حورانا مع الخنزير ، كان من أثقل الحوارات وأشدها علی أنفسنا...فما أصعب أن تُجري حواراً مع مخلوق هو من أقذر المخلوقات وأبغضها إلی الله...فرؤيته ، مجرد رؤيته تثير الإشمئزاز في النفس البشرية الكريمة ، ولكنها بالطبع لا تثير الإشمئزاز في من هم أمثاله من المخلوقات الخنزيرية الطبع والطبائع.

 

وقفنا علی باب الحظيرة...وترددنا طويلا ً...أندخل أم لا!... وقد طالعتنا الروائح الكريهة الرهيبة المنبعثة منها...وتسألنا كيف يمكن أن تنبعث مثل هذه الروائح مِن كائن حي؟!!  ولم نجد مفراً من أن ندخل...فقد كان لا بد وأن نقتحم هذا العالم الخنزيري...لنتعرف عليه أكثر...ونكشف بعض من صفاته وخباياه وأحواله...ودفعنا الباب برفق وحذر...وأخذنا خطواتنا الأولی في داخل الحظيرة ، وما أن وقع نظرنا علی هذا العالم...حتی كدنا فوراً أن نرجع علی أعقابنا لولا رغبتنا في أن نكمل ما بدءناه مهما كانت الصعاب والمعاناة.

 

المشهد بإختصار...قذارة تملاء كل مكان...وأكوام من القمامة والفتات موجودة هنا وهناك...وأعداد لا يمكن حصرها من الخنازير ترتع في هذه الأكوام...تأكل وتشرب وتتنفس من هذه الأزبال...وتتمرغ فيها وكأنها تغتسل وتستحم بها...ولا تكاد تشعر بما حولها...والقمامة هی كل همها...حتی شكلها أصبح وكأنه جزء من الزبالة...لا بل هو أسوأ كثيراً حتی من القمامة.  الذباب في كل مكان بأعداد...تكاد تخفي كل شئ بالسواد... والرائحة وما أدراك ما الرائحة...أفظع من هواء المدبغة...وأسوأ من فتح مقبرة...

وأقبلت قطعان من الخنازير نحوي...تُصدر أصواتاً تؤذي الأسماع ، كما أن أشكالها تؤذي الأبصار...تهتز بخطواتها المنفرة ، وتتخبط في بعضها بطريقة منكرة ، في عينها بلاهة ولا مبالاة...تظنني أتيت بمزيد من الفتات...لا تُبالي إن كنت عدو أو غريب أو ثقاة...المهم فقط ...هل معك فتات؟!!...

 

ولما رأت أن ليس معنا شئ...تولت ولم تبالي بشئ...إلا واحداً منها أخذ يدور هنا وهنا وكأنه يبحث عن شئ...ويدس أنفه القمیُ في الأرض ويتشمم ويرفعه بلا شئ...وجدنها فرصة...فأغلقنا أنوفنا...وتوّهنا أبصارنا...وأخذتنا إليه أقدامنا...وبدءنا معه حوارنا...

 

الكاتب:

          أتسمح لنا بحوار معك أيها الخنزير؟!

 

الخنزير:

          (ما يزال يبحث في الأرض ويتشمم ولا يبالي) ...حوار...وما الحوار...هل معك فتات؟ ...هل معك أزبال؟

 

الكاتب:

          الحوار...هو كلمات نتبادلها أنا وأنت...تحمل الأفكار...وتوصف الأحوال بالأقوال...وتكشف المستور...ويفهمها كل ذي بال...

 

الخنزير:

          (ما زال علی نفس الحال) ...أفكار!...كلمات!...أين الفتات؟!...أحوال!...أقوال!...ذي بال!...أين هی الأزبال؟!

 

الكاتب:

          لقد بدء صبري أن ينفذ...إن الفتات والأزبال حولك في كل مكان ، فماذا تريد؟

 

الخنزير:

          المزيد والمزيد...أكثر وأكثر..فتات أكثر...وأزبال أقذر...

 

الكاتب:

          ألا يكفيك كل ما حولك من أقمام وأقذار...ونفايات أرتال؟!

 

الخنزير:

          لا...ليس يكفي...وهل الحياة إلا نفايات!...وهل الدنيا إلا فتات!..وهل نعيمها وجمالها إلا المزيد من الفتات.

 

الكاتب:

          هل هذه هی رؤيتك للحياة والدنيا والجمال؟!

 

الخنزير:

          ليست رؤيتي وحدي...ولكنها أيضاً رؤية الإنسان...

 

الكاتب:

          الإنسان!!  عن أي إنسان تتحدث؟!

 

الخنزير:

          أي إنسان...وكل إنسان...الدنيا حظيرته...ومتاعها قمامته...

 

الكاتب:

          كيف هذا؟  هل لك أن توضح أكثر؟

 

الخنزير:

          الإنسان يقضی حياته سعياً وراء متاع الدنيا...ومتاع الدنيا مأله في النهاية إلی النفايات...فالحياة عند الإنسان هی النفايات...ومتاع الدنيا هل هو بالنسبة لما عند الله في الأخرة إلا فتات...فالدنيا عند الإنسان هی فتات... وتستطيع أن تفهم كلامي إن كنت تفهم في الرياضيات...

 

الكاتب:

          نعم أستطيع الأن أن أفهمك...ولكن هذا حال فريق من الناس يعيش حياة خنزيرية مثلك.

 

الخنزير:

          إنهم الأكثرية والكثرة...والكل تقريباً بإستثناء الصفوة...والحكم بالأكثرية الكاسحة وليس بالقلة والندرة.

 

الكاتب:

          عما تبحث الأن ، علنا أن نساعدك...؟

 

الخنزير:

          عن قطعة من الخبز متعفنة...سقطت منذ مدة...أُحبها وليَ فيها شهوة ورغبة...

 

الكاتب:

          ولِما تُتعب نفسك كل هذا التعب وتُضيع وقتك ، والأزبال أمامك وفيها الكثير من الخبز والعفن؟

 

الخنزير:

          تعب...لا...إن متعتي هی في البحث عن كل عفن...ووقتي يضيع إن لم أفتش فيه عن النتن...فالبحث عن الفتات هو المتعة...وليس الفتات نفسه ، ورؤية وتملك المزيد هو الشهوة...وليس فتات بعينه...

 

الكاتب:

          هل أنت جائع؟

 

الخنزير:

          إنك لا زلت لا تفهم...المسألة ليست جوع ، بل هی رغبة...ولذا تجدنا طوال اليوم نفعل العمل نفسه...

 

الكاتب:

          ولكنا نعرف أن أي حيوان لا يأكل إلا إذا جاع!!

 

الخنزير:

          إلا نحن يا سيدي...فنحن نأكل حباً في البحث في القمامة...ولا نشبع حباً في المزيد من الزبالة...

 

الكاتب:

          ألا تتأذی أنفسكم من هذه الروائح الكريهة والجبيثة؟

 

الخنزير:

          أين هی هذه الروائح الكريهة؟  إنني لا أشم إلا كل رائحة جميلة. فأنفك تشمّها خبيثة لأن الله رفعك فوقي...وأتاك الحقيقة...أما أنا فأخزاني...وتلك حكمته...وأعماني عن الحقيقة...فرحت أری القُبحُ ورداً...ورحت أشم الخبيثَ عطراً...وجعلني الله لكم مثلا ً.

 

الكاتب:

          ولكن لما تأكل أي شئ وكل شئ...وليس هناك أي حيوان أخر يفعل هذا غيرك؟!

 

الخنزير:

          لأن كل ما يُهمني هو معنی الفتات...أي فتات...فتات طعام أو ورق...فتات خبز أم خشب...فتات لحم أم رماد أو حطب...المهم أنه فتات...والفتات هو ما تبقی من الشئ...أي شئ...وتُرك...فهو عديم القيمة ولا حاجة له فتُرك...فأنا أعيش علی كل ما هو عديم القيمة ملفوظ قد رُفض...بصرف النظر عن طبيعته أو تسميته.

 

الكاتب:

          ولكن لما تفضل الأقذر من الأشياء...والأسؤا من الفتات؟!

 

الخنزير:

          لأن الله أخزاني...فانقلبت الأمور عندي...فما تراه أنت الأبشع أراه أنا الأجمل...وما تراه أنت الأنظف...أراه أنا الأقذر...وما تراه أنت الأكبر...أراه أنا الأحقر...

 

الكاتب:

          ولكن ألم تفكر فيما سيجلبه لك جمع الفتات وأكل الأقذار ، والسعي وراء الأزبال ، من أمراض وهموم وأرذال ، وذلة وضعة ونظرة إحتقار!!

 

الخنزير:

          أفكر... (يضحك بلا مبالاة ويهّز شحومه)  أنا لا أفكر أبداً يا سيدي...فعقلي قد تأثر بمطعمي ، فأصبح فتات وأقذار...ومخي...صار قمامة وأزبال...فنسيت الفكر والتفكر التفكير...فحياتي كلها أوساخ ، أتنان ، أفتات ، أقذار ، وأزبال!

 

الكاتب:

          هل تعرف لما يربيك القوم ويوفرون لك طعامك من كل هذه الأزبال ويجمعوها لك؟

 

الخنزير:

          نعم أعرف...فهم يُحبون أكل لحومنا...ويستفيدون من جلودنا وشحومنا وعظامنا...وحتی من أعضائنا ودمائنا...

 

الكاتب:

          أنت تعرف إذن...فما هو شعورك تجاه ذلك؟  وكيف يطيب لك العيش وأنت تعرف مصيرك...وتعرف غرض من يُلقي إليك الفتات وماذا يريد أن يفعل بك...وماذا يضمر لك من وراء هذا الفتات...

 

الخنزير:

          شعوري...(يطلق ضحكة بصوت قبيح)...سيدي أنا ليس لي شعور ولا عندي إحساس...وهذا هو حال من يُخزيه الله...وكل ماعندي نهم للفتات والبحث عنها والسعي وراءها ووراء كل قذارة وقمامة وأوساخ ، هذا فقط ما يُهمني...ما سيحدث غداً...غير مهم...ماذا يُضمرون لي غير مهم...من هو العدو ومن هو الصديق...ليس مُهم...لماذا يُكرمونني ويُطعمونني...ليس مُهم...أنظر إلی ما هو واضح وجلي...ليس مهم...المهم فقط...الفتات...والمزيد من الفتات...

 

الكاتب:

          هل تعرف أيضاً أنهم يختارونك بالذات لإن طعامك رخيص لإنه أزبال...ورعايتك بسيطة لإنها مجرد مزيد من الأقذار...ولذا فتجارتك مربحة جداً ليس لها مثال...

 

الخنزير:

          أعرف...ولا يهمني...

 

الكاتب:

          وهل تعرف أنهم يحتقرونك في قرارة أنفسهم...ويُكنون لك الكراهية والإمتعاض؟

 

الخنزير:

          أعرف...ولا يهمني...(ما زال يبحث في الأقذار)

 

الكاتب:

          هل تعرف أنك أصبحت وأمسيت من أبغض المخلوقات إلی الإنسان؟

 

الخنزير:       

          أعرف...ولا يهمني...ولكني هنا أتعجب كل العجب...

الكاتب:

 

          ولما كل هذا العجب؟

 

الخنزير:

          لأن الإنسان...وبني الإنسان بالذات...الكثير والكثير بل والملايين منهم يعيشون تماماً بمثل حياتي الخنزيرية هذه...وبمثل طريقتي وخصائصي وسلوكي...وهم مع ذلك يترفّعون علیّ...ويدّعون الإشئمزاز مني ومن شكلي وطريقة حياتهم...وحياتهم لا تكاد تختلف في كثير أو قليل عني...بل إنني في النهاية أفضل منهم وأنا الذي يجب أن أمتعض وأشمئز وأسخر منهم...

 

الكاتب:

          ولما تكون أفضل منهم؟

 

الخنزير:

          لأن الله أخزاني...ولكنه لم يُخزيهم...والله خلقني هاكذا ، وليس لي خيار...أما هم فقد كرمهم الله ورفعهم وهداهم وأرسل إليهم رسلا ً وأنبياءً وصالحين وأولياء يهدونهم إلی النور والنجاة وحقيقة الحياة...ثم ترك لهم حرية الإختيار...فإختاروا أن يعيشوا مثل حياتي بكل حرية الإختيار...ورضوا بأن يكونوا مثلي دون إكراه أو إجبار...فمن منا الأفضل الأن...

 

الكاتب:

          ولكن كيف يعيشون مثل حياتك؟  إننا لا نفهم...هل توضح لنا أكثر؟

 

الخنزير:

          (ما يزال يبحث في الأوساخ بمنخاره)...لو تأملت قليلا ً...وفهمت معنی الأشياء ، ولم يقتصر فكرك علی المسمی والمسميات...لفهمت كثيراً المضحكات... فمثلا ً لو وسّعت رؤيتك وفهمك لكلمة الفتات...لوجدت أنه كل عديم القيمة من الأشياء...وما أسعی وراءه أنا وأحبه...هو فتات بالنسبة لكم وليس بالنسبة لي...وما تسعون وراءه أنتم هو أيضاً فتات بالنسبة لربكم...ولما ينتظركم من قيامة وبعث وحساب...وصراط وسؤال وعذاب...وحكم من الله فإما ثواب أو عقاب...وإما جنات وأنهار وأطيب طعام وشراب...وإما نيران وسعير وجهنم لها ألف باب ، فهل ما تفنون حياتكم فيه أمام هذا إلا فتات...فما المال والبنون وما السلطة والعلم...وما الشهرة والنعيم أمام ما عند الله وما ينتظركم في أخراكم إلا فتات...وبهذا المعنی تكونون مثلي تماماً تقضون حياتكم في سعی وراء فتات...فما تكنزون لا يساوي عند الله إلا فتات...وما تتنعمون به لا يساوي عند الله إلا أزبال...وما تتصارعون من أجله لا يساوي عند الله إلا أقمام...وما تستهويه أنفسكم...هو عند الله أقذار...وما تروه قيّماً إن هو إلا أدران...وما تسعون وراءه ماهو إلا أتنان...فحياتكم إذن وما تنشغلون به إذن هو أفتات وأزبال وأقمام وأقذار وأدران وأنتان....ولكنكم لا تشعرون بما عليه حالكم...تماماً كما لا أشعر أنا بما عليه حالي...فكلا منا يجري ويسعی وينشغل وراء الشئ ذاته وإن إختلف الأسم والمسّمی مع فارق كبير...فالله أخزاني ولم يُخزكم...وسيّرني وخيركم...لن يبعثني ولكن سيبعثكم...ولن يحاسبني وإنما سيحاسبكم...فأنا إذن أفضل وأسعد حالا ً ومحظوظ أكثر منكم.

 

الكاتب:

          ألهذا أراكم سعداء فرحين وغير مبالين؟

 

الخنزير:

          نعم بالطبع...فنحن وأنتم كُلا ً منا يعيش حياة خنزيرية متشابهة تماماً...ولكننا سعداء وأنتم تعساء...فحياتنا لم نخترها وإختارها الله لنا لحكمته وليجعلنا مثالا ً وعبرة...فنحن سعداء بإختيار الله... وأنتم تعساء...وإن تصنعتم السعادة...لأنكم عصيتم ربكم...ورفضتم تكريمه لكم...ورفضتم حياة الإنسانية العالية التي إرتضاها لكم...وفضلتم الحياة الخنزيرية مع ما ترون ما نحن عليه...من القذارة والحقارة والإزدراء والوضاعة...فما أتعسكم وأشقاكم...وما أضعف عقولكم وأسوأ إختياركم...

 

الكاتب:

          بدءت أفهم ما تريد أن تقول...ولكن لا أستطيع أن أجمع هذا في عقلي!

 

الخنزير:

          سيدي...إن المال بالنسبة لكم ككومة القمامة هذه وفتاتها بالنسبة لنا...إن السيارات بالنسبة لكم كقطعة الفاكهة العفنة هذه بالنسبة لنا...إن المناصب والنفوذ بالنسبة لكم ككيس الزبالة هذا وفتاته بالنسبة لنا...إن الشهادات والدرجات العلمية بالنسبة لكم كمجمع الأقذار هذا وفتاته بالنسبة لنا...إن البيوت والقصور بالنسبة لكم كتل الأنتان هذا وفتاته بالنسبة لنا...إن الحياة الدنيا ونعيمها بالنسبة لكم كهذه الحظيرة وما فيها وفتاتها بالنسبة لنا.

 

الكاتب:

          ولكن خبرني كيف تقبل وترضی أن يلقی إليك الفتات والأزبال وتدفع ثمن هذا حياتك وشحومك ولحمك ودماءك وأعضاءك...إنها صفقة غير رابحة ، وتجارة خائبة وخاسرة وغير عادلة.

 

الخنزير:

          لست وحدي يا سيدي الذي أفعل هذا...وأيضاً لو تأملت وفكرت لوجدت أنكم تشاركوني في هذا أيضاً...

 

الكاتب:

          كيف هذا خبرني أستحلفك بفتاتك وأزبالك؟

 

الخنزير:

          أليس لديكم حكام...يُلقون إلی شعوبهم الفتات...ليأخذوا في المقابل ولائهم ويملكون حياتهم ويستولون علی ثرواتهم ويمتصون دمائهم وينتهكون كرامتهم ويقتلون أبناءهم ، والشعوب تقبل وترضی ولا تكاد تشعر بهذا البيع الخاسر ، والصفقة الغير عادلة...أليس هذا هو تماماً ما يحدث معي؟  أليس لديكم دولا ً غظمی ، وأمم كبری يلقون إلی دولكم وأممكم بالفتات والأزبال ويُصدرون إليها كل قمامة والأنتان والأقذار...ليأخذوا في المقابل ثروات بلادكم...ويحصلوا علی تأييدكم ونصركم...ويسيطروا علی قراركم والسلطة عندكم...ويمتصوا دمائكم ويعتصروا مواردكم.  ويُفسدوا أبناءكم ويستحيوا أعراضكم...وأممكم وشعوبكم تقبل وترضی ، ولا تكاد حتی تشعر بهذا البيع الخائب والصفقة الغير منصفة...أليس هذا هو تماماً ما يحدث معي؟!  هل تريد أمثلة أكثر؟

 

الكاتب:

          لا...شكراً...لقد جعلتني أری أشياءً كثيرةً لم أكن أراها...حتی أصبحت أكره الحياة الخنزيرية هذه التي نحياها...ولكن كيف لم نری كل تلك الحقائق.

 

الخنزير:

          لأنكم تتعذون علی الفتات...فأصبحت عقولكم فتات...لا تری ولا تفكر ولا تفهم ولا تعرف إلا الفتات...

 

 

لمحت في عينيه نظرة إنتصار ، وهو يهتز مختالا ً بقذوراته ، وأنفه وشحومه ، وما يزال يبحث عن فتاته.  ثم سمعت صوت سيارة كبيرة تقف خارج الباب...ووجدت خنزيرنا ، والخنازير أمثاله يهرعون نحو الباب يهتزون ويخمخمون ويتخبطون ويهتفون...

 

"فتات...فتات...المزيد من الزبالة ، فتات...فتات...إعطونا القمامة...فتات...فتات...ما أحلاها من قذارة ، فتات...فتات...إنما الدنيا حُثالة ، فتات...فتات...لا يزيد إلا الفتات ، فتات...فتات...المزيد من الفتات!"

 

           ُفتح الباب...ودخل عمال...يحملون أكياس وأحمال كلها منافع ومناصب وبيوت وسيارات وأموال...عفواً أقصد... كلها فتات وأقمام وأوساخ وأزبال ، وألقوها وفتحوها... وتدافع نحوها الخنازير...منظر يثير الإشمئزاز...أن تری مخلوقات تتدافع وتتصارع ، تبحث عن الأقذار ولا تری غير الأزبال...ولا يهمها إلا المزيد من الأوحال...وتتجدد الروائح العفنة وتنشر العطور النتنة...وفي نفس الوقت...ومن باب أخر تقف سيارة أخری مخصصة لحمل الحيوانات...ويُحمل إليها من الخنازير المئات...ستذهب لتواجه مصيرها ويُمتص دمها ويُأكل لحمها ويُدبغ جلدها ، ويُفتت شحمها...ونظرت إلی وجوهها وهی تصاق إلی المهلكة ، فإذا هی لا تبالي...ولا تزال ترد... “الفتات...الفتات...المزيد من الفتات”.  وكأنها لا تدري بما تساق إليه...أو تدري ولا تبالي...كل ما يهمها فتاتها وأقذراها وهذا هو كل عالمها...ودينها ودنياها...وتهز شحومها وتتحبط مع بعضها...وتمضي لتواجه مصيرها...وأدرت وجهي فرأيت الخنازير من أخوانها...لا يبالون أو يحفلون بما يُصنع مع أقرانها ، وقد أنكبت علی أكوام الفتات والقمامة...ترعی في أتلال الزبالة...وأرتال القذارة...لا تری...ولا تفكر...ولا تبالي...ولا تفسر...شعارها الفتات حتی الثماله وهتافها...المزيد من أكياس القمامة...وهذه هی حياة الخنازير في الحظيرة...

 

          وخرجت من الحظيرة...وأغلقت من خلفي الباب...ومشيت وأنا أفكر في هذه القضية...كيف يعيش الإنسان ويقبل مثل هذه الحياة الخنزيرية...والتشابه قائم..والشبه ماثل...وإرتعد جسدي...وتثاقلت قدمي ولم أستطع أن أهرب من الحقيقة...مُرّة ولكنها حقيقة...ثقيلة ولكنها واقع لخنازير طليقة...شكلها أدمي وملابسها أنيقة...ولكنها في الحقيقة...مجرد خنازير طليقة...وهنا تسألت هل عندما جعل الله من بني إسرائيل قردة وخنازير لما عصوا...هل المقصود هنا أنهم تحولوا لخنازير حقيقية ، أم المقصود أن الخزي قد أصابهم فأصبحوا بشراً ولكنهم يحيوا حياة خنزيرية...فالشكل إنسان ولكن الحقيقة سلوك وإهتمامات وأمور جوهرية...كلها تشبه تماماً ما يحدث في الحظيرة الخنزيرية...وهذا هو عقاب الله لهم...أن يكون الظاهر حياة أدمية...والداخل والجوهر حقيقة خنزيرية...لقد جعل الله حياة هذا الحيوان مثالا ً وعبرة لنا لنتجنبها...ونبتعد عن جوهرها أو ما يماثلها ويماثل طبيعتها...وحرم الله علينا أكله ولمسه وتربيته وكل ما كان منه ، ليس له في حد ذاته ولكن لما يمثله ، من أسلوب حياة...كلها فتات...ولا مبالاة...وعدم رؤية لحقيقة الأشياء...وسعی وراء الأقذار...والقمامة والأزبال...وكل عديم القيمة غير ذي بال ، كل هذا تكريم من الله لنا...وفضلا ً منه علينا...يريدنا أن نحيا حياة إنسانية...نعبد ربنا ونترك الفتات وراء ظهورنا...نعمل لما له عند االله قيمة ، ونشتغل بما يفيدها يوم القيامة...نری الدنيا علی حقيقتها...ولا نغتر بها ولا بفتنتها...وندوس بأقدامنا عليها...ولا نعمل إلا لربنا فيها...حتی توصلنا لدار الأمان...والراحة والإطمئنان...ولكن هل يری الإنسان وهل يترك الفتات والأدران...وهل يرفض حياة الخنازير والفئران...ولا يعيش إلا كإنسان...كرمه الله ورفعه علی الحيوان...فكيف يرضی أن يعيش كأقل وأسوأ حيوان...ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين.