موعدنا لأجراء الحوار مع الجلاد ، أو "عشماوي" كما يسمونه في اللغة الدراجة ، وهو الشخص المكلف مباشرة بتنفيذ أحكام الإعدام ، كان محدداً في الساعة السادسة مساءاً ، في أحد المقاهي الكثيرة المنتشرة في الحي الشعبي الذي يسكن فيه...ووصلنا قبل الميعاد بعشر دقائق ... وكان المقهی مزدحماً كما هی العادة...أناس من كافة الأنواع...يأتون ليلتقوا مع بعضهم البعض...لقتل الوقت أولا ً ، وللبقاء بعيداً عن بيوتهم وأسرهم ثانياً.  كان هناك مسجلا ً كبيراً يملاء أسماعك بكل شئ...شرائط غناء ورقص...شرائط تواشيح وغناء ديني...غناء قديم وحديث...شرائط فكاهية ساخرة...ثم شرائط القرآن الكريم بالطبع ، تتخلل كل هذا.  سألنا عن العشماوي فدلونا علی المكان الذي يجلس فيه دائماً ويفضله ، لأنه كان مكان أبيه المفضل ، الذي كان شيخاً للزاوية الموجودة بجوار المقهی ، وإماماً لها.  وجلسنا علی المخصصة المخصة له ننتظره...وأتانا حامل البخور...يبخر المكان ، وقال أن ضيفنا يحب البخور ، ويتفأل به لأن الملائكة تحبه...ولذا فهو يحب أن يبخر المكان قبل وصوله ، حتی تكون الملائكة في إنتظاره عندما يحل في المكان...وهذه هی عادته منذ زمن طويل.  وما أن دقت الساعة السادسة حتی رأينا صاحبنا يدخل وسط تحيات الجالسين وترحيبهم ، وتوجه نحونا مباشرة...ثم دار بيننا الحوار التالي:

 

الجلاد:

          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...أهلا ً...أهلا ً...

 

الكاتب:

          وعليكم السلام...نحن في شوق لحوارنا ولقائنا معكم...فهناك الكثير والكثير من الأسئلة ، التي نود طرحها عليكم ، وكثير من اللبس والغموض وعلامات الإستفهام ، تحتاج لتوضيحكم ، إن لم يكن لديكم مانع بالطبع.

 

الجلاد:

          لا مانع طبعاً ، وأنا مسرور بلقائكم...وأرجوا ألا أكون قد تأخرت عليكم.  فأنا أحب الإلتزام في مواعيدي ، وهذا أمر يحبه الله ورسوله كما علمني أبي الشيخ رحمة الله...وعدم الإلتزام بالموعد ، صفة من صفات المنافق والعياذ بالله...والأن ماذا تطلبون...شاي...قهوة...أي شئ...

 

(وأتي صبي القهوة فحياه ، ثم طلب منه أن يلبي طلباتنا ، وهمس في أذنه بشئ لم نسمعه ، توجه بعدها الصبي إلی المسجل وغير الشريط ، ووضع شريط قرأن كريم).

 

الكاتب:

          إسمح لنا بأن نبدأ...فلا نريد أن نأخذ من وقتك كثيراً...

 

الجلاد:

          تفضل وتوكل علی الله...بسم الله الرحمن الرحيم...عفواً فإني لا أبدأ أي عمل إلا بها.

 

الكاتب:

          أريد أن نتعرف علی إسمك أولا ً...

 

الجلاد:

          بكل سرور...إسمي عبد الله محمد عبد الحق أحمد عبد الرحمن...

 

الكاتب:

          وما هی طبيعة عملك؟

 

الجلاد:

          إنني برتبة رقيب في الشرطة...ومنتدب لأقوم بتنفيذ أحكام الإعدام في المحكوم عليهم في السجن المركزي شنقاً حتی الموت.

 

الكاتب:

          أحياناً كثيرة تُتهم بعدم الرحمة وألا قلب لك...فماذا تقول؟

 

الجلاد:

          كذب يا سيدي...فأنا إنسان لي مشاعر وأحاسيس مثل أي فرد ولكن هذا عملي ، تماماً كالجزار في المسلخ ، أو الجراح الذي يبتر عضواً فاسداً.  فقد يكون عملي ظاهره القسوة ، ولكنه هام لسلامة المجتمع وتلبية حاجاته.  ثم لا تنسی أن القصاص أمرٌ من الله ، ورد في القرآن...فتنفيذه هو تنفيذ لأمر الله.

 

الكاتب:

          ولكن خبرنا كيف تستجمع شجاعتك ، عندما تحين اللحظة الرهيبة...وتقوم بإزهاق روح ، وقتل إنسان ، ونفس خلقها الله ، وأمرنا بإحترامها وعدم مساسها إلا بحقها.

 

الجلاد:

          إنني أستمد شجاعتي وقتها من ثلاثة أشياء...أولا ً...تنفيذ الأمر الذي صدر لي...وأنا رجل شرطة ، وطاعة الأمر الصادر من رؤسائي واجب مقدس لدي ، وهو ما أتلقی عليه أجري ، ومرتبي الذي أعيش منه أنا وأولادي...ثانياً...أتذكر من قتلهم القاتل وأنهم أبرياء لا ذنب لهم.  أزهق أرواحهم ، فهو يستحق نفس الجزاء الذي هو من جنس العمل...وثالثاً...أتذكر أمر الله في القصاص وعندما أستحضر الأيات الكريمة...يهون علي كل شئ وأنفذ الأمر.

 

الكاتب:

          هل لك أن تحدثنا عن أسرتك وحياتك العائلية؟

 

الجلاد:

          نعم...إنني متزوج من زوجة طيبة متدينة جداً...ولي منها ثلاثة أولاد وبنتين ، الأول مصطفی وهو ضابط جيش برتبة نقيب الأن ، والثانية زينب بكلية الحقوق ، والثالث عمر وهو ملازم الأن في قوات الأمن المركزي ، والرابعة فاطمة هی في معهد الإعلام ، والأخير أو أخر العنقود ، وهو أحبهم إلي لأنه يتقي ربه ومتدين ، ولا يفوته فرض وطالع شكل جده ، والدي  رحمه الله ، الذي أحبه والذي رباني أنا وأخوتي علی طاعة الله ، ومعرفته وخشيته...وقد أسميته حسين ، تيمناً بسيدنا الحسين...مدد يا حسين..وهو طالب في اول سنة في كلية الطب هذا العام ، وأنا فخور به ، وهو رقيق القلب ، وحسن المعاملة ، ولذا فله مكانه خاصة عندي ، وعند أمه ، وكما قلت لك فهو أخر العنقود.

 

الكاتب:

          نريد أن تعطينا أمثلة من أحكام الإعدام التي نفذتها في اليومين الأخيرين حتی نتعرف أكثر علی نوعية ضحاياك...عفواً...نقصد المحكوم عليهم.

 

الجلاد:

          نحن لا ننفذ أحكاماً كل يوم...بل كل أربعة أو خمسة أيام وأحياناً أكثر علی حسب عدد المحكوم عليهم...وبعد أن يصدر القاضي حكماً بالإعدام يحيل أوراق المحكوم عليه إلی فضيلة المفتي ليقر تنفيذ الحكم ويوافق عليه...وبعد أن يوافق المفتي...يحدد مأمور السجن موعد تنفيذ الحكم...ونقوم بالتنفيذ.  قبل أمس مثلا ً...نفذنا الحكم في ثلاثة أشخاص...الأول أتهم بقتل زوج عشيقته ليخلو لهما الجو...والثاني قاتل محترف مأجور ، وصل عدد ضحاياه إلی حوالي الخمسين ، أما الثالث فأُدين بإختطاف طفلتين وإغتصابهما ثم قتلهما وحرق جثتيهما بعد ذلك...كلها جرائم بشعة تقشعر لها الأبدان ، وينضی لها الجبين ...وتشمئز منها الأنفس الطاهرة...ولذا فالقصاص منهم عدل من الله ، وشفاء للمجتمع ، وأخذ بثأر أنفس بريئة قتلوها.

 

الكاتب:

          هل يمكن أن تحدثنا عن اللحظات الحرجة الصعبة التي يتم خلالها تنفيذ الحكم؟

 

الجلاد:

          أعرف أن هذا سيكون صعباً علی نفسك ، ولكن لا مانع طالما تريد هذا.  يُحضر المحكوم عليهم من السجن في سيارات مدرعة خاصة تحت حراسة مشددة ، ثم يدخلون ساحة الإعدام وهم يجرون أقدامهم جراً ، مكبلين في الأغلال من أيديهم وأرجلهم ، ثم يُتلی عليهم الحكم الصادر بحقهم مع تفاصيل جريمتهم ، ثم يتقدم نحوهم رجل دين...شيخاً او قسيساً...ويطلب منهم التوبة إلی الله ، قبل أن يقام عليهم الحد ، حتی يلقوا ربهم متطهرين من ذنبهم ، ثم يصعدون إليّ بعد ذلك فوق منصة الإعدام ، ويكاد الشلل أن يصيب أقدامهم ، ويكادون أن يتهاوون ، وهم مقبلون علی الموت...فأدنو منهم أولا ً ، وأتأكد من هويتهم وصورتهم ، وأتمم علی إحكام قيودهم ، ثم أسألهم أخر سؤال يوجه إليهم في حياتهم...أسألهم إن كان لهم مطلب أخير ، أو رغبة أخيرة ، يمكن تحقيقها لهم ... وفي الغالب هذا يكون روتينياً ، وأحياناً ننفذ ما يرغبون...وأذكر أن القاتل المأجور الذي حدثتك عنه ، كانت أخر رغبة له أن يدخن سيجارة ، فأشعلت له واحدة ، أخذ منها نفسين عميقين ، والأخر أراد مني أن أبلغ معشوقته بحبه وإخلاصه لها حتی أخر لحظة ، وأنه مستعد أن يقتل مائة أخرين في سبيل عينيها ، وهاكذا...وبعد ذلك أضع فوق رؤوسهم غطاء أسود ، يحجب الدنيا لأخر مرة عن أعينهم...ثم أسحبهم حيث أضع حبل المشنقة حول أعناقهم ، وأحُكمه ، وأتأكد منه ، ومن صلابته ، وصلابة عقدته ، ثم أطلب منهم التحلی بالصبر وذكی الله والتوبة إليه...ثم أبتعد عنهم وأذهب بجوار الذراع الذي سيفتح منضدة الإعدام التي تحت أقدامهم ، وأنتظر الإشارة من الضابط لأشد هذا الذراع وأنفذ الحكم.  ويتركز نظري علی الضابط الذي ينظر في ساعته ، وفي الوقت المحدد تماماً...يعطيني الإشارة بيده...فأسحب الذراع فوراً وتنفتح المنضدة ... وتتدلی الأجساد معلقة في الهواء تتلوی...ولكن ما هی إلا لحظات حتی يسكن الجسد ، ويتمدد معلقاً بلا حراك ، وأنا أتلو أيات القرآن الكريم وأُسبح وأقول لا إله إلا الله...وبعد حوالي خمسة دقائق ...يأتي طبيب السجن ليكشف علی المعدوم ويتأكد من حدوث الوفاة...ثم يُنزّل الجسد وتُفك القيود ، وأريح الحبل من حول العنق ، ثم يُلفّ في ملائة سوداء ويُحمل علی حمالةٍ ، ويُخرج به من ساحة الإعدام ، إلی غرفة تجهيز الموتی لإعدادة للدفن وتسليمه لإهله...إن كان له أهل سيتسلمونه...ثم أُوقع علی الأوراق الخاصة بتنفيذ الحكم بمسؤليتي المباشرة عن تنفيذه ، وبذا ينتهی دوري في العملية كلها.

 

الكاتب:

          هل يعترف أحد منهم بإرتكابه جريمته أو إستحقاقه للعقاب أمامك في لحظاته الأخيرة في هذه الحياة؟

 

الجلاد:

          أحياناً وهذا نادر...ولكن الأسوء هو أحياناً ما يحدث ، فقد يهمس لي أحدهم ، في لحظته الأخيرة تلك ، بأنه برئ  وأنه مظلوم...ولا أكتمك حديثاً أن هذا يجعل أوصالي ترتعد...خوفاً من أن أكون سأقتل بريئاً أو أزهق نفساً مظلومة...فأين أذهب من الله وماذا سأقول له يوم القيامة ، إذا سألني عنها...ولكني أُسريّ عن نفسي وقتها ، بأن كل مجرم يحاول أن يبرئ نفسه كذباً ليفلت من العقاب حتی وإن كان في لحظته الأخيرة...ولكن ما أن يُصدر الضابط الأمر...حتی أنسی كل شئ وأتذكر واجبي وجنديتي ، وشرفي العسكري البوليسي ورتبتي وقسمي علی الولاء والطاعة ، وتنفيذ الأوامر الصادرة لي من قيادتي ، وأتذكر عملي الذي أنال عنه أجراً والذي سيسألني الله عنه إن لم أقم به علی خير وجه...وهاكذا أقوم بتنفيذ الأمر فوراً وبلا تردد.

 

الكاتب:

          وهل تنال أجراً إضافياً علی كل حالة إعدام تقوم بتنفيذها؟

 

 الجلاد:

          نعم...فكما يقولون علی كل رأس ، نأخذ مبلغاً من المال كمكافأة علی شجاعتنا في تنفيذ الإعدام ، أو كبدل عما نعانيه من القيام بهذه المهمة الصعبة التي لا يستطيع الكثيرون القيام بها لقسوتها الظاهرية.

 

الكاتب:

           وهل يختلف هذا الأجر من معدوم لأخر أو من رأس لأخری؟

 

الجلاد:

          أحياناً...يحدث هذا...خاصة في المعدومين في جرائم معينة أو خاصة أو خطرة ، أو جرائم أمن الدولة ، ومحاولة قلب نظام الحكم فإن الأجريُضاعف عليها ، ولها مميزات عينية أخری ، وتُوضع كحسنات في التقارير والملفات الشخصية ، وتُسرّع من الترقية ، والتعليّ في الرتبة وزيادة المرتب.

 

الكاتب:

          كان من المفروض أن يكون موعدنا في الثالثة عصراً ، ولكنك طلبت تأجيله فجأة للسادسة.  فهل لنا أن نعرف السبب؟

 

الجلاد:

          المسبب هو أننا كان لدينا مهمة عاجلة مفاجئة...لم تكن مقررة من قبل...وهی لإعدام ثلاثة من المتهمين في قضايا أمن الدولة...

 

الكاتب:

          هل لنا أن نعرف أكثر عن هؤلاء الثلاثة وطبيعة جريمتهم التي إستحقوا عليها الموت؟

 

الجلاد:

          إنهم من الشباب...الذين ينتمون لجمعات إسلامية متطرفة تريد إسقاط الحكومة وقد أُتهموا بالقيام بعمليات إرهابية وإغتيالات لمواطنين وأجانب.

 

الكاتب:

          وهل هذه أول مرة  تنفذ فيها أحكاماً بالإعدام في أمثال هؤلاء؟

 

الجلاد:

          لا...ليست أول مرة ف٤قد حدث هذا أكثر من مرة ، بالذات خلال الأشهر الماضية.

 

الكاتب:

          وما هو السبب في التعجيل أو فوجائية تنفيذ هذه الأحكام؟

 

الجلاد:

          لا أدري...فهذا قرار منوط بالمسؤلين ، وليس شأني ولا أتدخل فيه ، ولكن هذا يحدث كثيراً في جرائم وقضايا أمن الدولة ، وتنفيذ أحكام الإعدام الصادرة فيها ، وهو علی ما يبدو يخضع لظروف سياسية لا شأن لنا بها.

 

الكاتب:

          هل يمكنك أن تصف لنا حال هؤلاء الشباب المسلم؟  وكيف يختلف إستقباله للموت عن غيره من المجرمين؟  وهل تشعر بفرق عندما تؤدي المهمة الشاقة معهم عن غيرهم؟

 

الجلاد:

          هل يمكن أن تعفيني من الإجابة علی هذا السؤال؟

 

الكاتب:

          لا...لن أُعفيك ، فهذا سؤالٌ هام لدي ولدی القارئ بالطبع.

 

الجلاد:

          الحقيقة إن هؤلاء الشباب مختلفون تماماً...فلا أقدامهم تهتز أو ترتجف ، ولا يجرّون خطواتهم جراً...لحاهم سوداء تُثير الرهبة في القلوب...وسيماهم في وجوههم من أثر السجود لله...وعلی وجوههم نور رباني...وفي قلوبهم شجاعة ورغبة في مواجهة الموت أحسدهم عليها ، وكأنهم يتلهفون للقاء حبيب طال إنتظارهم له... إنهم مختلفون...مختلفون تماماً...

 

الكاتب:

          وهل تشعر وأنت تقف أمامهم ، وتُمسك بهم ، أنك أمام مجرم وقاتل يستحق القصاص علی فعلته النكراء ، وجريمته المشينة؟

 

الجلاد:

          لا أدري ما أقول...ولكن شهادة لله ....لا .....بل أشعر أنني أمام أناسٍ صادقين الإيمان وراسخية ، أحياناً أهابهم وأخافهم حتی وهم مكبلين بالإغلال ومقيدين.

 

الكاتب:

          هل تعرف ما كان يريد هؤلاء أساساً وما هو هدفهم؟

 

الجلاد:

          أعرف أن هدفهم هو إقامة حكومة إسلامية ، تُقيم شرائع الله ، وتُوقف الفساد ، وتُعلي كلمة الله في الأرض...هذا كما سمعتهم أنفسهم يقولون أكثر من مرة قبل تنفيذ الأحكام فيهم.

 

الكاتب:

          وما رأيك كإنسان مسلم في هذه الأهداف وأنا أراك رجلا ً صاحب دين وإيمان؟

 

الجلاد:

          الهدف جميل ولا خلاف عليه ولكن ليس عن طريق قتل الأبرياء.

 

الكاتب:

          وهل رؤسائك في الشرطة يتفقون معك علی هذا الرأي ، وهل الحكومة التي تخدمها ، وتُعطيك راتبك تُريد أو تُوافق علی إقامة حكومة إسلامية؟

 

الجلاد:

          لا أدري...ولكن أعتقد أنهم لا يريدون ذلك تماماً ، وعلی كل حال فكثير من أحكام وشرائع الله تُنفذ فعلا ً في البلد.

 

الكاتب:

          والكثير منها لا ينفذ أيضاً ، فماذا ستقول لربك إذا سألك عن الأحكام التي شرعها ولم تُنفذ؟!  وبما ستعتذر له؟!

 

الجلاد:

          لا أدري...ولكن الله غفور رحيم...وليس في إمكاننا عمل شئ.

 

الكاتب:

          ليس في إمكانك أنت.  أما هؤلاء الشباب المسلم كانوا أقوی منا ، وقفوا وطالبوا وضحوا بحياتهم في سبيل ذلك...

 

الجلاد:

          ولما يقتلون الأبرياء إذن؟

 

الكاتب:

          ومن أدراك أصلا ً أنهم قتلوا ، هل إعترفوا لك بذلك...ثم إذا كانوا يُهاجَمون من قِبّل الجيش والشرطة ، ويُقتلَون جزاء قولهم الحق ،ومطالبتهم بأن يتُبَع الحق...فماذا مطلوب أن يفعلون...إذا جاءك أحد الأن ، وأراد أن يُهاجمك ويقتلك ، هل ستسكت أم ستدافع عن نفسك.  أليس هذا حق مشروع شرعة الله علی الأقل لمن يخرج في سبيله ، وإلا لما أُذِنَ للمسلين بقتال أعداءهم؟!

 

الجلاد:

          لا أدري...ولكن القضاء قال كلمته ، فلا بد وأنهم مذنبون.

 

الكاتب:

          القضية هنا مختلفة ، والقضاء هذا الذي تتحدث عنه هل هو قضاء مسلم مؤمن مخلص مثلك حتی تثق فيه وفي حكمه ، وبأنه يحكم بالعدل وبما أمره به الله وينفذ شرعه وأحكامه!!  أم هو قضاء فاسد ، لا دين له ولا ضمير ، يتبع أسياده الذين يدفعون له راتبة ، ويملكون فصله عن وظيفته ، أم هو قضاء عسكري يتلقی أوامره من القيادة العليا للقوات المسلحة.

          خبّرني ، بالله عليك ماذا تشعر وأنت تنظر في وجوه هؤلاء وهم يمرون بنفس الخطوات والروتين الذي يمر عليه عتاة المجرمين والقتلة.  هل توصيهم أيضاً بالتحلی بالصبر والتوبة وذكر الله ، أم هل تبدأ قتل المؤمنين ببسم الله الرحمن الرحيم أم هل تتلو عليهم القرأن وأجسادهم معلقة أمامك في الهواء؟

 

الجلاد:

          حقيقة أنني أتعجنب النظر في أعينهم حتی أستطيع أن أنفذ فيهم الحكم ، وأشعر فعلا ً أنهم موجودون في غير مكانهم.

 

الكاتب:

          وهل أيضاً يأتي إليهم الشيخ ليطالبهم بالتوبة إلی الله؟

 

الجلاد:

          نعم بالطبع.

 

الكاتب:

          يا للعجب ، يتوبون من ماذا؟  من الإيمان بالله أم  من المطالبة بإعلاء كلمته وتنفيذ أحكامه وإحقاق حقه؟  أما من الجهاد في سبيله ومحبته؟!

 

الجلاد:

          حقيقة لا أدري ولكن هذا ما يحدث.

 

الكاتب:

          وماذا تشعرون جميعاً وأنتم مسلمون مؤمنون وأنتم ترون مؤمناً مسلماً مكبلا ً مقيداً ، يلبس بذلة المجرمين القتلة الحمراء ، وسيدفع عمره الغالي ثمناً لجريمة الإيمان ، التي ترتكبونها جميعاً ، وثمناً لحبه لرب أنتم أنفسكم تعبدوه وثمناً لغضبه الإله ، أنتم كلكم تريدون رضاه ، وتغضبون له إن عُصِيَ ، فما هو شعوركم؟  وكيف تتقبل أنفسكم ذلك ، وأنتم تسجدون لله وتذكروه ، وتتلون قرآنه وتصومون وتحجون من أجله ، وتقتلون الأن أبرياء يريدون إعلاء كلمته.  إن الحاكم والحكومة يُصدرون الأحكام والأوامر فقط ،  ولكنهم لا يقتلون بأيديهم، ولكن أنتم الذين تقتلون ، وأنتم الذين تنفذون ، وأنتم المجرمون الحقيقيون ، فماذا تقولون؟!  ألا تشبهون  بعملكم هذا قتلة أصحاب الأخدود...إرجع واقرأ سورة البروج...وهل نقمتم منهم إلا أن أمنوا بالله العزيز الحميد.

 

الجلاد:

          وماذا نستطيع أن نفعل يا سيدي؟  فليس بيدنا شئ...

 

الكاتب:

          ألستم مسلمون ، ألستم بشر ، بيدكم رفض تنفيذ هذا الأمر الجائر الظالم ، والنجاة بأنفسكم من هذا الإثم ، وهذا الوزر الرهيب أمام الله ، وارجع إلی القرءآن الذي تحب سماعة ، لتعلم منه جزاء من يقتل مؤمناً متعمداً.  ألم تنهاك زوجتك المؤمنة المتدينة جداً عن هذا العمل الموجه ضد الله والمؤمنون به وحزبه وجنوده ، ألم ينهاك أبنائك...

 

الجلاد:

          إذا لم ننفذ نحن ، فسينفذ أخرون...سنفصل من الخدمة وينقطع رزقنا.

 

الكاتب:

          إن رزقكم تكفل به الله أولا ً ، وهذه بدائيات الإيمان الحق بالله...والفصل من الخدمة قد يفقدك منفعة دنيوية ، ولكنه سيحمي أخرتك وينجيك فيها...وإذا نفذ الأمر أخرون ، فليتحملون هم هذا الوزر ، ولكن لتنجو أنت بنفسك من العذاب إن كنت حقاً تؤمن بالله واليوم الأخر...فالله أحق أن يُخشی وليس الحكومة وقطع الرزق ، والقتل وما إلی ذلك...ولماذا لم يخاف هذا الشباب المسلم مثلك ، ولم يؤثر السلامة ولم يسعی وراء الدنيا والرزق ولم يترك كل مفسد ليفعل ما يفعل ، وهم منعمون بالعطايا والنعيم ، ولكنهم عرضوا أنفسهم لغضب الحكام ، وعرضوا أنفسهم للسجن والتعذيب والقتل في سبيل الله ودينه وإعلاء كلمته...وهل الإسلام إلا هذا...أما سماع القرءآن  في المقاهی والبخور وما إلی ذلك...فلا يفيد وحده إن لم يضحی الإنسان بكل عزيز وغالي في سبيل ربه وخالقه ، وهذه هی العبادة بمعناها الحقيقي والواسع ، الذي أراده الله لها ، والذي أُريد أن يُعمّی عليكم ، ولا تعرفوه معشر المسلمين البسطاء الطيبين ، وأراد الحكام أن يُغرربكم فترون إسلامكم بغير حقيقته ، وترون دينكم وإيمانكم بدون محتواه ، وتعيشون علی وهم تفيقون منه يوم لقاء الله ، ولات حين مناص يومئذ.

 

الجلاد:

          يطرق رأسه إلی الأرض ولا يجيب.

 

الكاتب:

          ألا تذكر لي ماذا كانت أخر رغبةٍ لهؤلاء الشهداء...هل طلبوا سيجارة؟ أم أرسلوا رسالة إلی الحبيبة الغالية؟!

 

الجلاد:

          لا طبعاً ، إنهم يطلبون دقيقتين لأداء ركعتين سنة الشهادة ، ولا نستطيع إلا أن نسمح لهم... فإننا نشعر بأن هناك قوة أقوی منا ، تمنعنا من رفض هذا الطلب...ثم يتقدمون بعدها للموت بكل شجاعة ، وأخر ما يقولون هو أنهم يوصونا بتقوی الله ، والإقلاع عن معصيته ، وإتباع أمره ، ورفض أمر الطواغيت...ثم يتابعون تلاوة أيات القرآن الكريم ، حتی تنقطع أصواتهم حين أجذب الذراع ويشد الحبل الخناق حول أعناقهم وتتدلی أجسادهم.

 

الكاتب:

          يا الله...وكيف بالله عليك يا رجل تتحمل كل هذا وأنت تدعی الإيمان بالله ، وأبوك كان شيخاً ورباك كما تقول علی طاعة وتقوی الله...فهل من طاعة وتقوی الله أن تقتل مؤمناً يقول ربي الله...وماذا فعلوا حتی تتحمل أداء هذا العمل...إنك قلت سابقاً إنك تتذكر الضحايا الذين قتلوهم ليهون عليك تنفيذ الأمر وزهق الأرواح ، ولكن هل لهؤلاء الأبرياء ضحايا أصلا ً...وإن كان هناك لهم ضحايا ، فهل هؤلاء الضحايا إلا معتدون ظالمون أو مرائون أو منافقون..أو كافرون بالله أو عصاة له... أو كارهون لتنفيذ أمره...أو مفسدون في الأرض...أو عباداً لغير الله من قوی كبری أجنبية ، ومصالح دولية...أولم يأمر الله حقاً بقتل كل هؤلاء...أيوجد في الشرع والقرآن والسنة الذين تتبعهم وتحبهم وتقرأهم ما يُوجب إقامة الحد علی مسلماً ، إذا قتل كافراً أو مفسداً أو مشركاً أو ظالماً معتدياً أو خارجاً عن الدين أو منافقاً معلوم النفاق أو عميل لغير المسلمين خائن لقومه ودينه...ما لك يا رجل أين عقلك ، وأين قلبك ، وأين روحك وأين دينك ، وأنت تدعي أنك ذو إيمان ودين...ألم تتفكر في كل ذلك وأنت تقول أنك تتذكر أمر الله في القصاص فيهون عليك تنفيذ الأمر...فهل أمر الله بالقصاص من المؤمنين إذا قتلوا أعداء الله في كافة صورهم...فلتنفذ إذاً حكم الإعدام قصاصاً في الحمزة وعليٍ وبلالٍ وعمارٍ والمقداد وأبي ذر وزيد وجعفر وسلمان...فهل حكم الإعدام في أبطال الإسلام هؤلاء يُسمی قصاصاً...بأمر الله.  إن هؤلاء ما قتلوا إلا لله ولإعلاء كلمته وإعزاز دينه... فكيف يسمی إعدامهم قصاصاً لله وبأمر الله...أين عقلك ورشدك يا رجل!

 

الجلاد:

          يخفی وجهه بين يديه ، ودوعه تنسال علی خديه.

 

الكاتب:

          لا يبقی لك إذن مما يهون عليك إلا أنك تنفذ الأمر الذي يصدر لك من رؤسائك ، والذي تمني نفسك عليه بالمكافأت والعطاءات والتقارير الحسنة والترقيات...فهل تجعل أمر البشر عليك أعز من أمر الله؟  وهل تجعل دنياك تُضيع أخراك؟  وهل تشتري الحياة الدنيا الفانية وتبيع الأخرة الباقية والدائمة ، إن كنت حقاً تؤمن بالله ، أو في قلبك ذرة إيمان.  ألم تقرأ القرءآن، وأياته وتفهمه ولو مرة علی الأقل ، لتعرف جزاء من يبيع دينه بدنياه ، ويشتري عاجلته بأخراه...أم أنك أدمنت علی سماعه في القهاوي والمأتم...نغمة حلوة لا تمر علی القلب ، وترنيمة عذبة لا يعيها اللب  ورنين جميل لا يفقهه ولا يفهمه العقل.  فرحت أخيراً تقتل المؤمنين بيديك وتدعی الإيمان ، وتزهق أرواح المسلمين المخلصين بيديك وتدعی الإسلام والتمسك به..ما بالك يا رجل والله ما أدری ما بالك!

 

الجلاد:

          إنك تتحامل علي يا سيدي..فلست وحدي ، وأين مفتي الإسلام الذي أقرّ وصدّق ووقّع علی هذه الأحكام...فهل هو أيضاً علی خطأ ومعصية؟!

 

الكاتب:

          لا إن هذا هو المنافق الصادق الخالص الذي حذرنا الله منه ، وهو العدو الحقيقي ، وهو في الدرك الأسفل من النار..فأنت مشوش علی تفكيرك ، ولم تؤتی من علوم الدين والحكمة ، فأنت إذن لربما تخطئ بغير قصد أو عمد في سبيل دنيا تصيبها. أم هو فلا ، فهو يدرك تماماً ما يفعل ، وهو يبيع دينه بدنياه مع سبق الإصرار كما تقولون ، وبعلم كامل ، ولذا فهو أحد المجرمين الحقيقين ، وهو فعلا ً من يستحق أن يقف بين يديك مقيد مغلول ، في بذلة المجرمين والقتلة ، لتضع الحبل حول عنقه ، وتنفذ فية قصاص الله العادل... وتقتص منه لكل المؤمنين ، الذين أسفك دمائهم بإقراره ، وأهدر أرواحهم بتصديقه ، وحرم الدنيا منهم بتوقيعه...وهل خلقت الدنيا إلا للمؤمنين الصادقين بالله.  فمثل هذا المفتی أنت لست في جاجة لما يهوّن عليك تنفيذ قصاص الله فيه ، فهو أسوأ من مغتصب الطفلتين ، وأشر من القاتل المأجور ، وألعن من عاشق الخائنة وقاتل زوجها.  فمثل هذا من خطباء الفتنة ، ووعاظ السلاطين لا يجب أن تُطيعة أو تسمع له ، أو تحترم كلمته ، لإنه لا دين له ولا شرف عنده ولا كلمة حق صادقة ينطقها لسانه.

 

الجلاد:

          إنني لا أُكذِبَكْ إذا قلت لك إنني أشم فعلا ً رائحة المسك تفوح في المكان في نفس اللحظة التي أجذب فيها تلك الذراع اللعينة.. وفي كل مرة أُكذّب نفسي...فهل لهذا تفسير عندك؟

 

الكاتب:

          التفسير واضح وأنت تعرفه ولكن تهرب منه...إنها الملائكة أيها الجلاد تأتي لتكون في شرف إستقبال الأرواح المؤمنة الطاهرة الراجعة إلی ربها راضية مرضية ، بعد أن أدت ما عليها ، وضحت في سبيل ربها بكل شئ ، إنه رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وآل بيته معه يستقبلون الشهداء ، الذين أستبحت دمائهم وأرواحهم ، بفعلتك القذرة ، وجذبتك البشعة للزراع الملعونة.. إنهم النبيون والصديقون والصالحون يكونون في إستقبال الأبرار ، الذين أعنت بيدك ، الظلمةَ والمستكبرين من الحكام ، علی قتلهم ، وإزهاق أرواحهم والإستراحة منهم. هذه هی رائحة المسك التي تشمها من هذه الأجساد الطاهرة ، التي فضلت الموت علی حياة الذل والمهانة ، وفضلت الأخرة  بنعيمها الدائم علی الدنيا بمتاعها الزائل ، وفضلت عبادة الله وحده مع الموت والتعذيب ، علی عبادة وطاعة غيره مع الحياة والرغد والراحة...ولا تهرب من نفسك يا رجل فأنت تعرف الحقيقة فويل لك مما كسبت يداك ، وويل لك مما قدمت لأخراك. أين ستهرب من ذنبك وكيف ستقدم غداً علی ربك.

 

الجلاد:

          (يبكي بصوت عالي وأنين مسموع)  كيف عُميّ علي إلی هذه الحد ، وكيف إنخدعت ولم أُدرك هذه الحقائق؟  وكيف تاهت عني وعن قلبي وعقلي ، فرحت أقتل هؤلاء الأبرياء ، بيدي وكيف أتطهر من ذنبي العظيم هذا ، وأكفر عنه.

 

الكاتب:

          كيف لُبّس عليك وشُبّه لك وخُدعت..فلم تری دينك الحقيقي ، ولم تعبد ربك ، كما أراد هو أن تعبده...ولم تدري أو تعلم إسلامك ، أو ما يطلبه الله منك ، ولم تفهم أو تعی حكمة الحياة ، أو القصد من الخلق ، أو علة الوجود ، فالسبب في كل هذا هو أولا ً وقبل كل شئ علماء الدين من أمثال المفتي الذين باعوا دينهم بدنياهم وإشتروا رضی حكامهم وأغضبوا ربهم وإشتروا الضلال بالهدی ، وتعمدوا إخفاء الحق وكتمانه ، وتلبيسه تنفيذاً لأهوائهم وإرضاء لأهواء حكامهم وولاتهم...وقد حدث هذا منذ بدء الإسلام وأسفاه...ومنذ اليوم الأول لوفاة رسول الله (ص)...وحتی يومنا هذا ، علماء وعلماء ، شيوخ وشيوخ وكتب ومجلدات وأسماء وأسماء...علی مر الأزمان ، طوال ١٤ قرن من الأحزان...والضلال والتضليل...حتی يتمتعوا هم بدنياهم العفنة...ساعدوا علی إنتشار الظلمة ، وإخفاء الدين ، وتزييف الحقائق ، تماماً كما فعل علماء بنو إسرائيل...فجعلوا المهم تافهاً لا يُذكر ، وجاءوا بالصغير والثانوی وجعلوه شيئاً مكبراً ، جعلوا الحرام مكروهاً والمكروه حلالا ً والحلال حراماً أو مكروهاً ، والمكروة حراماً ، خدمة لمصالحهم ومصالح سلاطينهم ، وتصنعوا التقوی والهدی فخدعوا الناس ، فصنع منهم الناس ألهة تُعبدّ ، وأصنامً لها يُسجد ، ورموزً لا يجوز أن تُفنّد ، وهم والله يشهد أعداء الله ...الذين هدموا الدين وأفسدوا الحياة ، وعمّوا علی الناس دينهم ، وزيّفوا لهم طريق ربهم ، فلعنة الله عليهم ، وعلی من إبتعهم علی ضلالهم بعد أن علم بفسادهم...وثانياً : حكامكم وسلاطينكم الذين أسلمتوهم زمام أموركم ، فجاروا عليكم ، وظلموا وحادوا عن الدين ، وعبثوا به ثم خرجوا عليه وكفروا به...ثم فتحوا بلاد المسلمين للأجانب من كل مكان ، ينهبوها ويسخروها لمصالحهم ، وقبعوا هم علی رقاب شعوبهم ، كالكلب الوفي علی روؤس أغنام سيده المطاع...يحرسون المصالح ويحمون الأطماع...ويفتكون بكل شريف ذي دين يرفض الإنصياع والإتباع.  فتب يا مسكين وأقلع عن ذنبك وعد إلی ربك وأطلب منه التطهير والتكفير والتوبة والقبول.

 

الجلاد:

          (يرفع رأسه إلی أعلی وينادي بأعلی صوته...يا رب...ودموعه تملاء خديه وعينيه)

وفجأة يدخل المقهی شاب في ثياب ضباط الأمن المركزي مسرعاً نحو مائدتنا ، يبدو عليه الإضطراب والإكتئاب...ثيابه غير مرتبة وعليه أثار تراب...ثم وجه كلامه إلی الجلاد وقال:

 

الضابط:

          أبي...أبي...مصيبة كبيرةً كبيرة...

 

الجلاد:

          ماذا حدث يا عمر؟!!

 

الإبن:

          لقد كنا في مهمة الأن ، وداهمنا مركزاً للمسلمين المتطرفين وقبضنا علی عدد منهم وكان من بينهم...

 

الجلاد:

          تكلم ...من كان بينهم؟!

 

الإبن:

          حسين أخي يا أبي...حسين أخي...(وإنهار وجلس وهو يبكي)

 

الجلاد:

          يا إلهي وماذا يفعل حسين معهم...وهل كان واحد منهم ونحن لا نعلم؟!

 

الإبن:

          يبدو هذا يا أبي ولم نكن نعلم...والتهمة كبيرة جداً يا أبي فقد وُجدت معهم أسلحة ومنشورات ضد الحكومة ، تدعوا لإقامة حكم الله ورفع كلمته وإقامة حكومة إسلامية...ولذا فقد وُجهت لهم تهمة...

 

الجلاد:

          تكلم تهمة ماذا؟!

 

الإبن:

          تهمة محاولة قلب نظام الحكم...

وإنهار الأب وهو يلطم ويبكي ويصرخ وينوح...إنه الإعدام إذن ، إبني سَيُحكم عليه بالإعدام...يا إلهي...لا يا رب...إنه أحب أبنائي...إنه الولد الصالح والعمل الصالح...إنه حسين...حسين...إنه زينة الشباب...وفخر الشباب...وجمال وإيمان الشباب...(يبكي)

 

الكاتب:

          والذين قتلتهم بيديك ، وعلقت رقابهم في المشانق...ألم يكونوا أولاد صالحين وأعمال صالحة ، وكانوا زينة وفخر وجمال الشباب المسلم المؤمن الموحد المضحي لله رب العالمين...أين لنا بأمثالهم ، وهل تجود الدنيا بأمثالهم إلا قليلا ً ، فكيف نضحي بهم بهذه السهولة ، ونقتلهم بأيدينا ، وهم خير ما جادت به أرضنا...وهم هبةٌ وهدية من ربنا...وهم فتيةٌ أمنوا بربهم وزدناهم هدی؟!

 

الجلاد:

          (يبكي بحرقة)  ولكن إبني...لا...لا...لا...لا أتحمل...لا أطيق...

 

الكاتب:

          وأباء من أزهقت أرواحهم ظلماً وعدواناً تنفيذاً لأمر الظلمة من أسيادك طمعاً في مرتب أو مكافأة أو ترقية ، ألم تفكر فيهم ، وفيما سببت لهم من حسرةٍ وألم وحزن حينما تسلمهم فلزات أكبادهم ، وقرة عيونهم ، وفخر حياتهم ، جثث لا حياة فيها ، بعد أن كانت قلوبهم تنبض بحب الله ، وألسنتهم تلهج بذكر الله ، وأجسادهم تنشط في طاعة الله ، وقد أطفئت أنت كل هذا بعملك القبيح وبديك الملوثتين وعقلك القاصر وضميرك النائم!

 

الجلاد:

          (يبكي)  يا رب...يا رب...إنه حسين...حسين...

 

الكاتب:

          وهل تعرف من هو الحُسين...إنه سيد الشهداء...الذي روی بدمه الطاهر شجرة التوحيد الطاهرة ، وذبحه نخبة من أدعياء الإيمان والإسلام مثلك ، والدين منهم برئ...فعسی الله أن  يُطهرك من ذنبك بدم الحسين الطاهر ، الذي سيظل يُضئ للدنيا علی مر الأزمان ، مثالا ً ونموذجاً للتضحية بالنفس والأهل والمال والولد ، في سبيل إعلاء كلمة الله ، والتصدي للظالمين والمستكبرين...

 

الجلاد:

          (يبكي ويقول)...وما ربك بظلام للعبيد...أنتم المنتقم يا الله...

 

الكاتب:

          نعم ، وهو أيضاً الرؤوف الرحيم للتائبين المقرين بذنوبهم والنادمين.

 

الجلاد:

          تبت إلی الله ورجعت إلی الله وندمت علی ما فعلت وعزمت علی ألا أعود...ولن أكون بعد اليوم نصيراً للظالمين ، وسأكون في صفوف المؤمنين المجاهدين ، هيا يا بني...لنری ماذا سيفعل الظالمون بأخيك ولنأخذ بيده ونحاول أن نراه ربما للمرة الأخيرة...هيا...(ويخرج متأبطاً ذراع إبنه مطأطأ الرأس يجر قدميه وهو يقرأ : (ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يُرزقون ، فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يُضيع أجر المؤمنين).

 

 

 

          وجمعت أوراقي...وعندما هممت بالخروج كان قارئ القرآن يقرأ هذه الأية : “قل يا عبادي الذين أسرفوا علی أنفسهم ، لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعاً ، إنه هو الغفور الرحيم”...وأُغلق المسجل...وعمّ الصمت...ولمحت ورقة ساقطة علی الأرض...يبدو أنها سقطت من الضابط...إبن الجلاد...فالتقتها وفتحتها...فإذا هی بيان من الحركة الإسلامية يبدو أنه كان من بين الأوراق التي ضبطت مع المسلمين المجاهدين...وقرأت البيان...فإذا هو دعوة لكل الناس المؤمنين بربهم..للإتحاد ورفع الظلم...ورفض الذل والقهر...والتمرد علی الحكام الظلمة المستبدين ، والحكومة الفاسدة الكافرة...وإذا هو يستعرض واقع البلاد المؤلم والمنحط والمتهاوي سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً ونفسياً...ويدعو للعودة إلی الإيمان الحق بالله وإلی تعاليم الإسلام الحنيف التي شرعها الله لصالح البشر وإزدهارهم وتقدمهم ونجاتهم في أخراهم..لإنها السبيل الوحيد لإصلاح ما فسد وإنقاذ ما تبقی...ويدعو الشعب بكل طوائفه أن يكون صفاً واحداً لتحقيق هذا الهدف ، وإعادة البناء علی أساس إيماني صلب...ويدعو الجيش والشرطة للوقوف مع الله ومع الإسلام ومع الشعب ومع المؤمنين المجاهدين ورفض تنفيذ أوامر القتل والإرهاب والسجن والتعذيب والإعدام...ويتعهد بمواصلة الكفاح والجهاد في سبيل الله حتی تعلو كلمته ويسود الحق والإيمان والخير والإسلام ، ويتوعد من يقف في طريق تحقيق هذا الهدف بالسحق والهلاك تحت أقدام الموحدين المؤمنين برب العالمين...وخُتم البيان بهذه الأيات الكريمة... “بسم الله الرحمن الرحيم ، فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالأخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب سوف نؤتيه أجراً عظيماً ، وما لكم لا تقتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك ولياً وأجعل لنا من لدنك نصيراً ، الذين أمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ، فقاتلوا أولياء الشيطان ، إن كيد الشيطان كان ضعيفا ”  صدق الله العظيم.

 

          وخرجت وأنا أتعجب هل من يقول هذا الكلام هو مجرم وإرهابي ومتطرف وأصولي يستحق السجن والتعذيب والقتل والإعدام؟!  هل مثل هؤلاء من يُقدّم وقوداً للسجون وزبانية التعذيب وفرق الإعدام وأعواد المشانق...ويُترك المنافقين والمفسدين والكافرين والعملاء وأعداء الله ينعمون ويحكمون ، ويَقتِلون ولا يُبالون...ويُذيقوا الناس الذل والفقر وهم مترفون ، وتسألت كما تسأل الله تعالی...ما لكم كيف تحكمون؟  أليس منكم رجل رشيد!  ولم أملك سوی أن أتنهد وأقول...لا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين.