لا يكون المسلم مسلماً إلا بذلك فقال جل وعلا: "أمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كلُ أمن بالله وملائكته وكتبه ورسله...لا نفرق بين أحد من رسله...وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير." سورة البقرة أية 285.

 

أما أنت يا أبا عبد الله...أما أنت يا حبيب الله...أما أنت يا ثار الله...فماذا أقول لك؟ وبماذا أعتذر منك؟ عن تقصيري وتقصيرنا...وتقصير البشرية جمعاء بنصرتك وبحقك وعن جهلنا جميعاً بقدرك وبمكانتك...إن نفسي لعاجزة أمام أنوارك...وإن عقلي لضعيف أمام وصفك أو مدحك...وإن روحي لمسلوبة مأخوذة أمام جلال مقامك ومكنون سرك...وإن قلمي كلما أردت أن أُحركه ليكتب يأبى لأنه يريد أن يسجد على سطور ورقه تحية إعظام وحُب وتقدير لك ولا يرى إلا هذا سبيلاً وحيداً للتعبير عن حبه لك وخشوعه بين يديك. إن الكلمات أضعف وأقل شأناً من أن تعبر عما هو في قلبي وعقلي وروحي وخواطري تجاهك وتجاه عظمتك وتضحياتك وصبرك وجهادك وحبك لربك. هنيئاً لمن أنت له إمام وقدوة...وهنيئاً لمن أنت له حبيب وخليل وأسوة حسنة. إنني فخور بإنتمائي إليك...وأشعر أني فزت برضى ربي وبسعادة الدارين لإن حبك في قلبي وأنوارك تملاء نفسي وتضئ روحي وحياتي وكياني كله...وما أحلاها من سعادة لمن ذاقها وعرفها!

 

وأما أنت يا حسين...وما أحلاها من كلمة...ماذا أقول بعد أن مَجّدك ربك وخلد ذكرك في كتبه السماوية؟ ونحن لا ندري من ذلك شيئاً.

ما عسى أن أقول بعد أن مدحك ربك وأثنى على دعائك وعبادتك وأدبك وخشوعك وتسليمك له وشكواك إليه وصبرك على جراحك وعلى من خانوك وعلى ما أصابك وأصاب أحباءك وأهل بيتك من بعدك. أثنى الله عليك في كل أحوالك...وثناء الله وذكره لك صلاة...فالله يصلي عليك في كل أحوالك...وصلاة الله عليك هى رحمة ومحبة ومغفرة لكل من أحبك وصلى وسلم عليك.

 

صلى الله عليك وسلم وأنت تسير بعائلتك إلى أرض الحتوف وأنت عالم بما سيكون صابراً على غدر الأمة وإستهانتها بك.

 

وصلى الله عليك وسلم وأنت مُحاط ومُحاصر بأعدائك وبمن خانوك وإنقلبوا عليك يقاتلوك بعد أن دعوك لينصروك.

 

وصلى الله عليك وسلم وأنت رابط الجأش تدعوهم إلى الحق والدين والسلام والحياة وهُم يدعوك إلى الباطل والذلة والقتال والموت وهيهات منك الذلة!

 

وصلى الله عليك وسلم وأنت في ميدان القتال وأنصارك وأبنائك وأهل بيتك يُقتلون عُطاشى بين يديك ليفدوك بأرواحهم وأجسادهم وما يملكون وأنت صابر على فراقهم ومحتبسهم عند الله وهُم أحبائك وخلصائك وأبنائك وأحب الناس إليك.

 

وصلى الله عليك وسلم وأنت تقاتِل وحدك عطشان ولا ناصر ولا معين أمام جيش حاقد جرار ومجموعة من أشر كلاب الدنيا وتتصدى لهم كأشجع ما يكون الفارس المغوار المجاهد في سبيل الله.

 

وصلى الله عليك وسلم حين أصابك سهمهم في قلبك.....فسقطت من على جوادك.............وكأن الدنيا والدين والحق والعدل والرُسل والكُتب والفضيلة وكل ما له قيمة قد سقط معك!

 

وصلى الله عليك وسلم حين توسدت تراب الموت تئن من جراحك صابراً عليها والأشرار ينهالون عليك بسيوفهم وسهامهم ورماحهم.

 

وصلى الله عليك وسلم حين إحتُزّ رأسك الطاهر وجرت دمائك الذكية وأنت صابراً محتسباً.

 

وصلى الله عليك وسلم حين فزت بالشهادة ورجعت نفسك المطمئنة إلى ربها راضية مرضية.

 

وصلى الله عليك وسلم ورأسك المرفوع فوق القنا ما زال يردد الدعاء والتسبيح وأيات الذكر الحكيم.

 

وصلى الله عليك وسلم وأنت لا تبالي بما أصابك في جنب الله ولا فقدت في لحظة حبك الدائم له وعبادتك المستمرة له وثقتك الكاملة التامة به.......وكأن إيمانك بربك وحبك له ومعرفتك به كالجبال الراسخات الراسيات لا يحركها شئ وينكسر عليها كل شئ.......فلا عجب إذن أن أحبك ربك ورفعك مقاماً علياً وجعلك علماً ومثلاً وقدوة.....وجعلك مباركاً أينما كنت...وجعل لك الشفاعة في الدنيا والأخرة.....وجعل حبك في قلوب الصفوة من خلقه.....وجعل قبرك ومثواك مزاراً ومُتعبداً...ولكل مؤمن عارف بربه قبلة...وجعل ذكرك علياً...وفي كل وحي سماوي حجر زاوية.

 

فالسلام عليك يا حسين يا مظلوم يا مجاهد يا صابر يا مؤمن يا محتسب يا عطشان يا بطل يا مُقاتل يا جريح يا مكلوم يا مُصاب يا مُتألم يا شهيد يا مسلوب يا مُهشم العِظام والأضلاع يا صاحب الرأس الذي فوق القنا مرفوع...يا مردد الدعاء والصلاة والقرأن حتى بعد الشهادة والموت...يا خالد في قلوب المؤمنين...يا من ناره لا تبرد أبداً...يا من ضريحه جنة ومزاره فردوس أعلى...يا أمل المؤمنين وقبلة محبيك وشيعتك الأوفياء الطيبين.

 

السلام عليك يا روح الله يا حبيب الله يا ثار الله يا حجة الله...السلام عليك وعلى الأرواح التي حلت بفنائك وأناخت برحلك...السلام على روحك الطيبة وجسدك الطاهر الذي طَهُرَت به السموات والأرضين.

 

الصلاة والسلام عليك يا سيدي ومولاى وحبيب قلبي في الدنيا والأخرة.

والصلاة والسلام عليك يا سيدي ومولاي وحبيب قلبي يوم أزورك وتشفع لي في الدنيا والأخرة.

والصلاة والسلام عليك يا سيدي ومولاي وحبيب قلبي وإمام حياتي وروحي ودموعي.

والصلاة والسلام عليك يا سيدي ومولاي يوم ولدت ويوم تموت ويوم تُبعثُ حياً.ً

 

والسلام عليك يا مولاي وإمامي ورحمة الله وبركاته

والسلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات جميعاً

في كل زمان ومكان ورحمة الله بركاته

وصلى الله على نبينا محمد وعلى الأطايب من ذريته وأله

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

المفجوع بفقد سيده وإمامه ومولاه

 

"خادم الحسين عليه السلام"

 

د. حاتم أبو شهبة

 

 

 

أخر دعاء للإمام الحسين (ع) في كربلاء:

 

لما اشتد بالحسين الحال رفع طرفه إلى السماء وقال: " اللهم متعال المكان عظيم الجبروت شديد المحال غني عن الخلائق عريض الكبرياء قادر على ما تشاء ، قريب الرحمة ، صادق الوعد ، سابغ النعمة ، حسن البلاء. قريب إذا دعيت ، محيط بما خلقت ، قابل التوبة لمن تاب إليك ، قادر على ما أردت ، شكور إذا شُكِرت ، ذكور إذا ذُكرت ، ادعوك محتاجاً وارغب إليك فقيراً! وأفزع إليك خائفاً وابكي مكروباً ، واستعين بك صعيفاً واتوكل عليك كافياً اللهم احكم بيننا وبين قومنا فإنهم غرونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا ونحن عترة نبيك وولد حبيبك محمد صلى الله عليه وأله وسلم الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على الوحي ، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً يا ارحم الراحمين. صبراً على قضائك يا رب لا إله سواك يا غياث المستغيثين ما لي رب سواك ولا معبود غيرك صبراً على حكمك يا غياث من لا غياث له يا دائماً لا نفاد له ، يا مُحيي الموتى ، يا قائماً على كل نفس بما كسبت احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين."