بسم الله الرحمن الرحيم وبه تعالى نستعين

 

 

 

          محمد رجل بسيط ، طيب القلب رقيق الحال ، دمث الخُلق كريم الأخلاق ، صدوق أمين...نفسه وقلبه كالصفحة البيضاء خالية من الشرور والأثام والأحقاد والكبر والأنانية وغيرذلك من الأفات القلبية والنفسية التي تلوث قلوب معظم البشروتصبغها بألوان قائمة مختلفة ومتعددة كلها مقيتة وبغيضة ومؤذية لنفسها وللأخرين وللمجتمع والإنسانية بشكل عام.  مثل هذا القلب الطيب الكريم ومثل ذلك والنفس الرقيقة البسيطة البيضاء الصادقة هى دائماً وأبداً تنجذب نحو خالقها بطبيعتها ، وتحاول أن تتعرف عليه وأن تقرب منه وأن تخلص له...وهذا مشاهد دائماً في الحياة الإنسانية على مر الزمان أمامنا وبمقدار طيبة القلب ونقاءه ، وبمقدار بياض النفس وإنبساطها وصدقها يكون ،  ميلها وإنجذابها نحو بارءها وخالقها...فالتناسب هنا طردي.  وهذه الظاهرة مفهومة ومنطقية تماماً...فالإنسان مخلوق من جزئتين مندمجين وممزوجين معاً ولكنها مختلفين تماماً عن بعضها البعض ول يذوبان معأُ ، مثلهما مثل مزيج الزيت والماء أو خليط الرمي والأسمنت.

 

  الجزء الأول الذي خلق منه الأنسان هو جزء نوراني روحي إلهي وهو المتمثل في "نفحة الله" كما قال المولى سبحانه وتعالى "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"...فالنفحة هنا هى هذا الجزء النوراني الروحي الإهي  في الإنسان والذي بغيره لا يكون إنساناً ولكنه يكون جسداَ ترابياً ميتاً يتساوى مع غيره من الجمادات الأخرى ومعى أمثاله من الأجساد الأخرى...هذا الجزء في الإنسان هو الذي يسمو به إلى الأفاق العليا ويرفعه عن بقية الجمادات والأرضيات وهو سبب ما يحمله الإنسان من رحمة وحب وحنان وصدق وإخلاص وصفاس وطيبة وبساطة وحكمة وتفكر مشاعر ووجدان وخلق كريم ولئن هذا الجزء في الإنسان هو نفخة وروح ونور من الله ولذا فهو المسبب لكل خير في الإنسان وهو وراء كل فضيلة ورفعة فيه وهو الطاقة والقوة والقدرة المحركة له وبدونه فالإنسان يسبح بلا طاقة ولا حول ولا قوة ولا قدرة ولذا فهو جماد ميت...فهذا الجزء إذن يمُد الإنسان بالحية والحيوية أو لنقل هو الحياة والحيوية لأنه مستمد من الله الذي هو الحي الداءم الأوحد ، أصل الحياة وخالقها ومعطيها وهو الحياة الأبدية...الأسل الذي يُستمد منه الفرع...وكلما نما هذا الجزء في الإنسان وأزدهر...كلما سفت نفسه ورق قلبه وسغت سريرته وكثرت رحمته وعطفته ومشاعره وزادت حكمته وتفكره ودمشت خلقه وأحاسيسه وسمت إنسانيته فوق سائر الخلائق وأنبعثت طاقته وحيويته ونتاجه...وبما أن هذا الجزء في الإنسان هو إلهي رباني نوراني أي أنه رباط إذا يربطه بخالقه وإلهه...فإذا نما هذا الجزء العلوي في الإنسان ووفر حظه منه كان منطقياً أن ينشد هذا الإنسان تلقائياً وينجذب بفعل هذا الرباط وتلك النفخة وهذا النور صلاً وأساساً وخرج بذلك من اظلام النور فميل الإنسان طيب القلب صافي النفس نقي السريرة دمث الخلق رقيق المشاعر الذب نما جزؤة النوراني الإلهي الرباني وزاد حظه منه نحو ربه وخالقه ومصدر نوره وحياته وصفاته هو إذن طبيعي ومنطقي ومتوقع وواضح ومفهوم ومشاهد.

 

أما الجزء الثاني الذي خُلق منه الإنسان فهو جزء أرضيٌ ماديٌ ترابيٌ طينيٌ وهو الجزء المشار إليه في قول الله تعالى "فإذا سويته" وقوله "إني خالق بشراً من طين".  فكلمته "سويته" عائدة على هذا الجزء في الأنسان...الذي خلق أولاً قبل النفحة..."هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً"  وأحد التفسيرات لهذه الأية التي سنتعرض لها في حينها بإذن الله هو أنه تشير إلى تلك الفترة التي أعقبت خلق الله للإنسان من طين ولكنها سبقت نفخة الله فيه من الروح...فكان الإنسان خلالها متمثلاً في أدم عليه السلام جسداً مخلوقاً ولكنه ميتاً لا حياة فيه ولذا لم يكن شيئاً مذكوراً في عالم الأحياء هذا الجزء الأرضي الترابي في الإنسان والذي هو أول ما خلق منه هو ما يربط الإنسان دائماً بالأرض وكل ما عليها وبالتالي يهبط به دائماً إلى أسبل ، إلى الدنيا والأرض وعناصرها وكل ما صنع منها...ولذا فهذا الجزء من الإنسان هو المسئول والمتسبب في وجود الأهواء والشهوات الإنسانية المختلفة من مأكل ومشرب ومسكن وملبس ومنكح ولهو وخلافة وبالتالي ما يترتب على ذلك من حب الإنسان الجم للمال لأنه هو الذي يحقق ويجلب ويُرضي تلك الشهوات الأرضية المتعددة ولذا فهو المتسبب أيضاً بطريقة غير مباشرة في الصراعات المختلفة المترتبة على حب الإنسان للمال والشهوات...هذه الصراعات التي هى أساس ومصدر ومسبب الشرور والأثام والنفائش والرذائل التي تلوث النفس البشرية المتصارعة والتي هى ضرورة لها حتى تحسه التصارع فهى لها كالأنياب والمخالب في الحيوان المفترس بدونها لا يستطيع الإنسان التصارع أو التناطح.

 

وهذا الجزء الأرضي ايضاَ في الإنسان هو سبب إرتباطه بالأرض وحبه للمكاثرة من عطاءاتها وثمارها وهو سبب امعانه في البحث فيها والإبتكار والإستحداث ومنها والإزدهار والعلو فيها والإستمتاع بها وبأوجه الجمال والراحة فيها والأنسي إليها وإلى كل ما هو مصنوع من عناصرها في الكون حوله...وهو سبب نظر الإنسان إلى نفسه وحبه لها وإعجابه بها ومن ثَم ظهور نزعه الكبر والأنانية والنفعية والغرور والإستعلاء والعُجب لديه وهذا في حد ذاته سبباً للصراعات لما يجره من الغيرة والعناد وهذا أيضاَ السبب في إهتمام الإنسان بمظهوره وجماله وصحته والتطلع إلى طول حياته الأرضية والإمعان في التلذذ بها بكل صور والإرتباط بأي مظهر من مظاهرها وجماله وصحته والتطلع إلى طول حياته الأرضية والإمعان في التلذذ بها بكل صورة والإرتباط بأي مظهر من مظهرها بمناصرها ومحاوله الأندماج فيها...

 

ولِئَن هذا الجزء في الإنسان هو من الأرض ليذوب فيها فهى مصدر هذا الجزء وأساسه فهى الأصل وهو الفرع وهو عائد إليها لا محالة له...فهذا الجزء إذن هو رباط بين الإنسان وبين الأرض وترابها وعناصرها...فكلما نما هذا الجزء في الإنسان وأزدهر كلما زاد حبه للشهوات بكل وبأي مطاهرها وكلما زاد حبه للمال وزاد قصارعه عليه وبالتالي زادت أنيابه ومخالبه المتمثلة في شرور وأثام نفسه وأمراص قلبه وكلما زادت أنانية وحب ذاته ونفعيته وكبره وغروره وحرصه على نفسه وعلى صحته وعلى إستزادته من كل خير وعطاء أرضي ، وكلما زادت رغبته في الإخلاد إلى الأرض وإلتصاقه بها وبمتعلقاتها وما هو مصنوع منها وحبه للخلود فيها والإستمتاع بها والأندماج تماماً فيها وبالتالي كما ازداد اخطاطاً وهبوطأً ودناءةً وفساداً وظلاماً...فهذا الجزء الأرضي الترابي في الإنسان هو الجزء المظلم المعتم فيه وهو مرتع ومدخل الشيطان...وبالتالي كلما نما هذا الجزء إنشد الإنسان وأنجذب أكثر إلى الأرض والتراب والعناصر الأرضية والطينية المظلمة وزاد ارتباطه ورباطه  بها وزاد إنسياقه لأهوائه وشهواته وأصبح فريسة سهلة لوساوس الشيطان وبالتالي زاد إبتعاداً عن إلهه وربه وخالقه وخرج بذلك من النور إلى الظلمة...فمثيل هذا الإنسان إذن إلى شهواته وأرضيته وأنانيته وبالتالي شرور مرض قلبه وفساد وسوء نفسه وتعقد وإظلام سريرته ومن ثم بعده عن معرفه ربه أو الإرتباط به أو معرفته هو أيضاَ منطقي وطبيعي ومتوقع وواضح ومفهوم ومشاهد.  وخلق الإنسان من هذين الجزئين المتضادين هو سبب وجود الصراع دائماً في داخله وهو سبب تعبه وشقاءه ، "لقد خلقنا الإنسان في كبد".  وكل إنسان مركب من كل الجزئين بنسبة متساوية عدلاً من الله وفضلاً...فلا إنسان ينفخ فيه من روح الله بأكثر من أخر ولا إنسان يُخلق من طين أكثر من أخر ولكن الكل متساوي وكل إنسان يخلق على فطره واحدة من الجزئتين الأرضي المظلم والإلهي المنير يصرف النظر عن شكل أو لون أو جنس أو نوعية والدي هذا الطفل فالأطفال الدنيا متشابهون جميعاً في هذا الشئ إذن وهذا مشاهد أمام أعيننا ومعرف به بلا خلاف.

 

وهنا يبرز السؤال الهام والمحير...لماذا إذن وكيف ينمو الجزء الأرضي المظلم في الإنسان ويقلب عليه أو ينمو الجزء النوراني الروحي الإلهي فيه ويقلب عليه؟  وما هى العوامل التي تحتكم في ذلك؟  والحيوان هو الأخر مخلوق من جزئتين...جزء أرضي عُنصري ترابي وجزء روحي حيوي بدونه يكون الحيوان ميتاً...فما الفرق إذن بين الإنسان والحيوان؟

 

الفرق في شئ واحد فقط ولكنه جوهري...الفرق هو أن الله الخالق سبحانه وتعالي زود الإنسان بالعقل وجعله حكماً بين الجزئين وجعله قاضياً له الكلمة الأولى والأخيرة ثم أعطاه السلطة التنفيذية أيضاً متمثلةً في الإرادة.  فهو يفكر ويحكم ويقضي ويختار وينفذ...أي أنه حكومه متكاسلة بسلكاتها اثلاثة تشيعيه وقضائية وتنفيذية...وهذا العقل لم يعطيه الله تعالى للحيوان بمثل ما أعطاه للإنسان ولكن أعطاه عضواً يقوم بوظائف حياتية محددة لتمكنه من البقاء فقط ولكنه لا يفكر وبالتالي لا يحكم ويقضي ويختار بين الجزئتين المركب منهما...فإنعدام قدرته على التفكير أو إنحصارها في نطاق ضيق جداً ومحدود يحرمه من القدرة على الحكم والقضاء والإختيار ولأنه افنسان أعطى العقل فقد أصبح مسئولأ أمام الله ومخيراً ولا محاسباً وكذا الإنسان إذا فقد عقله لسبب جنون أو مرض أو سبب أخر لا إرادة له فيه.

فالعقل إذن هو من يختار للإنسان وهو الذي يحدد إلى من سيميل...إلى الجانب النوراني الروحي الإلهي في الذات...أم إلى الجانب الأرضي الترابي المظلم فيه؟  وهو يجدد لِمَن سيكون الغلبة ويكون التوجه ثم هو يملك أيضاَ الأراجة والتنفيذ بعد ذلك.  فإذا إختار الإنسان بعقله وتفكيره الإنسياق إلى الجانب الأرضي المظلم فيه نما وكبر هذا الجزء من ذاته وغلبه وتسلط عليه وأصبح هو المهيمن والمسيطر وساق صحابه الظلمات بعيداً عن خالقه وبارئه وربه والعكس يحدث إذا إختار العقل الميل إلى الجانب المضئ الإلهي في ذاته وحكم لصالحه...فإن هذا الجانب سينمو في داخله وتصبح له الغلبة والسيطرة فيصفى القلب ويطهر التنفس ويهذب الخلق ويصفي السريرة ويسمو بالروح وتضئ وتنير حياة الإنسان ويخرج من الظلمة الأرضية ويعيش في سلام مع نفسه ومع ما حوله ومن حوله واتوماتكياً وطبيعياً ومنطقياً سيتجه إلى ربه وخالقه ومصدر النور في نفسه وروحه ليتعرف عليه ويقرب منه كما تتجه الفراشة إلى مصدر النور النور والمصباح.

 

فالإختيار هو إذن من الإنسان وللإنسان بحكم حيازته للعقل ولذا فهو مسئول عن هذا الإختيار.

ولكن هناك عاملان يتحكمان في مسيرة الإنسان أيضاً ولا يمكن تجاهلها:

 

العامل الأول:  وهو أن الله تعالى برحمته ليعين الإنسان وعقله على الإختيار الصحيح ولتبين الأمور على حقيقتها  ويكون على بينة من أمره قبل الإختيار أرسل له الأنبياء والرُسل والهداة ليوضحوا له ويرشدوه ويُنيروا طريقه ويُعلموه ويُعَلموه...كل ذلك معاونه له ومساعده وفضل من الله للإنسان ليساعده في إصدار الحكم الصحيح...لأي الطريقين سيختار...طريق الظلام أم الطريق النور وكلاهما في ذاته وفي متناوله وبين يديه وجزء منه.

 

والعامل الثاني:  هو عامل غير مرئي تكفل الله تعالى به وهو عامل هام جداً ألا وهو عامل الهداية والإضلال من الله.  فمن يختار بعقله وارادته ارضيته وترابيته وظلمته واتباعها وتغليبها وما يستتبعها مرة ومرتين يضله الله أكثر وأكثر ويزين له هذا الطريق الذي إختاره بإرادته أولاً ويجعله يسرع المسير فيه ويبارك له في هذا المسير إلى الظلمات اللهم إلا إذا أفاق لنفسه وعرف سوء إختياره وقرر بإختيارة وإرادته الإقلاع عن هذا الطريق والعودة إلى منابع الضياء والنور في ذاته واستغفر وتاب إلى خالقه.

واما من يختار بعقله وإرادته نورنيته وقبل مختاراً تنمية الجانب الإلهي والروحي المشرق والمضي في نفسه وقلبه وروحة فإن الله تعالى يبارك له أيضاً ويهديه أكثر وأكثر ويجعله بمعنى في المسير في هذا الطريق المضئ ويسهله له ويجعله أكثر قبولاً له وإقبالاً عليه ويعينه عليه حتى يضاعف له الخطوة فيه أضعافاً مضاعفاً الله إلا إذا قرر بإختاره أن ينكص على عقبيه ويعوج إلى أرضيته وظلمته فإن الله يتركه فإذا زاد أضله أكثر وأكثر وهكذا.  )سورة مريم أية 75-76) "قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً"  وأكثر من ذلك فإن مسيرة حياة الإنسان يتحكم بها الله أيضاً طبقاً لهذه المعادلة...فإذا إختار الإنسان أرضيته وظلمته جعل الله مسيرة حياته وأحداثها شحومهما المعادلة...فإذا إختار الإنسان أرضيته وظلمته جعل الله مسيرة حياته وأحداثها وشخوصها تأخذه أكثر وأكثر إلى إختياره ليمعن فيه ويزداد ويطفئ في الضلال والظلمة...وإذا إختار بإرادته نورانيتة وروحانيته الكامنة فيه ، جعل الله مسيرة حياته وأحداثها وشخوصها تأخذه أكثر وأكثر إلى طريق ربه وزاده خروجاً من الظلمة إلى النور ، اللهم إلا إذا أراد فتنته وإختباره بأحداث أو شخوص أو عطاءات ليمتحن إصراره على إختيار طريق ربه وعزمه على المسير فيه وعدم النكوص عنه تحت أي ظرف فإذا نجح في الإختبار عوضه الله درجات أكثر وأكثر وضاعف من خطواته أكثر ونما فيه الجزء النوراني الإلهي أكثر وأكثر...وهكذا تكون المتوالية فظلمان تؤدي إلى ظلمات أكثر ، وأنوار تؤدي إلى أنوار أكثر ومن يرد الدنيا يزد الله له في حرثه ، وما له في الأخرة من نصيب ويزين الله له عمله فيراه حسناً ويزداد منه. ومن يرد الأخرة ويسعى لها سعيها وهو مؤمن فالله يبارك له في سعيه ويجعله فيها خالداً في جنة عرضها كعرض السموات والأرض أعدت لطلاب الأنوار وطلاب السمو وطلاب الخالق ربهم الأعلى وعطاءاته وقربه والدنو منه.  "فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليفكر". "ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مُرشداً".  فألإختيار أولاً من الإنسان وعقله والهداية أو الإضلال من الله من ثم تتبع ذلك وقلبه وتترتب عليه وتؤخر في حياة الإنسان كلها ومسيرتها بعد ذلك.

 

وهنا قد يتسائل البعض: ولما خلق الله الإنسان  من هذين الجزئين:  الروحاني الإلهي المضي والأرض والأرضي الترابي المظلم وجعل له العقل حكماً بينهما طالما أنه يريده روحانياً مضيئاً صافياً...فلما لم يخلقه من جزءاً واحدً وأنتهي الأمر؟

 

وحكمة الله وإرادته فوق كل شئ وقبل كل شئ ، والله "لا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون" وحكمة الله لا يمكن الإحاطة بها ، ولكن لا مانع من أن نعمل عقولنا وفكرنا.  فالله تعالى عنجما خلق الأنسان لم يكن يريد أن يخلق ملاكأً ، والملاك هو مخلوق من جزء روحاني نوراني واحد...ولو خلق الإنسان كذلك لكان ملاكاً إذن...ولكن الله بقدرته أراد أن يجمع الجزئين معاً في شكب ومزيج واحد...الروح الحية والجسد الميت معأً...النور والظلام معاً...والخير والشرمعاً الربانية العلوية والأرضية السفلية معاً...في مكان واحد ومخلوق واحد والعقل معهما حكماً...تماما شلما نجمع المصارعين أو الملاكين في داخل حلبة واحدة ومعهما حكماً واحداً ليفصل ويقضي بينهما ويحدد الفائز ومن تكون له الغلة والكلمة الأخيرة.  ولكن ما الحكمة في ذلك...أقول والله أعلم أن إجتماع الأضداد معاً في مكان واحد يولد ضرورة وحتمية التمايز والتمييز بينهما...فإذا أردت أن يعرف شئ ويتميز أأتى بضده معه أو مقابله ولا بد إذن وأن يحدث التمييز والتفرقة فالنور لا يُعرف ويتميز إلا وجدت الظلمة...والحي لا يعرف ويتميز إلا إذا وجد الميت والشحنة الموجبة لا تعرف وتتميز إلا إذا وجدت الشحنة السالبة والشمال لا يتميز ويعرف ويحدد إلا إذا عرف الجنوب والمالح لا يعرف ويميز ويحدد إلا إذا عرف العذاب...والخير لا يعرف ويتميز ويحدد إلا إذا عرف الشر وهذا مايسمى بالتمايز أو ال contrast  أو أل resolution .  ومن خلال هذا التمايز يمكن معرفة الأشياء والتعرف عليها ورسم الصورة وبدونه تكون الضورة باهتة والأشياء غير مميزة من بعضها البعض وبالتالي لا تكاد تعرف بالمرة...ولذا نرى في الدنيا من حولنا كل شئ أوجد الله له نقيض ليتميز هذا وذك وهذا من ضروريات الحياة ومن ضروريات التعلم أبيض وأسود.  طويل وقصير، كبير وصغير، سمين ونحيف ، جميل ودميم ، حسن وقبيح وهاكذا.  فإذا أراد الله تعالى أن يميز النور ليُعرف وأن يميز الحق والخير ليعرف وأن يميز الحياة والروح والنفخة منه لتعرف فلا بج أن يجمعها مع أضدادها في خير واحد ومكان واحد ومخلوق واحد.  فيجمعها مع الظلمة ومع الشر والباطل ومع شئ ميت من الطين والتراب وهاكذا كان خلق الإنسان لتحقيق هذه الغاية والحكمة...ومن الذي سيعرف ويميز ويحكم...وهذا هو العقل ، ولذا أعطاه الله للإنسان ليعرف ويحدد ويميز ويحكم به ويؤدي الغية العظمى والحكمة من الخلق ألا وهى معرفة النوروالحق والخير والحياة والروح وقدرة الله من خلال كل ذلك لأنه خالق كل ذلك وموجد كل ذلك ومن ثم معرفة الله والإقرار له بالحمد والثنا والشكر والتسليم له بالقدرة والسلطان والإبداع والجمال والحسن والإتقان ، والأذعان من ثم بالعبودية والسجود له وهذا كله يؤدي بالإنسان إلى حب خالقه وطاعته.  ومن المعرفة والإقرار والتسليم والإذعان والحب والطاعة تحقق الحكمة والغاية والأسمى لخلق الإنسان والتي ما كانت لتحقق إلا من خلال وجود الأضداد في مخلوق واحد ووجود العقل المفكر وسط هذه الأضداد وحكموته وسيطرته على هذا المخلوق كله.

 

وجمع الأضداد معاً في مخلوق واحد ومكان وحيز واحد عملية صعبة جداً وتكاد أن تكون مستحيلة في عالمنا وتحتاج لإتمامها إلى قدرة كبيرة جداً.  فجمع هذه الأضداد في الإنسان مع وجود الحكم بينها هو إثباتاً في حد ذاته على قدرة الله العلي القدير.  وإثباتاً لعظمته وإبداعه وقوته وإقتداره على فعل ما يريد.  والله تعالى يريد للنور أن يقهر الظلام ويحوله إلى نور هو الأخر ، ويريد للخير والفضيلة أن تقهر الشر والرذيلة وتحولها إلى خير وفضيلة هى الأخرى ، ويريد للروح أن تحول التراب والطين الميت إلى حياة وحيوية وحركة ، ومزيد للسمو والعلوية أن تمد يدها لتجذب التراب والسفلية لتعرفها معها إلى أفاق السمو الإرتفاع ، ويريد للروحانية والربانية أن تعلو وتقهر الشهوائية والأهوائية الحيوائية ومن ثم ترتفع بها وتطهرها وتحولها إلى صورة فاضلة مهذبة سامية.  ولذا فالله في النهاية يريد الإنسان بجزئيته كلها ولكن بعد أن تحول ظلامه إلى نور...وتحولت سفليته إلى سمو وأصبحت ترابيته حية حياة مرفوعة مطهرة...وسمن وتطهرت شهوته...وتحورت شروره إلى خير وأهوائه إلى رضا...وأصبجت طينته طهراً قابلاً للرفعة والعلو إلى الوالم الإلهية النورانية السماوية.  ونكتفي بهذا القدر من البحث في هذه النقطة الهامة وسيكون لنا معها عودة ولقاءات كثيرة من خلال حلاتنا وتأملاتنا في كتاب ربنا العظيم...وعذراً للقارئ في عروجنا لهذا الموضوع في هذا المجال ولكنا رأينا أن لا بد من الخوض فيه بقدر هنا توضيحاً لحقيقة إلهية خالدة وأساساً هاماً ومنطلقاً لا غنى عن دراسته ومعرفته والبدء به...ليساعدنا على فهم ما توالي من أحداث عظام حدثت لهذا الرجل محمد.  بدءت في هذه الليلة القدرية التي هى خير من ألف شهر حين بدء نزول الوحي والقرءان فيها نوراً وهداية للبشرية جمعاء وللإنسان في كل مكان.

 

والأن نعود لمحمد (ص) الرجل كريم الخلق ، طيب القلب ، منبسط رقيق النفس الذي ييش في سلام مع نفسه ومع الأخرين...ومحمد بهذا الخلق وهذا الصفات يكون كما أوضحنا يكون قد نمى الجزء المضئ والإلهي في نفسه وحَكمه وقضى له بإرادته فغلب عليه وطهر ونقى صفاته وبارك الله له في هذا وزاده منه...فكان طبيعياً ومنطقياً كما شرحنا ووضحنا أن يتجذب محمداًً بناء على ذلك نحو خالقه وبارئه ومصدر نوره ، وأن يحاول أن يعرف عنه أكثر وينعرف عليه أكثر ويقرب منه أكثر وأكثر ، وأن يشغل باله وتفكيره هذا الأمر وأن يكون محط إهتمامه وتركيزه.  ولذا نجد محمد تلقائياً يترك عبادة الأصنام ولا يفعل ما يفعله قومه وما ألفى عليه أبائه وعشيرته...فهو لا يسجد لصنم ولا ينحر له الذبائح ولا يقدم له القرابين...ولكن قلبه المضئ ونسه المشرقة الربانية المتعلقة بربها وخالقه الحقيقي...تلجأ إلى دين جدها الأول...إبراهيم عليه السلام...وهو الحنيفية السمحاء...الذي قد شوهة وحرفهه عبادة الأصنام والأوثام من دون الله تعالى ، حتى أن بيت الله الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بـأمر الله تعالى لعبادته فيه والحج إليه والذي كان مصدر نوء هذه الأمة ومظهر إجتماعها ومحط إحترامها وتقديسها...إمتلاء بالأصنام وأصبح مكان لعبادة تلك الأوثان بدلاً عن أن يكون مكاناً لعبادة الله الخالصة المُخلصة لأنه بيته الأول والأوحد على هذه الأرض الذي بُنِي بأمره ليحج إليه الناس من كل مكان.

 

ومحمد يهديه قبله المضئ الصافي النقي إلى أن ربه الحقيقي الذي يبحث عنه هو حقاً رب جده إبراهيم وأبيه إسماعيل عليهما السلام وأنه ليس بصنم ولا وثن وأنه هو رب هذا البيت الحقيقي...رب موسى وعيسى عليهما السلام...رب اليهود والنصارى... رب الأنبياء والمرسلين الذي دعوا لتوحيده وعبادته بأمره.  ولكن محمداً يرى دين إبراهيم (ع) مطوياً منسياً ودين موسى وعيسى (ع) محرفاً ومبدلاً...وعبادة الأوثان سادا وإنتشرت مرة أخرى وعبادة الله الحقيقي الحقة تلاعبت بها الأهواء والخيالات والأكاذيب حتى ساد الجهل والتحريف والضلال وإنتشرت الخرافات والأباطيل وشاعت الظلمات ، ولا هادي يهدي الناس ، ولا مرشد رباني يُلتجاء إليه لتُعرف منه الحقيقة وليُهدى به إلى الدين الحق القويم ، ويُلتمس منه النور والحق وسط هذه الظلمة وهذا الضلال.  وبات المؤمنون على تنوع أديانهم ينتظرون ويتوقعون ظهور نبي يرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور وليهدي إلى طريق الله الحق القويم وسط هذه الظلمات والإنحرافات والجهل والجاهلية المتفشية في كل مكان وكل شئ.

 

ومحمد أحد هؤلاء المؤمنون الصادقون الحائرون المحبون لربهم الراغبون في عبادته وإرضائه والمنتظرون لهديه وهدياته...ولكن محمد يختلف عن معظم أو كل هؤلاء...إنه يتبع نهج جده إبراهيم عليه السلام الذي قال من قبل "إني ذاهب إلى ربي سيهدين"...والذي قال "لئن لم يهدين ربي لأكونن من الضالين"...إنه يلجأ إلى الله ذاته مباشرة مثل جده إبراهيم الخليل (ع) الذي كان أول المسلمين وأول من أسلم أمره لله مباشرة ولجأ إليه طالباً الهداية والإرشاد ولذا اتخذه الله نبياً وخليلاَ وكرمه ورفعه وجعل من نسله النبوة والرسالات ونعته بأفضل وأكرم الصفات...وبالمثل فعل محمد ، فلقد لجأ إلى ربه مباشرة طالباً الهداية والإرشاد والنور ويتوجه إليه وحده مسلماً أمره له ومتضرعاً إليه ليخرجه من الظلمة وليقربه إليه ويدنيه منه ويعرفه على ذاته أكثر...كل ذلك بقلب مسلم سليم خاضع خاشع ذليل وروح تواقة شواقة إلى ربها وخالقها ومعبودها ومالك أمرها ومصيرها ومألها...وهكذا كان محمداً يخرج إلى الجبل وحده بعيداَ عن الناس ، وي داخل الغار يجلس ليعبد ربه وحده بإخلاص وصدق ويتوجه إليه مباشرة ويدعوه طالباً الهداية والإرشاد والنور وأصدقائه وأحبابه ويترك بيته وموضع راحته ومأنس نفسه ليخرج في ظلمة الليل وسط الصحراء والسخور والشعاب والجبال...وسط المخاطر والوحوش والأخلاء...كل هذا من أجل ربه وتعلقاً به وبمعرفته وبعبادته وبالتقرب منه وطلباً للهداية منه...ويتكرر هذا المشهد العجيب...ومحمد مواظب ومثابر عليه سنوات دون ملل أو يأس وبمعرفة ويقين بأن الله سيهديه ويستجيب له لا محالة كما إستجاب لأبيه إبراهيم (ع) من قبل...ولم يعرف الملل أو القنوط إلى قلبه سبيلاً...والله يشهد منه كل ذلك يوماً بعد يوم وهو مضطلع عليه وعلى قلبه وحقيقة ما فيه وعلى حقيقة وصدق وطهر وصفاء وإقبال وصفاء وإقبال قلبه ونفسه وروحه عليه وعلى عبادته ، ولك أن تتصور أيها القارئ أي إخلاص وحب وإنجذاب للخالق الأوحد هذا الذي يدفع محمداً الذي يعيش وسط مجتمع الأصنام وعبادها...وسط مجتمع مادي متحجر منحرف مترف تماماً...ولا يكاد أن يكون لله ولا لعبادته فيه ذكراً أو أثراً يُذكر...فلا دعاية ولا إعلام ولا صحافة ولا وُعاظ ولا مبشرين ولا أحداث حتى عن هذا المجال والكل منشغل في تجارته ورحلاته ورعيه ولهوه وعبثه وإجتماعاته وندواته وإشعاره وخروجه وأصنامه وتلك هى حياة القوم ولا شئ أخر...فلماذا وسط كل تلك الأجواء ينجذب محمد لعبادة ربه وخالقه بهذه الصور حتى يترك بيته وأهله وأصدقائه وتجارته وراحته يومياُ ليخرج في الصحراء والجبال الخطرة وحيداً طالباً عبادة ربه الحق وراغباً في معرفته والقرب منه ومتضرعاً إليه طالباً من الهداية والعون...ما أظن أن أحداً على وجه الأرض في هذا الزمان أو حتى قبله أو بعده فعل تلك الفعلة في مثل هذا المجتمع في مثل تلك الظروف...ولست أدري لما لم ينتبه المؤرخون والكُتاب والمستشرقون مسلمون وغير مسلميم لهذه الظاهرة العجيبة...ولما لم يولها الرعاية المطلوبة ويسلكوا عليها الأضواء...ويحيطوها بالبحث والدراسة والإهتمام...ومر ويمُر الجميع عليها مر الكرام إما عمداً أو سهواً أو جهلاً...حتى باتت هذه الظاهرة الفريدة مختفية وقابعة في ظلام التاريخ لا تكاد تُرى أو يُعرف لها قيمة أو يُسلط عليها ضوء...مع إنها مدخلاً هاماً منطقياً للإيمان والتصديق بنبوة محمد وإختيار الله له ليكون خاتم الأنبياء والُرسل...ولو عُرضت عرضاً سليماً وبُحثت بعحثاً أميناً صادقاً واستخلص منها ما ينبغي لكان لها  واقع الأثر في إقناع غير المسليمن من شعوب الأرض بنبوة محمد وإرسال الله له...فنبوة محمد وإختيار الله له لحمل الرسالة لم يأتي من فراغ.

 

لقد شغلت عبادة الله وحبه قلب محمد كل حياته تقريباً من قبل أن يُبعث نبياً...فكان يجلس ويتفكر ويدعا ويتعبد وقلبه معلق بهذا الخالق العظيم الذي ضل القوم عن عبادته فلم يعرفوه وتوجهوا بالعبادة إلى غيره جهلاً وظلماً وضلالً.  قلب محمد وعقله مشغول ومشدود إلى ربه ولذا فلا نجده يلهوا كما يلهوا الشباب...ولا نجد له طموحات حياتية فهو لا يسعى إلى أن يكون ذو مال عريض أو جاه أو سلطة أو علم أو شهرة برغم توافر كل إمكانيات ذلك لديه...وعلى العكس ما كان عليه قومه وأبناء سنه في هذت تلزقن...لا نجد له إهتمامات بالمال ولا بالنساء ولا بالأشعار ولا بالأسفار ولا بالإجتماعات والندوات ولا بالصيد...إلخ هذه الأشياء التي كانت تشغل القوم في وقته...لماذا؟  لم يكن محمداً تاجراً ولكنه عمل بالتجارة...ولم يكن محمداً راعياً ولكنه عمل بالرعي...لم يحترف محمداً أي مهنة بعينها إحترافاً كغيره على كثرة مواهبه لعطيها كل وقته وإهتمامه.  الإجابة على هذه التساؤلات تكمن في شئ واحد...وهو أن قلب محمد وعقله إنشغل تماماً في معرفة إلهه وخالقه والتوجه واللجوء إليه وعبادته ومحبته...فملك عليه هذا الأمر كل كيانه ولم يبقى مكاناً بعد ذلك للإنشغال والإهتمام وتكريس الحياة لأي شئ أخر...هذه هى الحقيقة...التي وبما وإن لم تظهر واضحة جلية لمن حوله إلا أنها بلا شك كانت تملك عليه نفسه وتفكيره في صمت فكان قلبه معلق بها وهى متعلقة بذاته ووجدانه...وهو سر بينه وبين ربه...وهذا ما كان يدفعه للخروج سراً باليل إلى أحشاء كهف مظلم في بطن جبل غليظ موحش وسط صحراء قاسية لا نهاية لها وبين أخطار محدقة...وحيداً بلا إعلان أو ضجيج...ليطلق لنفسه العنان في ممارسة هواؤتها الوحيدة محبة وعبادة ربه وخالقه وطلب العون والهداية منه وحده على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام...فكان محمد كمن يخرد إلى موعد خاص وكأن هناك سر خاص جداً بينه وبين ربه الذي ملك فؤاده...تماماً كما يفعل أي حبيب مع محبوبه...فهو يبقى حبه وعلاقته بمليك نفسه وروحه ومحبوبه سراً بين ذاته وبين من يحب...سراً محاطً بأسوار عالية بينها المحب حفاظاً على حبه وعلاقته الخاصة الغالية بمحبوبه ومأنس روحه...فمحمدٌٌ إذن لم يحترف في هذه الحياة إلا عبادة ربه وإلا محبة إلهه وخالقه وإلا مناجاة وجعاء مالك والملك الأعظم رب العالمين...ومحمدٌ إذن لم تكن له هواية ولا شغف ولا طموحات في هذه الحياة إلا مناجاة ربه وادعائه وعبادته ومحبته.

 

كل هذا من قبل أن ينبأ ويعلم بأنه نبي...ونظراً لذلك فقد نما الجانب والجزء النوراني الإلهي في محمد فطغى عليه فسمت نفسه ورقت مشاعره وكرُم خُلقه وصفت سريرته فكان بين القوم الصادق الأمين الذي لا يعرف كذباً ولا سفهاً ولا غيرة ولا كبراً ، وكان الحليم الحكيم ذو العقل الرشيد والرأي الصائب ، وكان وصولاً للرحم مرحباً للضيف معيناً على نوائب الدهر ، كان حنوناً رقيقاً على الفقراء والضعفاء والأطفال والأيتام والخدم والعبيد...كان وفياً للأصدقاء قوياً في الحق ورجلاً وقوراً مهاباً عاقلاً...كان خيرة كله لأهله...فكان نِعم الزوج ونِعم الأب ونِعم القريب ونِعم الإبن ونِعم الصديق ونِعم التاجر ونِعم الرفيق...يعطي كل ذي حق حقه ولا يجور...نفسه سهلة سلسة وكأنها الماء ينسال وينسل من نبع صافي بسهولة ويسر...وهكذا كان الحبيب صلوات الله وسلامه عليه وعلى أله الطيبين الطاهرين من قبل أن ينبأه الله تعالى بنبوته ورسالته العظيمة الخاتمة.  وهكذا أيضاً كان حال الأنبياء والرُسل من قبل محمد (ص)...رجال تعلقت قلوبهم بخالقهم فشغلهم عن الإهتمام بغيره ولذا صفت وتطهرت قلوبهم فإختارهم الله لحم رسالته وشرفهم بالإبلاغ عنه والتحدث بإسمه.  لم يكن محمد رجلاً دنيوياً  ولم يُخلق للدنيا بل كان رجلاً ربانياً أُخروياً من أول يوم خُلق للأخرة وللمل والسعي لها فقط وسخر دنياه لإخراه كاملة.  كان محمد رجلاً يعيش في دنياه بجسده فقط أما قلبه وعقله وروحه وتوجهاته وإهتماماته كلها مع ربه وخالقه لا شريك له.  وإذا كانت هذه مشاعر محمد وما قدمه تجاه ربه من قبل البعثة فهل كان هذا الحب والعطاء من جانب محمد فقط أن أنه كان متبادلاَ بين محمد وربه...بلا شك أنه كان متبادلاً وكيف لا والله تعالى يقول في الحديث القدسي "من تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً...ومن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".  فماذا كان عطاء رب محمداٍ لمحمداً؟ 

 

لقد كان محمداً يتيماً فأواه الله وأرسل له جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب وهُم خير وصاجة القوم ليتولوا رعايته وربانيته على أكمل وأشرف وجه...وأُرسل له حليمة الطبيبة لتكون حاضنة ومرضعتة...ثم هداه لمعرفته أكثر وجعل نفسه تأنس أكثر إلى طريق ربه واللجوء إليه وحفظه أثناء رحلاته الخظرة المتكرر إلى ذلك الغار المُظلم في بطن الجبل الموحش فلم يخرج له عقرب أو ثعبان أو وحش ضار أو لص من اللصوص ، وهون عليه الوحشة فلم يعد يكاد يشعر بها...ثم صرف عنه اللهو والعبث وإقبال الدنيا ولم يعطه ما يشغله عن عبادة ربه.  ثم أرسل له خديجة بمالها وحبها وحنانها وشرها وحسبها في قومها وتجارتها الواسعة فتزوجها وعمل في تجارتها وأوسع الله عليهما من رزقه وفضله فخرج من العيلة والفقر وضيق الحال إلى الغنى والفضل والسعة...ثم أعطاه فاطمة إنبنته الحبيبة لتقر بها عنه وتفرج بها نفسه...ثم أعطاه علياً أخاه وإبن عمه وربيب وحبيبه ومأنس نفسه وروحه وإبنه المقرب منه...وأعطاه زيداً خادماً مخلصاً وإبناً باراً معيناً على شئون الحياة...ثم ألقى له المحبة بين الناس فكان له الأخلاء المخلصون والأقارب الأوفياء المحبون والعشيرة المقدرة المُحترمة وكان له المكانة المرموقة بين الناس...وهكذا كان عطاء الله لمحمدٍ مباركاً نامياً كريماً "ألم يجدك يتيماً فأوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى."  وهكذا كان الحب متبادلاً والعلاقة موصولة والعطاء مستمراً متواصلاً حتى كان العطاء الأكبر والفضل الأعظم والتشريف الذي لا مثيل ولا نظير له من رب العالمين في تلك اليلة القدرية من العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم المُعظم.

 

وهكذا لم يأتي إختيار الله لمحمد من فراغ...فمحمد أسلم لله من قبل أن تأتيه الرسالة وأقبل على الله من قبل أن ينبأ بأنه نبي وأحب الله الخالق وأخلص له حق الإخلاص وأعطاه حياته إتباعاً لملة أبيه إبراهيم والأنبياء من بعده في وقت كان جُل من حوله لا يؤمن ولا يعرف ولا يريد ذلك.  أحب محمد النور في وقت لم يكن فيه معروفاً سوى الظلمة...وأقبل على ربه الحقيقي في وقت لم يقبل الناس فيه إلا على صنم أو كذب أو هوى أو خرافة أو تذجيل...وملأ نفسه بالأنوار الإلهية في وقت لم يعد الإنسان يعرف فيه إلا المادية وعبادة الذات والأهواء.  سما بذلك محمد وعلا...نفسياً وروحياً وأخلاقياً ودينياً حتى أصبح أهلاً للإختيار وأجدر به من كل من حوله سبقه أو عاصره أو لحقه من بني البشر جميعاً.  هذه كانت شخصية محمد وقلبه ونفسيته وروحانيته التي إستحقت إختيار الله له...وهذه الشخصية بمكوناتها تلك هى التي سيراها وستطرح نفسها من بعد الرسالة دالة بوضوح على حقيقة إرتباطها بربها من قبل الرسالة...هذه هى الشخصية التي سيكبر عليها إعراف الكافرين عن الإيمان بالله الحق وعباده "وإن كان كبر عليك إعراضهم" ، وهى التي ستبغع نفسها على كفر القوم وعدم إيمانهم "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين."  هي التي ستذهب نفسها على الكافرين حسرات "ولا تذهب نفسك عليهم حسرات".  وهى التي ستجهد نفسها في تبليغ الدعوة والرسالة وحث القوم على الإيمان بربهم وعبادته حتى تغلو في ذلك ويتدخل الخالق العظيم.  منزل الرسال والمطالب بتبليغها بنفسه ليحد من جهد محمد لتبليغ الرسالة مما يفوق طاقته...فنجد الله يقول له "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر".  ويقول "أما من إستغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى".  ويقول "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" ويقول "لا تحرك به لسانك لتعجل به" ويقول "ولا تعجل به من قبل أن يقضي إليك وحيه" ويقول "وما عليك ألا يكونوا مؤمنين" وأيات أخرى لا حصر لها كلها تدل وتشير إلى أن محمداً لم يكن مجرد رسول كلف برسالة فقام بأداء المهمة التي كلف بها...لا وألف لا...إن محمد كلف بتبليغ رسالة هو نفسها يعشقها ويهواها ويعيشها بكل روحه وكيانه ونفسه حتى من قبل أن يعلمها ويكلف بتبليغها لأن الإيمان كان مخالط للحمه وجسده ودمه وعظامه وكأنه جزء لا يتجزء منه من قبل الوحي.  وقد نُكلف في الحياة بمهمة أو وظيفة نؤديها على أتم وجه ولكن هناك فرق كبير إذا كنا نحن أنفسنا المكلفين بالمهمة عاشقون محبون ميتمون مالمهمة وأهميتها ، فهذا سينعكس بلا شك على أدائنا لتلك المهمة...وبالتالي سيكون أدائنا لتلك المهمة أو الوظيفة أو الرسالة دالاً وشاهداً على مدى محبتنا وإقتناعنا وإخلاصنا لهذه المهمة...فأداء محمد للرسالة كرسول كما يحكي التاريخ ويقول القرءان يقف كأكبر شاهج ودليل على حب وإخلاص محمد للرسالة ومُنزلها وعشقه لها حتى مِن قبل أن تنزل من مرسلها سبحانه وتعالى معبوج محمد وحبيبه ومحور حياته وشاغل عقله ومفتاح شخصيته ومحط هوى نفسه.  فالله تعالى إذن إختار لرسالته أكثر الناس حباً وإخلاصاً  له وهو أعلم بما في القلوب "الله يعلم أن يضع رسالته"..."الله يصطفي من يشاء من عباده وهو أعلم بالمتقين".  ولو علم الله أحدٌ أكثر حباً وإخلاصاً وتقوى له من محمد لأختاره.  ولكن محمد حاز بالإختيار لحب قلبه لربه وتعلقه به وإخلاصه له كل الإخلاص.

 

وهؤلاء الحاقدين الذين إستكثروا على محمد إختيار الله له وحقدوا وحسدوا وقالوا لولا أُنزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم...من منهم أحب الله وأقبل عليه مثلما فعل محمد؟  من منهم عرف الله وأخلص له مثلما فعل محمد؟  من منهم ترك الحياة ومباهجها وطموحاتها ودعل إلهه وخالقه هو محور حياته كما فعل محمد؟  من منهم ترك عبادة الأصنام مختاراً وأقبل على عبادة الله وحده مختاراً على ملة إبراهيم مثلما فعل محمد؟  من منهم ترك البيت والأهل والأخلاء والخدم موالراحة وخرج في الليالي المظلمة الخطرة وحده إلى شعاب مكة وصعد جبل موحش ليقبع في غار صغي بداخله ليدعوا ربه ويناجيه ويلجأ إليه ويحاكيه مثلما فعل محمد؟  من منهم فعل كل ذلك حتى يستحق إختيار الله تعالى له.  لقد ظنوا أن إختيار الله سيتم على أساس النفوذ أو القوة أو الشجاعة أو المال ونسوا أن الله له مقاييس أخرى في الإختيار غير مقاييس البشر.  فالله يختار القلوب المحبة له المخلصة الصادقة...ويختار الأنفس الطاهرة المضيئة السامية ويختار الخلق الكريم الفاضل ويختار الأرواح السامية إليه طائعة مختارة...التي شغلتها عبادة ربها عن غيره فحباها الله بتكريمه وإختياره...وبإختصار فالله يختار من يختار الله ويحب من أحبه ويهدي من يطلب هداه ويدعوه ويرجوه ويُخلص له ويصبوا إليه بقلبه وعقله ونفسه وروحه.

لقد كان بين محمد وربه سر خاص...سر لا يعلمه سوى الإثنين من قبل الرسالة...علاقة خاصة جداً...حرص محمد على إخفاءها طول السنين حتى بلغ الأربعين وأتاه الوحي من الله.

 

هنا السر وتلك العلاقة هى ما جعل الله تعالى يختاره لرسالته الخاتمة...لم تكن علاقة محددة ولكنها بدءت منذ أمد بعيد ومحمد لم يزل بعد شاباً صغيراً يتفتح للحياة...تلك العلاقة الإلهية الصافية النقية المخلصة بين محمد وربه هى التي أفاضت عليه أنوار ومهابة هى من عند الله...وهى التي جعلت الغمام يظله أينما ذهب وحل...وهى التي جعلت الرهبان من اليهود والنصارى ينعرفون عليه عندما رأوه بصحبة عمه أبو طالب ويحذروه من كيد الكائدين وحقد الحاقدين وحسد الحاسدين...وهى التي جعلت المحبة والتوقير يشمله فلم يره أحد إلا وأحبه وأحترمه وقدمه...هذه العلاقة الخاصة التي ظلت سراً وستظل سراً لا يعرفه ولا يفهمه ولا يقدره إلا القليل والقليل جداً من البشر..ومن ذاق عرف...ولو ساق لنا التاريخ أكثر من حياة محمد قبل الرسالة لوجدنا ألف دليل ودليل على وجود هذه العلاقة الخاصة بين محمد وربه والتي حرص محمد أن يخفيها عن الأخرين حفاظاً عليها وخشية من ألسنة القوم وتقولاتهم وهم قوم كفر وشرك وأصنام وأوثان...وها نحن نرى محمد في أسفاره للتجارة شمالاً وجنوباً يسعد بلقاء الرهبان والنساك والعابدين والمحبين لعبادة الله الواحد مثله والعرفين لربهم الحق مثله والسامين والاجئين إليه مثله...وهو يرى بلقائهم عن نفسه الوحيدة في عشقها لخالقها وكأنه يسعد بذكر محبوبه معهم وتأنس لذلك نفسه وروحه...هذه اللقاءات السامية الرفيعة في محبة الله التي أتهم محمد ظلماً وعدواناً فيما بعد بأنه تعرف من خلالها على قصيص الأديان.  وهى ما كانت إلا لقاءات عابرة قصيرة للمحبين لله والسائرين على نهجه وطريق عبادته تأنس بها نفس محمد قبل أن يعود إلى وحدته في مكة ليواصل تضرعه إلى ربه وحيداً في الغار...فهل نعجب بعد ذلك إذا رأينا محمد بعد الرسالة يطيل الصلاة والتهجد في الليل إلى ربه حتى تتورم قدماه ولا يهجع إلا قليلا؟  وهل نعجب إذا رأيناه يتقلب في الساجدين ويسجد ويطيل حتى تظن عائشة زوجته أنه قد فارق الحياة؟  وهل نعجب إذا رأيناه باكياً من خشية الله وقليل الضحك وقليل الكلام؟  هل نعجب إذا سمعناه يقول أن قرة عينه هى في الصلاة لله؟  هل نعجب إذا كانت أخر كلماته وهو يُفارق الدنيا كلمة "إلى الرفيق الأعلى" وعينه شاخصة إلى السلام وقلبه ينبض أخر نبضاته في حب خالقه الذي ما نبض إلا به ولم يعرف أو يهوى غيره حتى هانت عليه الحياة كلها...أو لنقل أن الحياة كلها بما فيها ومن فيها لم تكن لديه إلا نبضة حب صادق ونغمة عشق دافق لله سبحانه وتعالى!

 

فمن منا أكثر حباً لله من محمداٍ (ص)؟  ومَن مِن قلوب البشر جميعاً عشقت الله وأخلصت له كما عشق وأخلص قلب محمد؟  فإختيار الله لمحمد إذن ليكون خاتم أنبياءه ورسله وخير خلقه وسيد كائناته ومخلوقاته لم يأتي من فراغ.  فحالة محمد العبادية العاشقة المخلصة كانت قبل الرسالة وإستمرت وزادت ونمت أكثر وأكثر بعد الرسالة ولكنها كانت حالة واحدة وسلسلة متصلة وحبل لا ينقطع وصلة لا حدود لها بينه وبين ربه وخالقه العلي القدير سبحانه وتعالى...ولذا أبى الله إلا أن يبدأ نزول الوحي ومحمد في قمة تلك الحالة العباجية المنفردة  في داخل الغار في قلب الجبل في هجع الليل تخليداً لهذا الموقف لمحمد وتفهيماً للناس بأن الله لم يختاره من فراغ ولكنه إختاره لأن محمد إختار الله في وقت لم يكن أحد فيه يفعل ذلك وباع نفسه لله في وقت لم يسمع أحد فيه بمثل ذلك...ولكن هل فهم الناس ذلك من تلك اللفتة الإلهية؟  ولو كان الوحي نزل لأول مرة على محمد وهو في بيته بين أهله أو وهو في أسفاره وتجارته ، لما كُنا علمنا بخروج محمد إلى عار ثور في الليالي المظلمة لعبادة ربه.  ولبقى هذا سراً بين محمد وربه ما يعلمه أحد.  ولكان التاريخ طوى عمداً أو سهواً أو جحوداً هذه العبادة المحمدية الفريدة من قبل البعثة ولما كانت وصلت إلينا وعلمناها...فالحمد لله أن بدأ نزول الوحي على سيد العابدين وإمامهم والعشق المخلص لله محمد (ص) في هذه الليلة القدرية من العشر الأوخر من شهر رمضان المبارط في غار حراء في مكة في قمة تلك الحالة العباجية بين محمد وربه تخليداً لتلك الحالة المنفردة وتعظيماً لذلك السر القدسي الأبدي الوجداني الذي جمع بين محمد وربه وبين العابد ومعبوده وبين العاشق ومعشوقه ، وبين القلب ومن يحبه ويهواه ويريده.

 

لقد إصطفى الله محمداً على خلقه لما رأه منه من حُب وإخلاص ورضا بقضائه وقدره وعطاءه وصبر على العبادة والدعاءء والرجاء وزهد في الدنيا وزخرفها وتواضع لله وذلة وخشوع له وخلق كريم فاضل وقلب سليم محب ونفس هادئة صافية مطمئنة وأحاسيس مرهفة رقيقة وصدق وأمانة وعقل راجح وروح طاهرة ذكية.  فبارك الله فيه ورباه فأحسن ربايته وأدبه فأحسن تأديبه وطهره من كل دنس ورجز فكان معصوماً ثم رفع له ذكره فإختاره ليحمل رسالته الخاتمة إلى بني البشر أجمعين...وليذكر معه دائماً وجعل مقامه فوق كل مقام.  لقد قامت علاقة محمد مع ربه على الإيمان الكام والإخلاص التام والحب الصادق وعلى الطاعة والتسليم والإسلام والإستسلام لله تعالى...وإذا أردنا أن نلخص ونصف تلك العلاقة بين محمد وربه في كلمة واحدة فلن نجد أفضل من كلمة الإسلام...نعم لقد كانت هذه العلاقة إسلاماً كاملاً لله...وهذا هو نوع العلاقة التي يريدها الله بينه وبين عبادة جسدها محمد من قبل البعثة...فأراد الله أن يعممها للناس جميعاً فأرسله بها كدين وما الدين إلا تحديد لشكل العلاقة بين الله وعباده...وأسماه الإسلام تلخيصاً لنوع هذه العلاقة التي بدءها إبراهيم (ع) وسار على نهجها الأنبياء من بعدها ثم أكملها وأتمهها وأداها محمد (ص) على أتم وأفضل وأطهر وأكمل صورة...وكأن الله يريد أن يقول لعباده...من أراد منكم أن يكون له دين معي...أي يكون على علاقة معي...فإن هذه العلاقة يجب أن تكون إسلاماً كاملاً كما بدأها إبراهيم الخليل (ع) وختمها محمد المصطفى (ص) على نفس القواعد والأساس.  أما من ينبغي غير ذلك نهجاً في العلاقة فلن يُقبل منه.  "إن الدين عند الله الإسلام" , "فمن إبتغى غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه".  فعلاقة محمد بربه قبل الإسلام كانت إسلاماً.  حبه الله فختار محمد ليعمم تلك الرسالة ويجعلها نهجاً وديناً للناس أجمعين.  من كان يريج الله يسير عليه وجعل محمد رسولاً ونبياً للإسلام يجعو إليه وينشره لأنه مارسه بالفعل وأتقنه وأخلص فيه فكان أحق من يوكل إليه مهمة تبليغه ونشره للناس جميعاً بعد أن تممه الله بالأحكام والأيات والشرائع والفرائض والحدود والكتاب.  وما من نبي إلا ودعى للإسلام منهجاً للعلاقة بين الخلق سبحانه وتعالى وخلقه وديناً يعبدون الله على أساسه وملة وشريعة سمحاء يرضى الله عمن يتعبد إليه من خلالها وعلى نورها ونهجها.

 

والأن لنلقي نظرة سريعة على الحالة والصورة العامة التي كانت سائدة حتى لحظات قبل تلك اللحظة الحاسمة التي توشك أن تحل لتغير مسار الحياة والتاريخ والإنسان والمخلوقات كلها والكون برمته.

 

الأرض مملوءة ظلماً وجوراً وفساداً وسفكاً للدماء وحروباً وصراعات بين بني البشر.

الحياة أصبحت جحيماً لا يطاق بعد أن غلبت عليها المادة ومال الإنسان إلى سفليته وحكم شهواته وأهوائه وأطماعه ولم تعد للقيم والمبادئ والخلق والرحمة مكاناً بين الناس.  فالحياة كالغابة أو ما أشبه.

الإنسان أطلق لشهواته العنان بغير كابح ولا جامع وطفى وأستكبر والقوؤ فيه يأكل الضعيف ، والملك يدوس على رأس المحكوم والمقهور ، والعدل مفقود والظلم سائد والأثرياء والمترفين قلة قليلة مفسدة والفقراء والمحرومين كثرة كاثرة مشلول والفوضى هى العادة.

الأديان كلها مالت إلى الشرك والوثنية وعبادة البشر والأصنام وقد أكلتها الأهواء والخرافات وطمسها الجهل والإنحراف والتضليل في كل بقاع الدنيا.

 

اليهودية حرفت دينها وكتم أحبارها الحقيقية عملاً لمصالحهم.  اليهود مشتتون في الأرض مفسدون حاقدون ماديون ولكنهم بنفس الوقت يدعون بأنهم شعب الله المختار وأنهم أحباء الله...وأنه ليس هناك دين حق غير دينهم...وهم شوهوا دينهم وقتلوا الأنبياء وشوهوا سيرتهم الطيبة الطاهرة وجعلوا الدين حكراً عليهم ولهم فقط...وهم ينتظرون ظهور نبي يعلمون أنه قد أظلهم زمانه ويجدوه مكتوبأً عندهم ويعتقدون بأحلامهم وأوهامهم بأنه سيأتي لهم بالنصر من الله ويسودون الدنيا ويسيطرون على العالم ويحاربون تحت رايته وهن ينتظرون ظهوره من بينهم أي من بين بني إسرائيل (يعقوب عليه السلام).  وهم يمقتون النصارى ويفاخرون بأنهم قتلوا نبيهم المسيح (ع).  والنصارى شطحوا فضلوا وأضلوا وعبدوا نبيهم عيسى (ع) من دون الله وقالوا الكلمة العظيمة ودعوا لله ولداً كذباً وظلماً وإفتراءً وإجتراءاً ، وخرجوا على أحكام دينهم وحرفوا كتابهم واتبعوا رهبانهم فقتلوهم وأغضبوا ربهم الحق وحكموا أهوائهم وابتدعوا وفصلوا الدين عن الحياة وتوهموا بأنهم فقظ على الحق وما عداهم هو الباطل وتخيلوا أنهم أبناء الله وأحباءه وناصبوا اليهود العداء وبعض علماؤهم أيضاً يعلمون بظهور نبي يجدونه مكتوباً عندهم في الكتاب وينتظرونه عسى أن يؤكد لهم أوهامهم وخرافاتهم وأكاذبيهم وتحريفاتهم...الماجوس حرفوا دين إبراهيم (ع) وعبدوا النار.  والعرب حرفوا دين إسماعيل (ع) وعبدوا الأصنام والأوثان...الكفر والشرك أصبح هو القاعدة والشيوع بأشكاله المختلفة المتعددة...والكل يمارس جهاليته وإنحرافه وكفره بكل الإخلاص والتعصب والإمعان.

 

المؤمنون الحقيقيون ثلة قليلة جداً ومحمد منهم ، تكاد وتُعد على أصابع اليد الواحدة ، مبعثرة هنا وهناك...حائرة هائمة تبحث عن الحقيقية وسط الظلمات وتلجأ إلى ربها طالبة العون والهداية داعيه وسائله إياه أن يرسل لها رسولاً يهديها إليه ويبين لها الحق من الأباطيل ويخرجها من الظلمات إلى النور وهى منتظرة ومترقبة لظهور هذا النبي من عند الله حتى تؤمن به وتسير تحت لوائه وتنصره وتتبعه.

 

والله ينظر ويسمع ويرى ويرقب...يرى الكافرين والمشركين والمغضوب عليهم من اليهود والضالين من النصارى وعباد الأصنام والأوثان الذين جعلوا مع الله إلهاً أخر...ويسمع دعاء الظالمين والمقهورين والمستضعفين والمحرومين والمؤمنين...إنه برحمته ينظر ويرقب هؤلاء وهؤلاء.  هؤلاء الذين غرتهم الحياة الدنيا وتقلبهم فيها وغرهم إمهال وإملاء الله لهم حتى ظنوا أنه غافلاً عنهم أو أنه غائباً عنهم لا يراهم أو أنه ليس موجوداً فليفعلوا ما يحلوا لهم...وهؤلاء الذين لم ييأسنوا من رحمة ربهم ولم يقنطوا من إستجابته ولم يملوا سؤاله...مهما طال الزمان وحالت الظلمة وساد الظلام وزادت الأحزان.  فإيمانهم بربهم وثفتهم به أقوى من الزمان وأقوى من الظلام وأقوى من الأحزان.  و هاهو محمد من هؤلاء المؤمنين الصادقين المخلصين في هذه اليلة القدرية يدعو ربه ويتهجد إليه ويدعوه وسط هذا الظلام الحالك في داخل هذا الغار الصغير...غار حراء..في قلب الجل في صحراء مكة في وسط اليل والكون سكون تام حوله...والله سميع عليم قريب مجيب ورحمن رحيم.

 

وهذا الحال يذكرنا بنفس الحالة التي كانت سائدة قبل أن يكلم الله موسى (ع) ويُنبئه.  فبني إسرائيل كانوا لقرون كويلة مستعبدين في مصر...يسومونهم فرعون سوء العذاب يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ويسخرهم عبيداً عنده في أشق الأعمام...المؤمنون منهم يدعون ربهم ليلاً ونهار ليخرجهم من هذا العذاب وتلك القيود ويحررهم من العبودية ويرسل لهم رسولاً وقائداً يقودهم إلى خارج هذا الجحيم...وهو يتوقعون قرب ظهور هذا النبي من كتبهم...ويمر سنين وسنين والمؤمنون لا ييئسون من دعاء ربهم والظلمة تشتد وفرعون يطغى ويعلوا ويتجبر في الأرض أكثر وأكثر.  وأحد هؤلاء المؤمنون المستضعفون الذين يتوجهون إلى الله ويدعوه لينقذ شعبه المستضعف من العذاب والهوان كان موسى (ع).  وفجأة تتنزل رحمة الله في لحظة قدرية...وأيضاً في وسط الصحراء القاحلة وفي وسط اليل المظلم وأيضاً على قمة جبل ، ويرى موسى الناس ويذهب إليها ليأتي منها بقبس فإذا الله سبحانه وتعالى يكلمة مباشرة هناك ويعلمه أنه هو الله رب إبراهيم ويعقوب وأنه يسمع ويرى ما عليه حال المؤمنين وبني إسرائيل من البؤس والشقاء وما عليه فرعون وملائه من طغيان وإستكبار وأنه إختاره ليكون النبي والمُخلص المنتظر ليتصدى بقوة الله لفرعون وجنود  ويخرج قومه من ذل العبودية إلى عز طاعة الله ومن الفقر والهوان إلى الملك والإستقلال والسيادة وأنه أذن بإنتهاء عهد الظلمة والقهر والإستبداد ليسود الحق وتعلو كلمته وتملاء الأفاق ويرى الإنسان أن الله هو الإله الواحد الخالق الحق القوي لا شريك له وأنه وحده الأجدربالعبادة لأنه رب العالمين.

 

وسُنة الله واحدة...ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً...ومرة أخرى وفي ظرف مشابه وبعد مئات ومئات السنين يتكرر الموقف تماماً وأوجه الشبه واضحة لكل الإنسان ومرة أخرى يأذن الله تعالى في أن تتنزل رحمته على الأرض وعلى المؤمنين والمستضعفين والمحرومين والمقهورين ويتنزل غضبه على الكافرين والمشركين والمزورين والمنحرفين والمغضوب عليهم والضالين والمنافقين والمستكبرين والمترفين والظالمين...الذين يريدون علواً في الأرض وأن يُعبَدوا من دون الله وبعد طول الحرمان والعناء والضلال وبعد إشتداد الظلم حتى ظن أنه لا نور سيأتي.  فجأة يأتي النور والضياء ليبدد الظلام ويملأ الأرض علماً ويُنير الطريق ويُحق الحق ويُبطل الباطل ويضع كل شئ في محله وحجمه ويشرع ويقنن ويحدد ويُبيِن ويهدي إلى صراط مستقيم ، ولكنه كيف أتى؟  أتى من نحيث لا يتوقعه أحد وهذه أيضاً سنة الله دائماً  فمن كان يتوقع أن موسى (ع) الهارب المطارد المستضعف سيكون نبي الله المختار والقائد المنتظر لتحرير بني إسرائيل؟  ومن كان يتوقع أن يكون طالوت هو الملك المنتطر لهزيمة الجبابرة ومن كان يتوقع أن يقتل داود الشاب الفقيرجالوت الملك المارد العملاق؟

 

لقد إختار الله هذه المرة عبده المؤمن المخلص الصادق محمد ذو القلب السليم العابد في داخل الغار في قلب الجبل وسط الليل ليكون النبي المنتظر والمتوقع ظهوره ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور وليهدم قواعد الشرك والكفر والظلم والإستكبار والفساد والنفاق وليكون حامل أخر رسالة سماوية من الخالق العظيم إلى الناس وإلى الإنسان في كل زمان ومكان حيث لا يكون نبي ولا رسول بعده إلا الساعة فقط يترقبها الناس انتهى بعد ذلك عهد ترقب وانتظار الأنبياء ولم يبقى إلا ترقب ظهور الهادي المنتظر والوصي مِن بقية أل محمد ليكون حجة الله القائم بأمره ليعيد ميزان العدل إلى الأرض ويملأها نوراً وقسطاً وعدلاً وإنصافاً وإيماناً ويُحي رسالة جده خاتم الأنبياء والمرسلين (ص).

 

لقد إختار الله محمد لرسالته من دون القلة المؤمنة المبعثرة...وقد علمنا لماذا فيما سبق.  والله يختار ويصطفي من يشاء والله يفعل ما يريد.  ولكنها العلاقة الخاصة بين محمد وربه التي سبق أن أشرنا إليها وإنه قلب محمد المحب المخلص تماماً لله والصافي من كل رذيلة ودنس وشرك وخلقه الفاضل الكريم ونفسه الهادئة المطمئنة وروحه النورانية والمتعلقة بربها الحق والسامية نحو خالقها وكيانه الذي شغلته عبادة ربه عمن كل شئ وأي شئ حتى دفعه لترك الأهل والبيت والراحة والأخلاء والتجارة والخروج إلى بطن هذا الجبل الموحش داخل هذا الغار المظلم وسط الليل ليعبد ويتهجد ويناجي ويدعو ربه.  لقد رأي الله خُلق محمد وتواضعه ومحبته وإخلاصه له فاختاره على من عداه كما اختار الأنبياء من قبله والله يعلم أي أرض صالحة ليضع فيها رسالته كي تُنبت وتُثمر وتُعم الخير والفضل وتأتي ثمارها المرجوه بإذن ربها...وهكذا اختار الله محمد دون الخل ودون المؤمنين ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين وليحمل الإسلام الرسالة الخاتمة من الله إلى بني البشر أجمعين.

 

ويأذن الله بفضله ورحمته التي ادركت الدنيا والإنسان والكون وفي ساعة الصفر المحددة منذ أن خلق الله السموات والأرض ، تتفتح السماء فجاءة وتتنزل الملائكة والروح الأمين جبرائيل (ع) أمين وحي الله على رأسهم لأول مرة منذ رفع عيسى (ع)...ومحمد مشغول بعبادة ربه ودعائه ولا يدري ولا يعلم من الأمر شيئاً.  لا يعلم بتشريف وتكريم الله له بإختياره وإصطفائه على كل البشر ليكون نبيه ورسوله الخاتم...ولا يعلم بالمسؤلية الكبرى والرسالة العظيمة التي توشك أن تقع على عاتقه...ولا يعلم بالجهاد الأكبر والشرف العظيم الذي ينتظره والذي يُوشك أن يلاقيه!