كان حوارنا مع الكلب الضاّل مصادفةً ودون ترتيب مسبق ، ولكنه كان هاماً ومفيداً ، وأحياناً مخيفاً ومزعجاً.  فما أصعب وأخطر أن تجد نفسك ليلا ً أمام كلبٍ ضاّل...وحدك...وليس معكما ثالث!

 

كان الطريق هادئاً ، والضوء خافتاً ، ولا يكاد يوجد ماره...كان الجو مليئاً بالضباب الكثيف مما يُصّعبّ الرؤية أكثر...وكان الليل يكاد يقترب من منتصفه ، عندما شق نباحه العصبي المتواصل سكون الليل الجميل ، وهدوءه الخلاب ، وسحره الحالم.

 

وللحظة تصورت أن هجوماً وحشياً سيقع عليّ ، لا أدري من أين ! ولكن سكت النباح فجأة كما بدء فجأة ، وهدأت نفسي قليلا ً ، ولكن ما لبث أن رأيته بطرف عيني واقفاً ، رما دي اللون ، نحيفاً كث الشعر وأشعثه ، ينظر نحوي بخوف وترقب وتأهب ، ووجدتها فرصة سانحة لنقترب منه أكثر ، وإن كان هذا الأمر إحتاج للكثير من الشجاعة والحرص ، ولنتعرف عليه بصورة أفضل ، إستجمعنا شجاعتنا وبحذر شديد دنونا منه ، ثم دار بيننا الحوار التالي:

 

الكاتب:

          كيف حالك أيها الكلب...عسی أن تكون بخير.

 

الكلب:

          لا يرد...ويلهث...وينظر في تردد وريبة.

 

الكاتب:

          أرجو ألا نكون قد أزعجناك أو نثقل عليك...

 

الكلب:

          ماذا تريد مني؟  ولما لا تدعني وشأني!!

 

الكاتب:

          أريد أن أطرح عليك بعض الأسئلة لأتعرف عليك بصورة أفضل ، ولن أخذ من وقتك كثيراُ ، وسأتركك بعدها وشأنك...فهل لديك مانع؟

 

الكلب:

          إنني لا أكاد أفهم ما تقول...وكثرة السلامات والتأسف والإستئذان وما إلی ذلك من الإتيكيت والذوق...كل هذا يثير أعصابي...فأنا لا أعرفه ولم أتربی أو أتعود علیه ، ولذا فأنا حتی لا أفهمه ، ولا أفهم لما يجب أن يضيع الوقت فيه...وأنا بطعبي أحب أسهل وأقصر طريق إلی الشئ ، حتی ولو كان خطأً أوغير مقبول من الأخرين...فما تربيت عليه وتعلمته وعرفته ككلب ضال ، هو تقبل المخاطر أياً كانت في سبيل ما أريد أن أحصل عليه ، وعدم المبالاة ، أو الإكتراث بالأخرين ، أو بمشاعرهم أو ما قد يقولون...فهذا لا يهمني إطلاقاً...ولو كنت مكانك لدخلت فيما أريد مباشرة دون كل هذه البروتوكولات التي لا أفهمها ولا تهمني...

 

الكاتب:

          لم نكن نعلم هذا عنك ، ولكن نستمحيك عذراً فنحن غيرك ، ولا نستطيع أن نعامل الأخرين مثلك ، فعفواً إذا صدر منا بعض الذوق تجاهك ، أو رأيت منا ما يثير أعصابك ، من أدب أو مجاملات أو إتيكيت...فهذه الأشياء هی جزء منا ، وهی نتاج التقدم والرقيّ البشريّ ، وهی ما يميزنا كبشر عن الكائنات الأخری ، وهذا ما فضلنا الله به عليكم ، معشر الحيوانات الضاّلة...ولا نستطيع ولا نقبل أن نتخلی عنها...حتی وإن كانت تثير أعصاب أمثالك من الكلاب الضالة.  ومرة أخری هل تأذن لنا في بدء الحوار؟ وهل لديك مانع؟!

 

الكلب: (يصدر نباحاً يدلّ علی الضيق)

          لا...ولكن لتكن أسئلتك سريعة ومباشرة وغير معقدة وسهلة الفهم علی من هو مثلي...ولتنتهي من كل هذا بسرعة!!

 

الكاتب:

          نعدك بهذا...إسمح لي أولا ً أن أسئلك لماذا أراك متضايقاً ومهموماً ، ولا تكاد تنعم بهدوء الليل وجماله؟

 

الكلب:

          أولا ً...التمتع بالهدوء والجمال ، وهذه الرومنسيات ، وهذه الروحانيات ، ليس من طبعي...بل أنا أصلا ً لا أشعر بأي جمال أو متعة في هذه الأشياء فلا قيمة لها عندي ، إلا إذا كانت ستخدم مصلحة لي ، أو فائدة أو تعود علي بنفع ما...أما ما يضايقني ويشغل بالي...هو أنني وحتی الأن لم تأتيني الفرصة التي أتت لمئات ، بل لألوف غيري من الكلاب الضالة ، لأتسلق سُلّم المجتمع وأتألق فيه...وأحقق طموحاتي وأتخلص مما أنا فيه...فأنا لست أقل منهم ولا هم بأفضل مني...

 

الكاتب:

          عجباً...وهل تسلّق سُلّم المجتمع وتألق فيه كلابٌ ضاّلة مثلك؟!

 

الكلب: (ينبح بسخرية)

          نعم يا سيدي...ألوف وألوف وأكثر ،ولكن عينيك لا تراهم ، وإن رأيتهم فإنك لا تعرف حقيقتهم الكلبية الضالة...لكثرة ما أضافوه علی أنفسهم ، بالتصنع تارة ، والتقليد والمحاكاة تارة أخری...ولكن إسئل نفسك سؤالا ً بسيطاً...أين هی الكلاب الضاّلة ، التي كانت تملاء الشوارع والطرقات ليلا ً؟ ...وتملاءه نباحاً ورعباً ، حتی كنتم أيها البشر تقيمون الحملات للقضاء عليها ، لأنها تزعجكم وتؤرق منامكم وتفسد أمنكم...أين ذهبت الأن؟  هل تری لها أثراً؟!  لقد إرتعشت أنت منذ قليل ، ورأيتك بنفسي ، عندما سمعت صوت نباحي...لما؟!  لأنك لم تتعود علی هذا منذ مدة طويلة ، وبالتحديد منذ أن بدأت الكلاب الضاّلة في الإختفاء من طرقاتكم وأخذت تدخل حياتكم وأنتم لا تشعرون.

 

الكاتب:

          ملاحظة صحيحة تماماً...لم أكن أنتبه إليها...ولكنا كناّ نظن أن الحملات والجهود هي التي قضت علی هذه الكلاب...

 

الكلب:

          وهم يا سيدي! فلا جهودكم ولا حملاتكم...ولكن ما حدث هو أن الكلاب الضاّلة دخلت حياتكم ومجتمعاتكم ، وتسلّقت سُلّمها وبسرعة ، ولذا إختفت من الطرقات ، وتركت حياة الضلال والكلبية...أو لنقل بصورة أدق...تركت الطرقات وأخذت حياة الضلال والكلبنة معها ، ودخلت حياتكم ومجتمعاتكم.  هاكذا أصبح لا أثر لها الأن ، اللهم إلا من قليلي الحظوظ والتعساء مثلي وهم قليلون علی كل حال...ونحن أيضاً لم نفقد الأمل ، ولانزال ننتظر الفرصة المواتية ، ومن أجل هذا تجدني متوتراً متلهفاً ، وحزيناً في نفس الوقت ، لأني في هذا المكان الموحش حتی الأن ،وغيري لا يفرقون عني شيئاً...سكنوا الشقق والبيوت والفلل ، بل والقصور أيضاً ، وجلسوا علی المكاتب الفارهة ، وخالطوا الأسر الراقية بل وتزوجوا وأنجبوا منها أيضاً!!

 

الكاتب:

          إن ما تقوله من معلومات مثير وخطر في نفس الوقت...فهل لك أن تلقی عليه المزيد من الضوء...فكيف يحدث كل هذا ولا نكاد نشعر؟!

 

الكلب:

          لأنكم تنخدعون بسهولة ، ويغرّكم المظهر ، ولا تُبالون بالبحث عن حقائق الأمور وأصولها وجذورها ، خاصةً مع إيقاع الحياة السريع الأن وتداخل الأمور والمصالح.   هل تعرف يا سيدي مثلا ً ، أن كثيراً من رؤساء الدول الأن ، ورؤساء الحكومات ، هم من الكلاب الضاّلة أصلا ً ، وكثيراً من كبار الموظفين والمديرين ، وكثيراً حتی من أساتذة الجامعات والتجار ورجال الأعمال ، والكثير من ضباط الجيش والشرطة وأهل الفن المشهورين...نسبة كبيرة جداً منهم من الكلاب الضالة...والأهم من ذلك هو الكثير من العاديين من أمثالك منهم الطبيب والمهندس والصحفي والمحامي والقاضي والموظف والمحاسب...الذين يقتحمون المجتمع وتأتيهم الثروة والمال ، ويحصلون علی المكانة الإجتماعية ، ويخالطون أسركم كما ذكرت ، ويتزاوجون منكم ، ويشكلون أُسراً خليطة ، وأجيالا ً متداخلة ، نصفها كلبي ضاّل ونصفها منكم...وأحياناً تكون الأسرة بكاملها ، وأبناءها ، كلبية ضاّلة في جذورها وأصلها ، ولكنها تأخذ شكلا ً يشبهكم وتتصرف وتتعامل مثلكم ، ومع المال والمكانة الإجتماعية ، والنفوذ أحياناً يخيل لك أنها منكم تماماً ، وتختفي الصورة القديمة وتحل محلها صورة مصطنعة مفبرّكة مزيفة.

 

الكاتب:

          هل تستطيع أن تُعطيني أمثلة لتثبت كلامك؟

 

الكلب:

          بلا شك...خذ عندك...فلان وفلان وفلان...وأسرة كذا.  وأسرة كذا وأسرة كذا ...  (وأخذ يعدد أسماء لا حصر لها ، وسط ذهولي وتعجبي...فهذه الأسماء تشكل عدداً كبيراً من المسئولين ، والمرموقين والأغنياء والمتفقهين والفنانين والمهنيين والمشاهير وحتی رجال دين وعاديين ، منهم أصدقاء لي ، وأُسر بيننا وبينها صلة أنساب...وشعرت بالخجل الشديد ، وبالسذاجة ، وبالخطر المحدق في نفس الوقت ، لأننا قد وصلنا إلی هذا الحد من الغفلة والجهل والإستهتار حتی أنني طلبت منه أن يسكت عدة مرات!!!)

 

الكاتب:

          ولكن ماذا عن طبيعة هؤلاء الكلبية الضالة...وماذا يفعلون فيها؟

 

الكلب:

          كما قلت لك ، يأخذونها معهم في معظم الأحيان ، فهی جزءٌ منهم ومع طول الوقت والزمن ، تتحور هذه الطبيعة ، وتأخذ صوراً أخری ، ولا تنسی أن العملية بدأت منذ زمن طويل ، فلذا مع التطبع والتقليد ، والأجيال الجديدة ، تتغير الصورة أحياناً ، ولكنها تبقی بلا شك...فالطبيعة الكلبية الضاّلة قوية ، ولا يسهل التخلص منها ، مهما طال الزمن ، وهی متمكنة في أصل وجذور الشخصية ، وأهم من ذلك ، أن هذه الطبيعة الكلبية الضاّلة هی التي مكنتهم أساساً من إقتحام المجتمع ، والتغلغل فيه وخداعه ، وتسلق سلمه بهذا الشكل الكبير الذي تراه...ولذا فهذه الطبيعة والتمسك بها ، هو جزء من إحساسهم بالقوة ، وهم يتمسكون بها علی الأقل في اللاشعور ، خوفاً إن تركوها أن يذهب عنهم ما أتاهم من فضل وخير ، ومكانة لم يكونوا يحلمون بها أو يتصورونها.

 

الكاتب:

          هل يمكن أن تعطينا فكرة عن هذه الطبيعة الكلبية الضالة وكيف مكنتهم من إختراق المجتمع؟

 

الكلب:

          نعم...فمثلا ً من طبعنا عدم الوفاء...علی غير طبيعة الكلب المستأنس الأصيل الوفي...ومن طبعنا النظر إلی مصلحتنا وفائدتنا فقط ، كما قلت لك ونحن لا نعرف المشاعر والروحانيات وما إلی ذلك ، ونُضحي بأي شئ في سبيل ما نريد أن نحصل عليه...ونحن لا نحرص علی الأخلاقيات والقيّم والمُثلّ ، ولا نعرفها ولا نفهمها ولا نحترمها ، ولا نعمل بها ، ولكن لا مانع من أن نستفيد منها ، إن كان في ذلك مصلحتنا ، ونحن أيضاً نهاجم من هو أضعف منا ونعضه ، ونستقوی  ونستعلی علی من يخافنا...ونحن في نفس الوقت حبناء ، ونخضع ونطيع ونخشی مَن هو أقوی منا...نباحنا كثيرٌ وعالي ، إذا كنا الأقوی أو كنا وحدنا ، وأردنا أن نُخيف...ولا صوت لنا ، إن خفنا وذعرنا...نكره في داخلنا الكلاب الأصيلة ، ولا نشعر بالأنتماء لشئ ، ولا حتی لأنفسنا..ولا نشعر بالولاء لشئ ، ولا لشخص مهما كان ، ولا لهدف أو مبدأ...نحب الظلام ونميل إليه ، وننشط فيه ، ونشعر بالأمان...ونحن لا نشبع أبداً ، ونحب الكنز ، خوفا من أن لا نجد قوتنا...ولا نحب التقيد بأي شئ ، وهذا جزء من طبيعتنا ، ونحب الحرية التامة في أي شئ وكل شئ...ولذا لا نحب الأتيكيت والذوق والأدب وإلی أخر هذه القيود...نجري وراء شهواتنا في أي وقت ، وأي مكان ، ونحاول أن نأخذها ونحققها.  لا نعرف أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً ، ولا معنی للأسرة عندنا ، ونحب الشارع والتواجد فيه ، ونكره المنزل والجلوس فيه ، حتی ولو كان مع أبنائنا وأزواجنا.  الشعور بالخوف وعدم الأمان ، جزء من تركيبتنا ، ولذا نجهد في الحصول علی الأمن والأمان بأي وسيلة وطريقة... بإدخار المال ، والنفاق ، وممالقة الأقوياء أحياناً ، وبالنباح العالي ، وإستعراض القوة ، والكذب والهروب والجري أحياناً أخری... ونحن لا نحب أن نتفكر أو نُفكر أو نُعمل عقولنا إلا فيما يفيد مصالحنا وحياتنا فقط... ولا نستطيع ولا نقبل أن نُفكر أو نعمل لغير أنفسنا فقط ، ومن أكره الأشياء إلی أنفسنا ، هذه الحوارات الفكرية ، والمنطقيات ، وكل ما يدعوا لإعمال العقل لغير ما مادة ، أو منفعة عينية...إننا نحب الماديات ، وهی كل ما نراه ، وغير ذلك ، اياً كان ، لا نحفل له أو به..هذه بعض طبائعنا فقط وليس كلها...فهل تريد أن تسمع المزيد؟!  وهل تريد أن أقول لك كيف مكنتنا هذه الصفات الكلبية الضالة من إختراق المجتمع وتسلقه؟

 

الكاتب:

          لا..لا أرجوك..فهذا يكفي فإنك أصبتني بالغثيان...وواضح تماماً مما ذكرته من الصفات ، كيف مكنتهم هذه الطبائع من تقلد ما تقلدوه، وأخذ ما أخذوه...ولكن أخبرني ، كيف بدأ خروجكم من حياتكم الكلبية هذه ودخول المجتمع؟ وهل يمكن التخلص نهائياً من هذه الطبيعة الكلبية الضالة وصفاتها وخصالها؟

 

الكلب:

          المال...يا سيدي...هذا هو المفتاح ، ثم بمساعدة الصفات الأخری نستزيد من المال ، ونكنز ونشتري ونتملك ونتقوی ونصل إلی أعلی وهاكذا...وأنتم أيها البشر تحبون المال حباً جماً ، كما قال الله تعالی...وإذا وُضع أمامكم لا ترون معه شيئاً ، مهما كان واضحاً أو ساطعاً.  ثم العلم...فمنذ أن سُمِعَ لنا بدخول مراكز العلم والتعلم مجاناً ، أو حتی بالمال ...دخلنا المدارس وتخرجنا من الجامعات ، ولكن معنا دائماً طبيعتنا الكلبية الضالة ، التي حدثتك عن بعض صفاتها ، وهی التي فتحت كل الأبواب ، وإرجع إلی هذه الصفات لتعرف كيف ساعدتنا.  ونحن أذكياء جداً يا سيدي في تعلم أي علم أياً كان ، ولو كان سيخدم مصالحنا ووجودنا وشهواتنا، حتی لو كان علوم الدين ، ولكن لا نستطيع أن نتعلم العلم للعلم فقط ، أو لخدمة أهداف نبيلة ، أو سامية ، أو لحاجة المجتمع ، أو ما إلی هذا الكلام الفارغ ، الذي لا نفهمه ولا نعرفه ، ولا يحرك فينا دافع ، أو يستثير فينا رغبة من أي نوع.  إذن فالمال والعلم وبمساعدة كبری من طبيعتنا الكلبية الضالة ، هی ما ساعدنا في الخروج مما كنا فيه ، والإرتفاع إلی القمة ، علی أكتافكم وبمباركتكم وموافقتكم ، ووسط إعجابكم وإنبهاركم.  أما بالنسبة للتخلص نهائياً من الطبيعة الكلبية الضاّلة فهذا غير ممكن إلا من خلال الإيمان الخالص النقي بالله الخالق العظيم سبحانه ومحبته وطاعته وتقواه فهذا هو الذي يسمو بناوبكم.

 

الكاتب:

          هل أنت متعلم أيها الكلب الضاّل؟

 

الكلب:

          نعم ، إنني أحمل البكالوريوس من إحدی الكليات ، وحصلت علی الماجستير الشهر الماضي وسأحضر  للدكتوراه قريباً.

 

الكاتب:

          يا للعجب ، وكيف سُمِح لك مع طبيعتك الكلبية الضالة هذه؟

 

الكلب:

          إن هذا ليس بعائق ، ولا تشترط الجامعة إستبعاد الكلاب الضاّلة ، وأنا كما قلت لك ، مثل قومي ، ذكي في كل ما يخدم مصالحي ، وألتهم العلم إلتهاماً ، لأنني أعرف ما سيعود علي به من فوائد ، في إختراق وتسلق المجتمع... ثم لا تنسی أن الكثير من أساتذتي وحتی عميد الكلية ، هم أيضاً من الكلاب الضاّلة المحظوظة ، التي واتتها الفرصة وأخترقت الجامعة وتقلدت  المناصب ، ولذا فهم يقدرون ظروفي ، ويساعدونني ، ولا يقفون في طريقي.

 

الكاتب:

          هل وفاء هذا منهم أم إنتماء؟

 

الكلب:

          لا هذا ولا ذاك...ولكن كُرهاً في الأصالة وكرم المنبت ، والأخلاق الحميدة والطبع الحسن ، وبغضاً للكلاب الأليفة المتربية الأصيلة ، والتي نشترك جميعاً ككلاب ضالة في كراهيتها وبغضها والحقد عليها وحسدها منذ أيام ضلالنا.

 

الكاتب:

          إذن فأنت حصلت علی العلم فينقصك ماذا؟

 

الكلب:

          المال يا سيدي ، ثم الفرصة المواتية ، وبعد هذا فطبيعتي الكلبية الضاّلة كفيلة بان تدفعني إلی الأمام دائماً وتحقق طموحاتي وأهدافي.

 

الكاتب:

          سؤالا ً مهماً الأن...كيف يمكن أن نعرفكم من كثرة التصنع والتزييف ، والتتطبع والتمثيل ، وقد أصبحتم ولكم مثل أسمائنا وأموالنا ومراكزنا وتقاليدنا.

 

الكلب:

          ليس المفروض أن أجاوب عليك ، لأن هذا سر من الأسرار ، لا يجب لمثلي يستعد لإقتحام المجتمع أن يجيب عليه ، وإلا فلا أدري فلربما تستخدم ما ستعرفه مني للتعرف علي في المستقبل إذا إلتقيت بك في مكان غير هذا المكان ، وزمان غير هذا الزمان ، في إدارة من الإداراة أو وزارة من الوزارات ، أو علی شاشة تلفزيون،  أو موجه راديو ، في صفحة جريدة أو فيلم فيديو ، أو إذا أتيتك أطلب يد أختك أو إبنتك أو إبنك لنفسي أو لإبني أو لإبنتي...وأنا لا أريد هذا أبداً ، فأنا أريد أن أذوب معكم لأبقی ...وأريد لطبيعتي الكلبية الضاّلة  منكم أن تُنسی...ولكن علی أي حال سأعطيك مفتاحاً بسيطاً لإجابة سؤالك ، إن وعدتني ألا تفضحني إن رأيتني فيما بعد وسطكم وعرفتني.

 

الكاتب:

          أعدك بهذا...اللهم إلا إذا كنت سأحمي نفسي أو مؤمناً بالله منك فإني لا أعدك.

 

الكلب:

          قبلت هذا منك...إنك تستطيع أن تعرفنا سيدي مهما تلوّنا وزيفنا وغيّرنا من طبيعتنا الكلبية الضاّلة التي حدثتك عنها فإرجع إليها وأدرسها بدقة ، فهذه الطبيعة معنا ، وجزء منا ومن ذريتنا ، فإن رأيت منها شيئاً ، أو أشياء ، فأعرفنا بها ، وشخصنا من خلالها ، مهما إستطالنا أو علونا ، أو أدعينا أو كذبنا ، أو زيفنا...ولا أستطيع أن أقول لك أكثر من ذلك ، ولكن إحذر ففي كشفنا وإكتشافنا خطر شديد عليك...وسنكون وقتها كلنا من حولك ضدك وسنهشك ونعض عليك ، قبل أن تفضحنا وتقرض علينا ، وعلی ما أنجزنا وسندافع عن أنفسنا بكل وسيلة فخذ حذرك...وأنظر إلی مصلحتك التي هی في أحيان كثيرة ستكون معنا قبل غيرنا (وفي هذا الوقت أتی كلبٌ ضاّل أخر ، مسرعاً يلهث ، وتبادل النباح لحظات مع كلبنا الذي نجري الحوار معه ، ثم مضی...ووجدت بعدها أسارير كلبنا قد تهللت ، وقسمات وجهه إنشرحت ، وأخذ يدور حوله ويكاد يرقص طرياً فسئلته...)

 

الكاتب:

          ما هو سر هذه الفرحة المفاجئة والسرور الغامر؟ وماذا قال لك صاحبك؟!

 

الكلب:

          لقد حمل إلي أحلی وأجمل خبر ، الخبر الذي كنت أنتظره وأتمناه.  الفرصة المواتية التي حدثتك عنها...

 

الكاتب:

          ماذا حمل لك؟

 

الكلب:

          لقد أخبرني بأنني قد حصلت علی تأشيرة دخول إلی دولة خليجية ، وسأسافر إلی هناك خلال يومين ، ومن هناك سأحاول أن أحصل علی عقد عمل ، مستخدماً طبيعتي الكلبية الضالة ، ثم سيأتيني المال ، والمال الوفير ، وبالشهادات التي معي ، والمال الذي سيأتي الي ، وبفضل طبيعتي الكلبية ، سأقتحم مجتمعكم وأعلو فيه ، وأقف فوق رؤوسكم ، وأتناسل معكم ، وأنال إعجابكم ، وأذوب فيكم ، وتكون ذريتي مشتركةٌ بيني وبينكم.  أخيراً أتتني الفرصة التي أنتظرها وأتمناها وأسعی إليها...أخيراً...سأخرج مما أنا فيه ، من حياتي الكلبية وضلاّلها ، وسأنال ما ناله الأخرون ، وأحصل علی ما حصل عليه الكلاب الضاّلون...فوافرحتاه...

 

الكاتب:

          ولكني خبرني بالله عليك قبل أن تمضي في سبيلك ، وتُفتح الدنيا عليك ونيتهی لقائنا ، ولا أراك في صورتك الحقيقية هذه ثانية ، كيف نحمي أنفسنا منكم في المستقبل...

 

الكلب:

           (وهو يمضي بعيداً)...لا تنسی أن رسول الله صلی الله عليه وأله أمركم بقتل الكلاب الضاّلة وسحقها ، لخطرها عليكم ، ولكنكم تركتم دينكم وتنفيذ أمر نبيكم ، الذي أمركم بكل خير ، وإن لم تفهموه ، أو تفهموا مغزاه الحقيقي ، ولذا تمكنا منكم وتداخلنا معكم ، وتاهت أنسابكم ، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم وإلی اللقاء.

 

 

 

ومضی وهو يضحك ، ويطلق نباحاً عالياً فرحاً ، يمزق به سكون الليل الجميل ويقطع صفائه الساحر ويضيف عليه قبحاً ليس فيه ولكنه أصبح جزءاً منه...ومضيت وقلبي يعتصر خوفاً ويتمزق ألماً وحزناً وقد فهمت وأدركت الأن لما فسدت الحياة ، وضاعت الذمم والضمائر ، وتغير وإنحط الإنسان ، وساد الفساد وعمَّ الضلا ّل...ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين.