كان الوقت منتصف الليل تقريباً...والهدوء والسكون يخيم علی كل شئ في المنطقة المحيطة بمبنی الإذاعة والتلفزيون.  الجو متوتر ، والهواء مملوء برائحة العادم وروئح أخری كريهة...ولا يوجد أحد ولا أثر لأحد ، اللهم بعض الجنود المسلحون هناك وهناك يتحركون ببطء وملل ، وبتوتر ملحوظ مصحوب بشئ من اللامبالاة ، وكأنهم إنسان آلي أو “روبوت” معدوم الحياة والإحساس ، ولكنه ينفذ حرفياٌ ما يوجه له...

 

كان المفروض أن نجري حوارنا مع الدبابة في المعسكر...ولكن عندما توجهنا إلی هذ المعسكر...أُخبِرنا بأنها ، أي الدبابة ، خرجت في مهمة عاجلة طارئة ، وأنها موجودة الأن حول مبنی الإذاعة والتلفزيون ، ويمكننا أن نجري الحوار معها هناك وهی تؤدي مهمتها ، ولكن بعد منتصف الليل حيث يكون الهدوء تاماً والمهمة أُكملت والأمور تحت السيطرة.

 

إقتربنا من الدبابة بعد أن سُمِح لنا بذلك بعد تردد وريبة وتدقيق شديد.  كانت تقف بجوار المبنی علی رأس أحد الشوارع المؤدية إليه شامخة ترفع أنفها...عفواً...أقصد مدفعها عالياً...وهی صامتة صمت المتكبر الذي يشعر في داخله أنه المسيطر علی مقاليد الأمور وفي يده زمام الحل والربط.  كان حديدها يلمع تحت الأضواء ، وعلی جنزيرها أثار دماء ، وفي ملامحها تحدٍ وكبرياء ، وتفوح منها روائح الصلب والبارود تكاد تسمم الهواء.

 

وقفنا أمامها وإستجمعنا شجاعتنا ثم دار بيننا الحوار التالي:

 

 

الكاتب:

          لست أدري هل أقول صباح الخير أم السلام عليكم؟!

 

الدبابة:

          لا هذا ولا ذاك ، فإن قلت "صباح الخير"...قلت لك أسفه ، فأنا لا أضمن لك أن الصباح سيأتي بخير ، وأنت تری ما هو عليه الحال الأن....وإن قلت "السلام عليكم" ، قلت لك أولا ً أنني أداة حرب وقتل ولا شأن لي بالسلام ولا أنا صنعت من أجله.

وثانياً وهذه نصيحة مني لك “السلام عليكم” كما أعرف هی تحية الإسلام والمسلمين ، ومن مهامي الأن كما أفهم من الأوامر التي تصدر أن أحُدَّ من الإسلام وأتصدی للمسلمين ، ومن أجل هذا أنا هنا الأن ، ولذا فليس من مصلحتك أن تُلقي هذه التحية ، وإلا فلا أدري فلربما يصدر لي الأمر فجأة بأن أسحقك لقاء ذلك ، ولن أملك وقتها إلا أن أنفذ فيك الأمر...فخذ حذرك وكما قالوا فاللجدران أذان.

 

الكاتب:

          شكراً لنصيحتك ، ويبدو أن الحوار معك سيكون ممتعاً.  والأن لنبدأ فوقتك ضيق علی ما يبدو ، والجومتوتر وأنت في لحظات عمل الأن.  إسمحي لي أولا ً بأن أسألك...لماذا أنت هنا الأن...وسط الشوارع وفي قلب المدينة وبين وأناس عاديين...والمفروض كما أفهم أن مكانك الطبيعي هو في المعسكرات الخاصة خارج المدينة وقت السلم ، وفي ميادين القتال وساحات الحروب وقت الحرب...إننا نستفسر فقط ، ولكِ مطلق الحرية في أن ترفضي الإجابة.

 

الدبابة:

          أعتقد أن هذا السؤال يجب أن يُوجه أساساً لمن أتوا بي إلی هنا فأنا لم أتي من تلقاءِ نفسي...ولكن لا مانع من أن أحاول أن أجيبك علی قدر علمي وعلی قدر ما أری وأُلاحظ...فأنا أعلم أنك لا تستطيع ولن تتمكن من طرح هذا السؤال علی من يجب أن يُطرح عليه...أقول لك بصراحة أن هذا المكان فعلا ً ليس مكاني الطبيعي ، ولذا فلا أخفي عليك أنني أشعر بعدم إرتياح وبغربة ولا تعتقد أنني جماد وليس لي مشاعر ، فإن لي مشاعر لربما أكثر من بعض البشر أنفسهم ، الذين يفاخرون بأنهم أهل المشاعر والأحاسيس فقط...إنني هنا يا سيدي لأنه توجد إضطرابات علی ما يبدو بين الشعب ، وأنه يتململ من حكومته وحاكمه ويريد التغيير ، ولا أدري بالضبط ما هی الأسباب...ونظراً لأنني أداة في يد الجيش الذي هو خادم للحاكم والحكومة ، ويلتقی الأمر منهم...فلقد صدرت إلي الأوامر لأتحرك وأدخل المدينة ، وأسحق المعارضين والمتململين والرافضين ، وأُدخل الرعب في قلوب المتخوفين والمترددين والمؤثرين السلامة...وإستعرض ما بيد الحكومة والحاكم من قوة...وعضلات أمام رجل الشارع والعامة وبذا أُخيف الجميع وأرسخ السلطة ، وأثبت أن الحكومة تستطيع أن تفرض سلطتها وهيبتها علی روؤس العباد ، قبلوا بذلك أو رفضوا ، أطاعوا أم كرهوا.

 

الكاتب:

          شكراً لصراحتك...ولكن أخبريني بالله عليك كيفِ تشعرين وأنت تواجهين أُناسً عُزّل ، لا سلاح معهم ولا قوة ، ولا يعرفون كيف يواجهك أو يواجهوك أو حتی يفرون منك...أُناسٌ بُسطاء وشعب مطحون ، أعياه المرض والجهل والفقر والهم والحُزن ، وطحنته السنين ، وسحقه حكامه علی مر الأزمان...كيف تشعرين وأنت تواجهين هؤلاء بكل قوتك وفولاذيتك وناريتك وهديرك وأحيانا...وأستمحيك عذراً في هذا...عدم رحمتك وقسوتك...إنها معركة غير متكافئة ، وصراع غير عادل ، مواجهة غير متوازنة...وتعطيك صورة غير حقيقية وغير واقعية ، فإنك تظهرين بمظهر القوي القاهر المنتصر ، لما؟ لأنه لا يوجد من يواجهك...ولكن هل هذا هو واقعك الحقيقي وصورتك عندما تواجهين بما يماثلك من قوة وجبروت...إننا نراك في ميادين الحروب بصورتك الحقيقية...منتصرة تارة ، ومهزومة ٍ وذليلة تارة أخری...شامخة وسريعة ومدفعك في السماء أحياناً ، ومحروقةٍ ومدمرةٍ ومدفعك هاوياً منكسراً أحياناً أخری.

          هذه هی صورتك وقوتك الحقيقية إذا وُجهتي بمثل ما أنت عليه من قوة أو من هو أقوی منك...وأرجو ألا يغضبك حديثي فإنها ملاحظة واقعية...فمن يأتي بكِ إلی هنا إذن يريد أن يضغي عليك صورة مزيفة غير حقيقة ويخيف بك خدمة لمصالحه وأغراضه ، تماماً كمن يريد أن يصنع بطلا ً وهمياً ، ووحشاً خرافياً ، ومجرماً أسطورياً ، ليحقق به أهدافاً معينة ، فيقيم له عروضاً وأفلاماً ودعايات ، يبارز فيها جرذاناً أو أرانب ، وضعفاء أو معوقين بدنياً أو عقلياً ، ويتحدی فيها من هم أقل منه قوة وبطشاً ، فيبرز في غير صورته الحقيقة ، ويصبح وهماً يتخوف الضعفاء منه ، ويعمل له السذج ألف حساب.  فما هو شعورك وأنت تُساقين إلی هذا الموقف...وتجدين نفسك في مثل هذه المهزلة ، حتی وإن كنتي أنتِ من يُصنع منه بطلا ً وهمياً ووحشاً مخيفاً؟! وهل كنت ستكونين في هذه الصورة المفتعلة المكبرة لو كان أمامك وضدك دبابة أكبر وأقوی منك ، وفوقك طائرة هادرة ستنقض عليك ، ولا تدرين من أين سيأتيك الصاروخ الذي قد يطيح بكِ ويقضي عليك وهو يتطاير من حولك؟  أرجو أن يتسع صدرك للنقاش والحوار ، ونحن نعرف أن بعض الجمادات أوسع صدراً ، وأقدر علی تقبل النقد والرأي الأخر من بعض البشر أو معظمهم.

 

الدبابة:

          إنني أتفهم  رأيك ومنطقك...مرة أخری أقول لك إن هذا الحديث يجب أن يوجه إلی من يسوقني ويوجهني...ولكني أعترف أمام الله ، طالما أنك سألتني ، أنني أشعر بالخزي والمهانة وأنا في هذا المكان ، أؤدي هذه المهمة المشينة...فالمكان ليس مكاني ، ونحن أدوات الحرب صُنعنا من أجل القتال والنزال ، والفروسية والتحدي ، والبطولة جزئ من تركيبتنا وذاتنا ، ولا نشعر بذاتيتنا إلا في ساحات المعارك والمواجهة...إذا إنتصرنا إفتخرنا ، وإذا إنهزمنا إحترقنا ، ولذا فوضعنا في هذا المكان أمام هؤلاء العزل الضعفاء ، حيث لا عدو مثلنا نواجهه ، وليس هناك تحدي نخشاه ، هو إذلال لنا ، وإنتقاص من قدرنا ومن فروسيتنا...ولو سألت الطائرة والمدرعة ، والمدفع والبندقية والصاروخ ، لقالوا لك نفس الكلام ونقلوا لك نفس الأحاسيس...ولا تنسی يا سيدي أنكم معشر البشر صنعتمونا ، وسخرالله حديدنا وبأسنا لكم...فليس لنا خيار إلا أن ننفذ أوامركم ورغباتكم ، برغم من مشاعرنا وأحاسيسنا...ولو أعطانا الله حرية التمرد والرفض ، لا ستدرنا أولا ً علی من أتی بنا إلی هنا ، وسحقناه سحقاً ، جزاءً له علی إذلالنا وإمتهاننا ووضعنا في هذا الموقف المُشين المعيب.

 

الكاتب:

          لي سؤال أخر...ما هو موقف من يقودك ، وما هی أحاسيسهم ، فأنت قريبة منهم وأدری بهم... وأنا هنا لا أقصد من يوجهون الأوامر العليا بتحركك من حكام ظلمة ، وحكومات إستبدادية ، وقادة عسكريون بلهاء ، فاسدون الضمائر ، وفاقدون العقول والرشد والألباب ، وعديمي المشاعر والأحاسيس ، ولكن أقصد الجندي أو الجنديين أو الضابط ، الذين يقودوك بصورة مباشرة ، ويتولون أداء هذه المهام القذرة المهينة المشينة المعيبة كما وصفتها أنت.

         

الدبابة:

          لا أدري ما أقول لك...فإن أسئلتك تمس قلبي وإن كان من حديد وفولاذ.  إن هذه النقطة بالذات مشوشة لدي ، ولا أفهمها..فمن يقودونني هم أُناس بسطاء وهم مسلمون أيضاً أحياناً ، وهم في معظم الأحيان طيبون القلب ، وعندما ينزلون من فوقي ، ويرتدون ثيابهم العادية ، لا أكاد أُميز بينهم وبين من أتصدی له وأقهره الأن ، ولربما يكون من أتصدی له وأخيفه وأحياناً أقتله أحد أباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم أو جيرانهم أو أقاربهم ، بل ومن المؤكد أنهم أحد هؤلاء.  ولربما يكونوا هم أنفسهم ، عندما يعتزلوا الخدمة العسكرية ، ويعودوا لصفوف الناس العاديين ، في زمن اخر ومكان أخر ، ولكن المهمة هی نفس المهمة...وسوف يجدونني تحت قيادة أخرين  جاءوا من بعدهم...أتصدی لهم أنفسهم وأسحقهم وأمارس معهم نفس الدور الذي قادوني فيه ، ولكنهم سيكونون الضحايا هذه المرة...ولكنهم مع الأسف لا يفهمون هذا...وكل ما يهمهم هو تنفيذ الأوامر العليا ، كما تربوا في معاهدهم العسكرية علی مختلف رتبهم ، دون تفكير أو مراجعة أو رفض وإعتزال علی الأقل ، وهذا أضعف الإيمان.  إنني أشعر أحياناً أنهم متوترون أثناء هذه المهام الشاذة...وأحياناً أشعر أنهم غاصبون ورافضون في داخلهم ، ولكنهم لا يستطيعون أو أضعف من أن يُظهروا ذلك...وأحياناً أخری ، وهذا هو الغالب ، أشعر أنهم غير مبالون ، أو مخدرون أو منومون مغناطيسياً ، أو أنهم فولاذ مثلي ، ولكن مع فرق ، فأنا لي مشاعر ولو بمقدار ، أما هم فلا...وأنا سخرني الله الخالق العظيم للبشر ، وجعلني في طاعته ، وجعل الإنسان خليفةً علي...أما هم فلم يسخرهم الله لأحد ، ولم يُخضع إرادتهم لأحد ، إلا هو وحده ، وحتی تجاهه ، أعطاهم حرية إختيار طريق الإيمان أو الكفر ، ولذا فأنا لي عذر ، أما هم فلا عذر لهم.  سأحكي لك مثلا حادثاً وقع ظهر اليوم ، قبل عدة ساعات ، لتحكم بنفسك علی الحيرة التي أنا فيها..كانت الساعة بعد الواحدة ظهراً ، وكنت أسير في طريقي إلی هذا المكان مع دبابات أخر ، ثم فوجئنا بحشدٍ بشري أمامنا يقطعون الطريق علينا ، ويهتفون ويرفعون لافتات ، وبعضهم يقول الله أكبر ، حتی أن فولاذي إرتعد لذكر الله ، وأخذ يُسبح معهم...وتوقفنا بعض الوقت حتی تصدر الأوامر ماذا نفعل...وفي فترة التوقف سمعت أحد الطاقم الذي يقودني ، يدعوا الله ألا يصدر أمر بإطلاق النار علی هؤلاء الأبرياء...أما الأخر فكان يتفحص وجوه المتظاهرين لأنه من نفس المنطقة السكينة ، ويبدو أنه يعرف الكثير منهم ، ولمحت في عينه نظرة خوف...ثم سمعت الضابط القائد يتمتم ، برغم حرصة ألا يسمعة أحد ، وهو يقول أنه يكره أن يكون في هذا الموقف ، وفي هذا المكان ، ويتسأل ، هل سينفذ أمر إطلاق النار علی هؤلاء المساكين العُزل أم لا ، ويستجمع شجاعته للرفض إذا لزم الأمر...ثم بعد فترة التوقف ، جاء الأمر عبر اللاسلكي من القيادة المجنونة بأن نتحرك في طريقنا ، حتی ولو سحقنا هذا الحشد تحت جنازيرنا ، وأن نلجأ لإطلاق النار إذا لزم الأمر عليهم مباشرة.  وما أن صدر الأمر حتی وجدت الضابط أو قائد المجموعة التي تُوجهني والجنديين أفراد الطاقم ، ينسون كل شئ ، ولا يصبع لهم هَم إلا تنفيذ الأمر وكأنه أمر الخالق العظيم...وتعجبت ، إين ذهب القلق والتردد ، والرغبة في الرفض ، والتمرد والدعاء وما إلی ذلك.  وأُدير محركي وهدرت وبدأت في التحرك ، ونسي الجنود والقائد أنفسهم ، وتصوروا أنهم في ساحة معركة حقيقية ، وبدأت جنازيري تقترب من الناس ، الذين بدءوا يرشقوني بالحجارة ، والتي لم تكن تؤثر علي بالطبع ، ولا علی مسيرتي ، ثم وقف الناس صفاً أمامي ، وهم يحملون لافتةً كبيرة ، كتب عليها "الله أكبر" ، "لا إله إلا الله" وكاد مُحركي أن يتوقف ، لعظمة الكلمة ، ولكن السائق أراد من السرعة ، بأمر من الضابط القائد ، الذي فوجئت به يأمر الجندي الأخر ، بأن يفتح نيران رشاشتي علی هؤلاء المؤمنين البسطاء ، الغير مسلحين...وتصورت للحظة أن الجندي سيرفض ، وتعجبت كيف يُصدر هذا الضابط هذا الأمر ، الذي لم يطلبه منه أحد في هذه اللحظة بالذات ، ولن يُحاسبه أحد إن لم يصدره ، ولا حاجة له أصلا ً ، وهو نفسه الذي كان يتردد منذ لحظات ، كيف يُمكن أن يتصدی لأهله وقومه!  ولكنه أصدر الأمر...ولم يتلبث ، أو يتردد الجندي في تنفيذه ، ففتح نيران رشاشتي علی القوم ، ولولا تسخير ربي ليّ لإبن أدم ، لما جرأت أن أفعل ذلك ، علی قوم يحملون ويرفعون إسم ربي وخالقي عالياً ، وكيف أفعل ذلك ، وأنا أُسبح بإسمه في كل لحظة وآن ، ولكنكم لا تفقهون ذلك ولكني مُسخرة ، وفتحت النار ، وتساقط الأبرياء كالذباب أمامي ، قتلی ومصابين ، ولم يكتفي الضابط القائد بذلك ، بل أمر أن أشُق طريقي علی أشلاءهم ، ونفذ الجندي السائق الأمر...ومرة أخری ، لم يكن لي الخيار ، ولو كان لي لسحقت أعداء رب العالمين سحقاً ، ولكنها إرادته وأمره ، وهو الخالق العظيم ، وله في ذلك حكمة...وسرت بجنازيري الثقيلة فوق الأجساد ، منها القتيل ومنها المصاب ومنها السليم...وتمزقت الأجساد ، وتفجرت الدماء ، وصعدت الأرواح الطاهرة إلی ربها راضيةً مرضية...وسقطت اللافتات التي تحمل إسم الله علی الأرض ، وتقطع قلبي الذي هو من فولاذ ، لهذا المنظر البشع ، وبكی حديدي ورشاشي وبكت مدافعي وجنازيري...ولكن الطاقم لم يشعر بذلك ، لأنهم محجوبون ، ولا يرون إلا ما هو أمام أبصارهم القاصرة فقط ، وبدءت ألعنهم في ذاتي ، وألعن من أمَرهم ، ومن هو مسئول عن هذه الدماء الطاهرة البريئة ، وتستطيع أن تری بنفسك أثار دماء الأبرياء ، المؤمنين الطاهرين ، فوق جنازيري وفولاذي...ثم بعد أداء هذه المهمة ، ووصولنا لهذا المكان ، أثني الضابط القائد علي جنوده ، وطاعتهم للأمر ، وأثني عليه قائدة الأعلی ، عبر اللاسلكي ، علی طاعته العمياء ، وتطوعه بإبادة الأبرياء ۔ ووعده بتقارير حسنة وترقية سريعة ، ولو كان المسكين يعلم ما تحمله ، وحمله للأخرين من إثم أمام الله ، للعن نفسه ، واليوم الذي وُلِد  فيه ، ولقتل نفسه غماً كمداً ، ولكنه لا يعلم ولا يؤمن. ثم بدأ الطاقم يوزعون الشاي ، ويرتاحون ، بعد أن إنتصروا في معركتهم ، وشعرت منهم بالخيلاء ، أو الكبر لأنهم المسيطرون ولا يقف أمامهم أحد ، ثم فوجئت وذهلت عندما وجدت الجندي الذي أطلق نيران رشاشتي قبل ساعة علی المؤمنين ، يسأل رفيقه ، إذا كان العصر قد أذن أم لا ، لأداء صلاة العصر. وإذا زميله الذي قادني علی أشلاء الناس وقطع أجسامهم بجنزيري يقول له إن الوقت لم يحن بعد ، لأن ظل الشئ لم يُصبح مثليية تماماً ، وأنه سيُصلي معه العصر جماعة عندما يحيين الوقت ، بعد إستئذان الضابط القائد طبعاً ، وبعد التأكد من أن هذا العمل ، لن يؤثر علی التقارير أو الترقيات ، أو المنافع الأخری المنتظرة. هذه هی القصة ، وسأترك لك الحكيم عليها ، وفي هذا إجابة سؤالك.

 

الكاتب:

          لا حول ولا قوة قوة إلا بالله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون...ولكن سؤال أخر لو سمحت : لماذا أُختير لكي هذا المكان بالذات حول مبنی الإذاعة والتلفزيون؟

 

الدبابة:

          علی حسب ما أری وأسمع ، وما يمر علی من أوامر ومعلومات ، فإن هذا هوأهم مكان بالنسبة للحكومة والحاكم...وهذه لست أول مرة...فكلما حدث قلاقل أو إضطرابات ، كان أول مكان يفكرون في حمايتة ، قبل أي شئ ، ويوجهوني إليه ، أياً كان الثمن ، هو هذا المكان فقد حدث ذلك لي مراراً من قبل...وأنت تعرف أن الناس تتبع الإعلام... تتب الإعلان ، وتتوجه به ، ولو سيطر أحد علی هذا المرفق وحده ، وأذاع بياناتٍ بنجاح ثورةٍ أو إنقلاب ، لا ختلت الموازين فوراً ، ولإنتشر التمرد ، وتشجع الناس ، وفقدت الحكومة والحاكم أهم سلاح ، وهو سلاح الخوف والتخويف...وهذا كفيل وحده بأن يُحدث موجة وحركة متتابعة ، تتزايد وتنتشر ، وتقوي بسرعة البرق ، حتی تفقد الحكومة أركانها ودعائهما ، ويفقد الحاكم ما يحكم به...ولو حدث هذا ، لإنتشر التمرد بين وحدات الجيش الأخری ، إنتشار النار في الهشيم ، وهذا أخشی ما يخشاه هؤلاء الطغاة الظالمون...فالجيش وأدواته ، أي أنا وإخواتي ، هو ما يستند عليه هؤلاء الحكام وحكوماتهم ، ولولاه لما كانوا هم ، ولما بقی لهم أثر ، ولتولی الشعب المسكين ، والأبرياء الضعفاء ، تصفية الحساب مع حكامهم الذين ساموهم سوء العذاب ،وإستحلوا دمائهم وأموالهم وأعراضهم وشرفهم وكراتهم ، ومرغوها في كل وحلٍ ، وكما قلت منذ برهة ، لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الكاتب:

          هل لي أن أسئلك عن منشأك ، ومن صنعك ، وكيف أتيت إلی هذا البلد؟

 

الدبابة:

          نعم ، بلا شك فهذا أبسط أسئلتك...إنني مصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية ، منذ خمسة عشرة سنة مضت...وكنت أصلا ً واحدة من انتاج المصنع المعيوب ، نظر لخلل في هيكلي ، ثم بقيت في مخازني ، حتی أتی مندوبون عن جيشكم ، وحكومتكم يعقدون صفقات السلاح من أمريكا ، وعٌرضت عليهم ، علی عيبي ، فقبلوا أن يشتروني ، ولكنهم طلبوا بأن يبقی الأمر في نطاق الكتمان ، وإشترطوا أن يُكتب في عقد بيعي ثمناُ أكبر من ثمني الحقيقي ، الذي دفعوه حتی يدخل فرق الثمن في جيوبهم...ثم بعد ذلك شُحنت إلی هنا ، ولكي أؤدي دوري الحقير هذا ، الذي أمارسه كل عدة أعوام ، أو عدة شهور حسب الظروف...ولكني للأن لم أشترك في قتال حقيقي أو معركة شريفة أو قضية عادلة ، ومرة أخری لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الكاتب:

          هل تسمحين لي بسؤال أخر؟

 

الدبابة:

          لا أعتقد...فها هو الطاقم يأخذ مكانه داخلي  ويبدو أن هناك أوامر وتحركات جديدة...لا يعلم مداها إلا الله ، ولكني أقول لك صراحة أنني أكرهها ، وألعنها ، ويلعنها كل جزءٍ أصم في ، لا حياة فيه ولكن فيه شرف وفروسية وعبودية لله رب العالمين...ولكنه تسخير الله ، وهو أحكم الحاكمين ، وأرجو ألا أراك بين صفوف الأبرياء ، لأنني لا أريد أن أسحقك رغماً عني ، وأقتلك دون إرادة مني ، ولا حتی أستطيع أن أُلقي عليك السلام الأن ولا أن أعدك وشعبك به ، وما أنا إلا أداة ، لا أستطيع سوی أن أدعو الله لي ولكم ولكل مؤمن بيوم الحساب.

 

 

 

وكاد الفجر أن يبزغ ، وأنا أغادر المكان مسرعاً ، بعد هدرت أصوات الدبابات ، إستعداداً لتحرك جديد ، وضحايا جُدد...ونظرت إلی الشمس المشرقة ، والنور الذي بدء يملاء المكان ، وتسألت ، هل هذا هو فجرٌ وإشراقٌ جديد ، يبدد الظٌلمة ، ويقشع الظلام ، أم هو فجر عادي ، ويوم جديد ككل يوم ، يحمل معه المزيد من الظلم ، والمزيد من القهر ، والمزيد من الضحايا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين!