وثائق كربلاء

 

 

مجموعة الوثائق هذه مما إتفق عليه معظم مؤرخين المسلمين مثل: تاريخ الطبري ، تاريخ الكامل لإبن الأثير ، تاريخ اليعقوبي ، مقتل الحسين للخوارزمي ، مروج الذهب للمسعودي ، تاريخ إبن عساكر ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ، البداية والنهاية لإبن كثير وغيرهم كثير...

 

وهى تخص الأحداث التي أدت إلى مأساة الإمام الحسين (ع) في كربلاء وترسم مجتمعة الصورة الحقيقية لمِا وقع ومَن هو المتسبب فيه والمسؤل عنه؟!  والحُكم متروك للقارئ الكريم...

 

***************************************************************************************************************************

 

مات معاوية ونُودي في دمشق بإبنه يزيد حاكماً جديداً على بلاد المسلمين.  ولتثبيت أركان حكمه ، بعث برسالة إلى والِيه على المدينة وإبن عمه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان ، وهى أول رسالة تصدر منه في أوائل أيام حُكمه ونص الرسالة موجود أمامكم كما جاء في المصادر التالية:

- مقتل الحُسين للخوارزمي

- تاريخ إبن عساكر

- تاريخ الطبري

- تاريخ اليعقوبي

 

وكلُها مصادر قد وافق عليها الدفاع ولم يشكك فيها.  وللسجل يقول نص الرسالة الأتي:

 

"أما بعد فإن معاوية كان عبداً من عبيد الله أكرمه وإستخلفه ومكن له ، ثم قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته وثوابه ، عاش بقدر ومات بأجل ، وقد كان عهد إلىَ وأوصاني.  أن أحذر أل أبي تراب (وهم الضحايا في هذه القضية) وجُرأتهم على سفك الدماء وقد علمت يا وليد أن الله تعالى منتقم للمظلوم عثمان بن عفان ، (الخليفة الثالث) ، من أل أبي تراب بأل أبي سفيان لأنهم أنصار الحق وطُلاب العدل ، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخُذ البيعة لي على جميع أهل المدينة."

 

ثم كتب صحيفة صغيرة مرفقة بالرسالة جاء فيها: " أما بعد فخذ الحُسين ، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن زبير (وهؤلاء من وجهاء القوم الذين لم يُبايعوا ولم يُوافقوا على بيعة يزيد) بالبيعة أخذاً عنيفاً ليست فيه رُخصة.  فمن أبى عليك منهم، فاضرب عنقه ، وابعث إليَ برأسه والسلام."

 

**********************************************

 

وقد جاء في هذه الرسالة وهى مثبوتة في المصادر الأتية: في مقتل الحُسين للخوارزمي ، تاريح اليعقوبي ، تاريخ الطبري ، يقول إبن عباس ليزيد بن معاوية في فقرة من الرسالة:

 

" وما أنسى من الأشياء ، فلست بناسِ إطرادك الحُسين بن علي من حرم رسول الله إلى حرم الله ودسك إليه الرجال لتغتاله فأشخصته من حرم الله إلى الكوفة.  فخرج منها خائف يترقب ، وقد كان أعز أهل البطحاء (مكة) بالبطحاء قديماً ، وأعز أهلها بها حديثاً ، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوأ بها مقاماً واستحل بها قتالاً.  ولكن كره أن يكون هو الذي يستحل حُرمة البيت وحُرمة رسول الله ، فأكبر من ذلك ما لم تكبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليُقتل في الحرم."

 

**********************************************

 

يقول الحُسين (ع) ما نصه:

" يابن عباس ، فما تقول في قوم أخرجوا إبن بنت رسول الله من وطنه وداره وموضع قراره ومولده وحُرم رسوله ومجاورة قبره ومسجده وموضع مهاجرته وتركوه خائفاً مرعوباً ، لا يستقر في قرار ولا يأوي إلى وطن ، يريدون بذلك قتله وسفك دمه!"

 

**********************************************

 

ثم يقول في موضع أخر ما نصه:

" هيهات يابن عمر إن القوم لا يتركوني ، إن أصابوني وإن لم يصيبوني ، فإنهم يطلبوني أبداً حتى أبايع وأنا كاره ، أو يقتلوني."

 

**********************************************

 

رسالة أرسلها الحُسين (ع) إلى معاوية بعد مقتل عمرو بن الحمق يلومه ويؤنبه وقد جاء فيها كما هو أمامكم وكما جاء في تاريخ الطبري ما يلي:

" ألست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (ص) ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة ، فأنحلت جسمه ، وصفرت لونه ، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل ، ثم قتلته جرأة على ربك وإستخفافاً بذلك العهد!"

 

ญญญญญญญญญญญญญญญญญญญญญญญญญญ**********************************************

 

جاء في كتاب تاريخ اليعقوبي وتاريخ الطبري أن معاوية لما كتب إلى أخيه غير الشرعي وواليه على البصرة "زياد بن أبيه" يطلب منه دعوة الناس للبيعة ليزيد من بعده ، رد عليه زياد برسالة يقول فيها:

" يا أمير المؤمنين ، فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد؟!  وهو يلعب بالكلاب والقرود ، ويلبس المصبغ ، ويُدمن الشراب ، ويمشي على الدفوف ، وبحضرتهم الحُسين بن علي (الضحية في هذه القضية) وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر! ولكن تأمره ويتخلق بأخلاق هؤلاء حولاً وحولين فعسانا بعدها أن نموه على الناس!!"

 

**********************************************

 

جاء في تاريخ اليعقوبي والطبري وإبن الأثير ما يلي:

" وبايع معاوية لإبنه يزيد بولاية العهد ، بعد وفاة الحسن بن علي ، وتخلف عن البيعة أربعة نفر: الحُسين بن علي ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد الله بن الزبير.  وقال عبد الله بن عمر: نُبايع من يلعب بالقرود والكلاب ، ويشرب الخمر ، ويظهر الفسوق! ما حجتنا عند الله؟!"

**********************************************

 

جاء في تاريخ الطبري واليعقوبي وإبن الأثير ما يلي:

عندما تولى معاوية بن يزيد بن معاوية (وهو إبن المُتهم الأول) الحكم بعد هلاك أبيه (المُتهم الأول) خطب الناس وقال: "ألا وإن جدي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمر من كان أولى به منه في القرابة برسول الله (ص)، وأحق في الإسلام ، سابق المسلمين ، وأول المؤمنين ، وإبن عم رسول رب العالمين ، وأبا بقية خاتم المرسلين.  فركب منه ما تعلمون ، وركبتم منه ما لا تنكرون حتى أتته منيته وصار رهناً بعمله.  ثم قلد أبي وكان غير خليق للخير ، فركب هواه ، واستحسن خطاءه ، وعظم رجاؤه ، فأخلفه الأمل ، وقصر عنه الأجل ، فقلت منعته وإنقطعت مدته ، وصار في حفرته رهناً بذنبه ، وأسيراً بجرمه.  (ثم بكى وقال): إن أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه ، وقد قتل عترة الرسول (ص) ، وأباح الحُرمة ، وحُرق الكعبة ، وما أنا المتقلد أموركم ، ولا المتحمل تبعاتكم ، فشأنكم أمركم."

 

ญญ**********************************************

 

يقول اليعقوبي في تاريخه ما يلي:

وكان سعيد بن المسيب يُسمي سني يزيد بن معاوية بالشؤم: "في السنة الأولى قتل الحُسين بن علي وأهل بيت رسول الله (ص) ، وفي الثانية استبيح حُرم رسول الله (ص) وانتهك حُرمة المدينة ، وفي الثالثة سفكت الدماء في حُرم الله وحُرقت الكعبة."

 

ญญญญญญญญญญญญญ**********************************************

 

جاء في كتاب "مقتل الحُسين" للخوارزمي الحنفي:

لما دعا الوليد بن عقبة والي المدينة الحُسين (ع) إلى بيعة المُتهم الأول قال له الحُسين (ع):

" أيها الأمير! إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومهبط الرحمة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق شارب خمر ، قاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق ، فمِثلي لا يُبايع مثله."

 

ญญญญญญญญญญญ**********************************************

 

جاء في "مقتل الحُسين" للخوارزمي الحنفي:

خطب مروان الناس في المسجد الأعظم في المدينة وكان والياً عليها من قبل معاوية والد المُتهم الأول ، وذلك ليدعوهم إلى بيعة المُتهم الأول بولاية العهد بعد أبيه.  فسكت الناس ثم تكلم عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: " كذبت والله ، وكذب من أمرك بهذا ، والله ما يزيد بمختار ولا رضا. يزيد الخمور!  يزيد القرود!  يزيد الفهود! ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية!"

 

ญญญญญญญญญญญญญญญญญ**********************************************

 

جاء في "مقتل الحُسين" للخوارزمي الحنفي:

قال معاوية لإبنه يزيد المُتهم الأول وهو يوصيه:  " إن من أجلك أثرت الدنيا على الأخرة ودفعت حق علي بن أبي طالب.  وحملت الوزر على ظهري ، وإني لخائف أنك لا تقبل وصيتي فتقتل خيار قومك ، ثم تغزو حرم ربك فتقتلهم بغير حق ، ثم يأتي الموت بغتة ، فلا دُنيا أصبت ، ولا أخرة أدركت."

 

**********************************************

 

الرسالة التي كتبها يزيد (لع) إبن زياد (لع) يوليه فيها على إمارة الكوفة بالإضافة إلى البصرة ، كما جاءت في مقتل الحُسين للخوارزمي الحنفي وفي تاريخ الطبري وتاريخ اليعقوبي وإبن الأثير:

 

" من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى عبيد الله بن زياد...سلام عليك أما بعد...فإن الممدوح مسبوب يوماً ، وإن المسبوب ممدوح يوماً ، ولك ما لك ، وعليك ما عليك وقد انتميت ونميت إلى كل منصب.  قد بلغني أن أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحُسين في القدوم عليهم ، وأنه قد خرج من مكة متوجهاً نحوهم.  وقد أبتلي بالحُسين زمانك من بين الأزمان ، وأبتلى به بلدك من بين البلدان ، وأبتليت به بين العمال ، فإن قتلته ، وإلا رجعت إلى نسبك وإلى أبيك عبيد.  فأحذر أن يفوتك...وفي  هذه تُعتق أو تكون عبداً كماً تعبُد العبيد.

وقد أخبرتني شيعتي من أهل الكوفة أن مسلم بن عقيل بالكوفة يجمع الجموع ، ويشق عصا المسلمين.   وقد إجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي تراب.  فإذا أتاك كتابي هذا ، فسِر حين تقرأه حتى تقدم الكوفة فتكفيني أمرها فقد ضممتها إليك وجعلتها زيادة في عملك على البصرة.  وانظر أن تطلب مسلم بن عقيل كطلب الحرد ، فإذا ظفرت به فخُذ بيعته أو إقتله إن لم يبايع.  وأعلم أنه لا عذر لك عندي ، وما أمرتك به فالعجل العجل ، والوحاء الوحاء ، والسلام."

 

**********************************************

 

وقد أرسل إبن زياد تلك الروؤس مع إثنين من جلاوزته ، هانئ بن حية الوداعي ، والزبير بن الأروح التميمي.  وكتب معهما تلك الرسالة والتي هى أمامكم والتي أرجو ضمها إلى مجموعة أدلة ووثائق الإتهام.  ونص الرسالة يقول كما جاء في تاريخ الطبري ومقتل الحُسين للخوارزمي وتاريخ المسعودي وإرشاد المفيد وتاريخ إبن الأثير ومقاتل الطالبيين وتاريخ إبن العساكر ما يلي نصه:

 

لعبد الله يزيد أمير المؤمنين – من عبيد الله بن زياد:

" الحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه وكفاه مؤنة عدوه ، أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي ، وأني جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال وكدتهما حتى إستخرجتهما وأمكن الله منهما.  فضربت أعناقهما وبعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوداعي والزبير بن الأروح التميمي وهما من أهل السمع والطاعة والسنة والجماعة.  فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب فإن عندهما علماً وفهماً وصدقاً وورعاً...والسلام."

 

ญญญญญญญญญญญญญญ**********************************************

 

 

ثم أرسل يزيد رسالة هى رد على رسالة إبن زياد يشكره ويُثني عليه ويهنئه فيها على حُسن صنعه ويطالبه بالمزيد من الدماء.

" أما بعد فإنك لم تعد أن كنت كما أحب ، عملت عمل الحازم وصُلت صولة الشجاع الرابط الجأش.  فقد أغنيت وكفيت ووفيت وصدقت ظني بك ورأي فيك.  وقد سألت رسوليك فوجدتهما كما زعمت وقد أمرت لكل واحد منهما بعشرة الأف درهم فاستوصي بهما خيراً.  وقد بلغني أن الحُسين بن علي قد توجه نحو العراق ، فضع المراصد والمناظر والمسالح واحترس وأحبس على الظن واقتل على التهمة واكتب إلىَ كل يوم بما يحدث من خبر."

 

ญญญญญญญญญญญ**********************************************

 

 

كان الحُر بن يزيد الرياحي أول من لاقى قافلة الحُسين وأصحابه وأهل بيته في منطقة "ذي حسم" جنوب الكوفة.  وقد سقاهم الحُسين هم ودوابهم رغم علمه أنهم من طلائع جيش إبن زياد  ضده...ثم بعد أن صلى بهم الحُسين (ع) صلاة الظهر وأمَهم في الصلاة خطب فيهم وقال: 

 

" أيها الناس!  معذرة إليكم  أقدمها إلى الله وإلى من حضر منكم ، إني لم أتكم حتى أتتني كتبكم ، وقَدِمت علىَ رُسلكم أن أقدم إلينا.  فإنه ليس علينا إمام ، فلعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم.  فإن تعطوني ما أطمئن إليه وأثق به من عهودكم ومواثيقكم ، أدخل معكم إلى مصركم.  وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين ، ولقدموني باغضين انصرفت عنكم إلى المكان الذي منه جئت إليكم."

 

**********************************************

 

ولما وصل الحُسين (ع) إلى "عذيب الهجانات" في نينوى ، وصل رسول من إبن زياد  ومعه كتاب إلى الحُر يقول فيه إبن زياد:

" أما بعد...يا حُر فإذا أتاك كتابي هذا فجعجع بالحُسين بن علي ولا تنزله إلا بالعراء على غير ماء وغير حصن ولا تفارقه حتى تأتيني به.  فإني قد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى تأتي بإنفاذ أمري إليك...والسلام."

 

**********************************************

 

فجمع الحُسين (ع) ولده وأخوته وأهل بيته ونظر إليهم وبكى وقال:

" اللهم إنا عترة نبيك محمد قد أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو أمية علينا.  اللهم خذ لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين.  الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم ، فإذا مُحِصوا بالبلاء قلَ الديانون.  أما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبقى منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل.  ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله!  فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما."

 

**********************************************

 

ونزل الحُر مع قواته بحِذاء الحُسين (ع) ثم أرسل إلى إبن زياد يخبره بنزول الحُسين (ع) بكربلاء.  فكتب إبن زياد للحُسين (ع) رسالة يقول فيها:

" أما بعد...يا حسين! فقد بلغني نزولك كربلاء ، وقد كتب إليَ أمير المؤمنين يزيد بن معاوية أن لا أتوسد الوثير ، ولا أشبع من الخمير ، حتى ألحقك باللطيف الخبير ، أو ترجع إلى حُكمي وحكم يزيد!"

 

ولما قرأ الحُسين (ع) كتاب يزيد رماه من يده وقال:

" لا أفلح قوم إشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق".

 

وقال الحُسين (ع) لرسول إبن زياد لما طالبه بالرد على الرسالة:

" لا جواب له عندي ، لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب."

 

ولما علم إبن زياد بما قاله الحُسين غضب أشد الغضب ثم جمع أصحابه وقال:
" أيها الناس من منكم يتولى قتال الحُسين بولاية أي بلد شاء؟"

 

وهنا إلتفت المُتهم الثاني إبن زياد إلى المُتهم الثالث عمر بن سعد بن أبي وقاص وقال له:

" يابن سعد أنت لهذا الأمر؟" 

 

وكان إبن زياد قبل ذلك بأيام قد أعطى لإبن سعد ولاية الري من أرض العراق.  وهى ولاية غنية مطمع للطامعين الطامحين ، فقال إبن سعد:

" إن رأيت أيها الأمير أن تعفيني عن قتال الحُسين".

 

فرد عليه إبن زياد وقال:

" إنا قد أعفيناك وأعفيناك أيضاً من ولاية الري ، فاجلس في منزلك ونبعث غيرك."

 

فقال عمر بن سعد:

" فأمهلني أيها الأمير اليوم حتى أنظر في أمري."

 

ولما تردد إبن سعد هدده إبن زياد قائلاً:

" والله ، يابن سعد لئن لم تسر إلى الحُسين وتتولى حربه ، وتقدم عليه بما يسوء ، لأضربن عُنقك ولأهدَمن دارك ولأنهبن مالك ، ولا أبقي عليك كائناً ما كان!"

 

**********************************************

 

وسار عمر بن سعد في اليوم التالي في أربعة ألاف إلى كربلاء وهناك إلتقى مع الحُر بن يزيد الرياحي مع ألف مقاتل ، فاكتمل مع المُتهم الثالث إبن سعد خمسة ألاف مقاتل.  ثم أرسل إلى الحُسين (ع) يسأله ما الذي جاء به إلى هذا الموضع؟  وما الذي أخرجه من مكة؟  فرد الحُسين (ع) وقال:

" إني لم أرد هذا البلد ولكن كتب إلىَ أهل مصركم هذا أن أتيهم فيبايعوني ويمنعوني وينصروني ولا يخذلوني.  فإن كرهوني انصرفت عنهم من حيث جئت".

 

فكتب عمر بن سعد إلى إبن زياد يقول:

 

" بسم الله الرحمن الرحيم – إلى الأمير عبيد الله إبن زياد من عمر إبن سعد:  أما بعد فإن الله أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الأمة.  فإني نزلت بالحُسين (ع) ثم بعثت إليه رسولاً أسأله عما أقدمه إلى هذا البلد ، فذكر أن أهل الكوفة أرسلوا إليه ، يسألونه القدوم عليهم ليبايعوه وينصروه.  فإن بدا لهم في نصرته فإنه ينصرف من حيث جاء ، فيكون بمكة أو يكون بأي بلد أمرته ، فيكون كواحد من المسلمين.  فأحببت أن أُعلم الأمير بذلك ، ليرى رأيه ، والسلام."

 

ญญญญญญولما قرأ إبن زياد كتاب إبن سعد أراد للوهلة الأولى أن يقبل عرض الحُسين (ع)  ، ولكن شمر بن ذي الجوشن قال لإبن زياد ما نصه:

"  أتقبل هذا منه بعد أن نزل بأرضك؟! والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك يكونن أولى بالقوة وتكون أولى بالضعف والوهن!"

 

وفكر إبن زياد ملياً ثم استصوب رأي الشمر المُتهم الرابع ومالَ إليه ثم أنشد:

 

" الأن إذ علقت مخالبنا به                       يرجو النجاة ولات حين مناص".

 

 ثم قال:  " أيرجو إبن أبي تراب النجاة؟  هيهات هيهات! لا أنجاني الله من عذابه إن نجا الحُسين مني!"

 

 

وكتب إبن زياد رداً إلى إبن سعد قال فيه:

" أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، وما ذكرت فيه من أمر الحُسين فإذا أتاك كتابي فأعرض عليه البيعة لأمير المؤمنين يزيد.  فإن فعل وبايع ، وإلا فأتني به ، والسلام."

 

ولذا قال إبن سعد لما تسلم الرسالة:

" إنا لله وإنا إليه راجعون ، إن عبيد الله بن زياد لا يقبل العافية ، والله المستعان."

 

**********************************************

 

كتب إبن زياد إلى عمر بن سعد فقال:

" أما بعد فإني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال ، فانظر لا أصبح ولا أمسى إلا وخبر ما قبلك عندي غدوة وعشية مع كل غادٍ ورائح." 

 

**********************************************

 

كتب إبن زياد إلى عمر بن سعد يقول:

" بلغني أن الحُسين (ع) يحفر الأبار ، ويصيب الماء ، فيشرب هو وأصحابه.  فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فامنعهم من حفر الأبار ما استطعت ، وضيق عليهم ، ولا تدعهم أن يذوقوا من الماء قطرة.  وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان ، والسلام".

 

**********************************************

لما علم إبن زياد بتلك المفاوضات أرسل إلى إبن سعد كتاب يؤنبه ويضعفه يقول فيه:

" أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحُسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة ولا لتكون له عندي شفيعاً.  أنظر فإن نزل الحُسين وأصحابه على حكمي فابعث بهم إلىَ سلماً.  وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون.  فإن قتلت الحُسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ولست أرى أنه يضر بعد الموت ، ولكن على قول قلته قلته لفعلت هذا به.  فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وسلم الجند والعساكر إلى شمر بن ذي الجوشن فإنه أشد منك حزماً ، وأمضى منك عزماً ، وإنا قد أمرناه بذلك."

 

فلما جاء الشمر بهذا الكتاب إلى إبن سعد وقرأه قال إبن سعد للشمر:

" ويلك لا قرَب الله دارك وقبح الله ما جئت به ، وإني لأظن أنك الذي نهيت إبن زياد وأفسدت علينا أمراً رجونا أن يُصلح ، والله لا يستسلم الحُسين فإن نفس أبيه بين جنبيه."

 

فقال له الشمر:

" أخبرني ما أنت صانع أتمضي لأمر أميرك؟  وإلا فسلم لي العسكر والقيادة."

 

فقال له عمر بن سعد:

" أنا أتولى ذلك ولا كرامة لك ولكن كُن أنت على الرجالة."

 

**********************************************

 

عندما عَلِم الحُسين (ع) بأن المجزرة والمواجهة واقعة لا محالة لقتله والتخلص منه حتى يصفو الحُكم المطلق الإستبدادي بدون أي معارضة للمُتهم الأول وأعوانه ، رأى من واجبه أن يعرض على أهل بيته والقليل المخلص من مرافقيه في هذه القافلة المدنية أن لا يُعرضوا نفسهم لخطر القتل معه وأن ينجوا بأنفسهم ويتركوه لمواجهة أعدائه وحده.  ولذا فقد جمعهم اليوم السابق للقتال وقال لهم:

" اللهم لك الحمد على ما علمتنا من القرءان ، وفقهتنا في الدين ، وأكرمتنا به من قرابة رسولك محمد (ص) ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين ، أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أصلح منكم ، ولا أعلم أهل بيت أبر ولا أوصل ولا أفضل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً عني خيراً.  إن هؤلاء القوم لا يطلبون أحداً غيري ، ولو قد أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم أبداً ، وهذا الليل قد غشيكم فقوموا واتخذوه جملاً ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من إخواني ، وتفرقوا في سواد هذا الليل ، وذروني وهؤلاء القوم."

 

**********************************************

 

حاول برير بن خضير وهو شيخ عابد ناسك من أصحاب الحُسين (ع) أن يقوم بمسعى أخير مع إبن سعد لعله يُثنيه عن قتال الحُسين (ع) ولكن يرد عليه يقول:

" والله يا برير إني لأعلم يقيناً أن كل من قاتلهم وغصبهم حقهم (يعني الحُسين وأهل بيته) هو في النار لا محالة ، ولكن يا برير أفتشير علىَ أن أترك ولاية الري فتكون لغيري؟  فوالله ما أجد نفسي تجيبني لذلك."

 

 فتقدم برير أمام الجيش المُعادي وقال لهم:

" يا هؤلاء!  إتقوا الله فإن ثِقل محمد قد أصبح بين أظهركم ، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه ، فهاتوا ما عندكم ، وما الذي تريدون أن تصنعوا بهم؟"

 

فردوا عليه وقالوا:

" نريد أن نمكن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيهم."

 

فقال برير:

" أفلا ترضون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي أقبلوا منه؟  ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم إليه ، وعهودكم التي أعطيتموها من أنفسكم ، وأشهدتم الله عليها؟  وكفى بالله شهيداً! ويلكم! دعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم من دونهم ، حتى إذا أتوكم اسلمتموهم لعبيد الله ، ومنعتموهم عن ماء الفرات وهو مباح لكل الناس وحتى الكلاب والخنازير! بئسما خلفتم محمداً في ذريته!"

 

فجعل القوم يرمونه بالسهام ، فرجع برير إلى الوراء ، وتقدم الحُسين (ع) حتى وقف أمام الجيش المُعادي وجعل ينظر إلى صفوفهم كأنها السيل ثم قال لهم:

 

" الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال ، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال.  فالمغرور من غرته ، والشقي من فتنته ، فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها ، وتخيب طمع من طمع فيها.  وأراكم قد إجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم ، فأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحل بكم نقمته ، وجنبكم رحمته ، فنعم الرب ربنا ، وبئس العبيد أنتم! أقررتم بالطاعة ، وأمنتم بالرسول محمد ، ثم أنكم زحفتم إلى ذريته تريدون قتلهم.  لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتباً لكم وما تريدون!  إنا لله وإنا إليه راجعون ، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم ، فبُعداً للقوم الظالمين.

 

إتقوا الله ربكم ولا تقتلون ، فإنه لا يحِل لكم قتلي ولا إنتهاك حُرمتي.  فإني ابن بنت نبيكم ، وجدتي خديجة زوجة نبيكم ولعله قد بلغكم قول نبيكم محمد (ص): الحسن والحُسين سيدا شباب أهل الجنة ، فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق ، فوالله ما تعمدت كذباً منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله.  وإن كذبتوني فإن فيكم من أصحاب محمد (ص) فسألوهم عن هذا.  أفتشكون أني إبن بنت نبيكم؟  فوالله ما بين المشرقين والمغربين إبن بنت نبي غيري! ويلكم!  أتطلبوني بدم أحد منكم قتلته ، أو بمال استملكته ، أو بقصاص من جراحات استهلكته."

 

فسكتوا ولم يُجيبوه ثم قال لهم:

" والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفر فرار العبيد.  عباد الله!  إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب."

 

**********************************************

 

ولما تأكد الحُسين (ع) أن القتال واقع لا محالة ، خاطب أصحابه وأهل بيته مواسياً ومصبراً ومحُرضاً على القتال فقال لهم:

" أما بعد فإنه نزل من الأمر ما ترون ، ألا وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها.  ولم يبقى فيها إلا كصبابة الإناء من خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون الحق لا يُعمل به والباطل لا يُتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء ربه. وإني لا أرى الموت إلا سعادة ، والعيش مع الظالمين إلا برما."

 

وعبأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحُسين (ع) ، ورتبهم في مراتبهم ميمنة وميسرة وقلب ، وهم حوالي ثلاثين ألفاً ، فاحاطوا بالحُسين من كل جانب.  وهو وسطهم مع سبعين فقط من أصحابه وأهل بيته ونساءه وأطفاله.  ثم خرج الحُسين من أصحابه حتى وقف أمام الأعداء وخطبهم لأخر مرة فقال:

 

"  تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً ، أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين ، فأصرخناكم مؤدين مستعدين ، سللتم علينا سيفاً في رقابنا.  وحششتم علينا نار الفتن التي جناها عدوكم وعدونا.  فأصبحتم إلباً على أوليائكم ويداً عليهم لأعدائكم ، بغير عدل أفشوه  فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم إلا الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش طمعتم فيه ، من غير حدث كان منا.  ولا رأى تفيل لنا ، فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا تركتمونا ، فتجهزتموها والسيف لم يُشهر ، والجأش طامن ، والرأي لم يستحصف ، ولكن اسرعتم علينا كطيرة الدبا ، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش.  فقبحاً لكم ، فإنما أنتم من طواغيت الأمة ، وشُذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان ، وغصبة الأيام ومحُرفي الكتاب ومُطفئ السُنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومبيري عترة الأوصياء وملحقي العهار بالنسب ، ومؤذي المؤمنين ، وصُراخ أئمة المستهزئين ، الذين جعلوا القرءان عضين.  وأنتم إبن حرب وأشياعه تعتمدون وإيانا تخذلون ، أجل والله ، الخذل فيكم معروف ، وشجت عليه عروقكم وتوارثته أصولكم وفروعكم- ونبتت عليه قلوبكم وغشيت به صدوركم فكنتم أخبث شئ سنخا للناصب وأكلة للغاصب ، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ، فأنتم والله هُم!  ألا إن الدعي إبن الدعي قد ركز بين إثنتين ، بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة ، يأبى الله ذلك ورسوله وجدود طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، ألا إني قد أعذرت وأنذرت ، ألا إني زاحف بهذه الأسرة على قلة العتاد ، وخذلة الأصحاب."

 

ثم قال الحُسين (ع): " أين عمر بن سعد؟  ادعو لي عمر."  فدُعي له فقال له:

 

 " يا عمر!  أنت تقتلني ، وتزعم أن يوليك الدعي ابن الدعي بلاد الري وجرجان؟  والله لا تتهنأ بذلك أبداً!  عهد معهود ، فاصنع ما أنت صانع ، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا أخرة ، وكأني برأسك على قصبة قد نُصب بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضاً بينهم."

 

ญญญญญญญญญญ**********************************************

 

ابن سعد بدلاً من ذلك غضب وأمر قواته بالهُجوم وزحف مع قواته وقدم رايته - ثم وضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى به وقال:

" اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى به."

 

**********************************************

 

قول الحُسين (ع): " إنهم لن يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يُذلهم حتى يكونوا أذل فرق الأمم."  واسمع له أيضاً يقول:  " إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت." 

 

**********************************************

 

لم يبقى مع الحُسين (ع) إلا قلة قليلة لا تعدو الثلاثين أو أقل ، فقال الحُسين (ع) لما رأى ذلك:

" والله لا أجيبهم إلى شئ مما يريدونه أبداً ، حتى ألقى الله وأنا مُخضب بدمي." 

 

ثم صاح الحسين (ع):

" أما من مغيث يغيثنا لوجه الله تعالى؟  أما من مُعين يُعيننا؟  ألا من ناصر ينصرنا؟  أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟"

 

**********************************************

 

لما سمع الحُر إستغاثة الحُسين (ع) بكى ، ثم ذهب إلى عمر بن سعد وقال له:

" أمُقاتل أنت هذا الرجل (يعني الحُسين عليه السلام)؟!"

 

فرَد عليه إبن سعد وقال:

" إي والله!  قتالاً شديداً أيسره أن تسقط الروؤس ، وتطيح الأيدي"!

 

**********************************************

 

ثم قال الحُسين (ع):

" هوَن ما نزل بي أنه بعين الله تعالى ، اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح ، إلهي إن كنت حبست عنا النصر فاجعله لما هو خير منه وانتقم لنا من الظالمين.  واجعل ما حل بنا في العاجل ذخيرة لنا في الأجل."

 

**********************************************

 

  قام الحسين (ع) وركب فرسه ، ووقف قبالة القوم مصلتاً سيفه بيده ، أيساً من نفسه ، عازماً على الموت وهو يقول وينشد تلك الأبيات الرائعة والخالدة والتي هى مدرسة ونبراس لكل البشر في أي زمان ومكان:

 

" فإن تكن الدنيا تعدُ نفيسة                فدار ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن الأبدان للموت أُنشئت         فقتل امرئ في الله بالسيف أفضل

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً          فقلة حرص المرء في الكسب أجمل

وإن تكن الأموال للترك جمعها         فما بال متروك به المرء يبخل؟

سأمضي وما بالقتل عارُ على الفتى    إذا في سبيل الله يمضي ويُقتل"

 

**********************************************

 

لنسمع شهادة أحد جنود أعدائه وإسمه عبد الله بن عمار بن يغوث ، كما جاءت في كُتب التاريخ وهو يقول ويُقِر:

"ما رأيت مكثوراً قط قد قُتِل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً...ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شد فيها ولم يثبت له أحد."

 

وهنا صاح إبن سعد:

"هذا ابن الأنزع البطين ، هذا إبن قتال العرب ، احملوا عليه من كل جانب!"

 

**********************************************

 

نفذ الجيش أمر قائده فهجموا بأجمعهم فأتت الحسين (ع) أربعة ألاف نبلة وحالوا بينه وبين رحله ومخيمه ونساءه وأهل بيته وقطعوا الطريق بينه وبين خيامه فصاح الحسين (ع) بهم:

"ويحَكُم!  يا شيعة أل أبي سفيان!  إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون الميعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون!"

 

فناداه شمر بن ذي الجوشن وقال:

"ما تقول يا إبن فاطمة؟"

 

فقال الحسين (ع):

"أقول أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني ، والنساء ليس عليهن جُناح ، فامنعوا عتاتكم وطغاتكم وجُهالكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً!"

 

فقال له الشمر:

"لك ذلك يإبن فاطمة!"  ثم صاح بأصحابه "إليكم عن حرم الرجل واقصدوه بنفسه ، فلعمري لهو كفو كريم!"

 

**********************************************

 

لما هَم الفرس ليشرب قال الحسين (ع) لفرسه:

"أنت عطشان وأنا عطشان فلا أشرب حتى تشرب!"

 

**********************************************

 

عاد الحسين (ع) إلى خيامه ونسائه وعياله وأسرته ليطمئن عليهم ويودعهم الوداع الأخير ويوصيهم ويتفقد بناته وزوجاته وأخته زينب بنت علي (ع) ، وإذا بإبن سعد وقائد الجيش يصيح في جنوده:

"ويحَكُم إهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه ، والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم."

 

**********************************************

 

رجع الحسين (ع) إلى مركزه قد أنهكه التعب والعطش وهو يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.  وطلب في هذه الحالة ماءً ليشرب فقال له الشمر بن ذي الجوشن:

"لا تذوقه حتى ترد النار!"  وقال له أخر: "ألا ترى الفرات كأنه بطون الحياة؟  فلا تشرب منه حتى تموت عطشاناً!"

 

ثم صاح الحسين (ع):

"يا أمة السؤء بئسما خلفتم محمداً في عترته أما أنكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إياي وإيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة ثم ينتقم لي منكم."

 

وهنا رماه حرملة بسهم محدد مسموم له ثلاث شعب فأصاب قلبه فقال:

"بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ، إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض إبن بنت نبي غيره!!"

 

  ثم أخذ الحسين (ع) السهم الذي أصابه وأخرجه من وراء ظهره فانفجر نزيف الدم الحاد ، فوضع يده على الجرح فلما امتلأت دماً رمى به نحو السماء وقال:

"هوَن علي ما نزل بي أنه بعين الله."

 

ثم وضع يده ثانية على الجرح الغائر فلما إمتلأت دماً لطخ بها رأسه ولِحيته وقال:

"هاكذا والله أكون حتى ألقى الله وجدي محمداً رسول الله (ص) ، وأنا مخضوب بدمي وأقول"يا رسول الله! قتلني فلان وفلان!"

 

**********************************************

 

ثم صاح الشمر(لع):

"ما وقوفكم وما تنتظرون بالرجل وقد اثخنته السهام والرماح ، إحملوا عليه واقتلوه!"

 

**********************************************

 

هذه الوثيقة تحمل وصية من معاوية بن أبي سفيان وهو على فراش الموت لولده يزيد ، كما جاءت في مقتل الحسين للخوارزمي وقد جاء في وصية معاوية لإبنه قوله:

"وأما الحسين بن علي ، فأوة أوه يا يزيد! ماذا أقول لك فيه؟ فأحذر أن تتعرض له إلا بسبيل خير ، وأمدد له حبلا طويلاً ، وذرة يذهب في الأرض كيف يشاء ، ولا تؤذه ، ولكن أرعد له وأبرق ، وإياك والمكاشفة له  في محاربة بسيف ، أو منازعة بطعن رمح ، بل أعطه وقربه وبجله.  وإياك يا بنى أن تلقى الله بدمه!  فتكون من الهالكين فقد حدثني فيه إبن عباس أن رسول الله (ص) عند وفاته ضم الحسين إلى صدره وهو يقول: "هذا من أطائب أرومتي ، وأبرار عترتى ، وخيار ذريتي ، لا بارك الله فيمن لم يحفظه بعدي."  ثم قال رسول الله (ص): (يا حسين إن لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربي وخصومة ، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصماً لمن قتلك يوم القيامة).

هذا حديث إبن عباس وأنا يا يزيد أحدثك عن رسول الله (ص) بأنه قال: (أتاني يوماً حبيبي جبرائيل فقال: يا محمد!  إن أمتك تقتل ابنك حُسيناً ، وقاتله لعين هذه الأمة).  وقد لعن النبي (ص) قاتل الحسين مراراً ، فانظر يا بني!  ثم انظر أن تتعرض له بأذى ، فإنه مزاج ماء رسول الله ، وحقه والله يا بني عظيم ، وقد رأيتني كيف كنت أحتمله في حياتي ، وأضع له رقبتي ، وهو يجبهني بالكلام القبيح الذي يوجع قلبي ، فلا أجيبه ولا أقدر له على حيلة ، لأنه بقية أهل الله بأرضه في يومه هذا ، وقد أعذر من أنذر – ثم أقبل معاوية على قادة جيوشه وجنوده وقال لهم:  إشهدوا على مقالتي هذه فوالله لو فعل بي الحسين وفعل ، لاحتملته ، ولم يكن الله تعالى يسألني عن دمه ، أفهمت عني يا بني ما أوصيتك به؟  فقال يزيد: قد فهمته يا أمير المؤمنين."

 

**********************************************

 

جرد الشمر سيفه  يريد قتل المريض العليل فقيل له كما جاء في تاريخ الطبري:

 "أتقتل الصبيان؟!  إنما هو صبي مريض!"

 

  فقال الشمر: "إن إبن زياد أمر بقتل أولاد الحسين (ع)".

 

**********************************************

 

نادى إبن سعد:

"ألا من ينتدب إلى الحسين (ع) فيوطئ الخيل صدره وظهره!"

 

**********************************************

 

خطبة العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وأخت الحسين (ع) فقالت بعد أن أشارت إلى الجموع الحزينة الباكية النادبة أن إسكتوا فسكتوا جميعاً ثم تكلمت فقالت:

 

" الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار أل الله أما بعد...

يا أهل الكوفة يا أهل الختل والخذل والغدر!  تبكون؟  فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنة ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ، تتخذون إيمانكم دخلاً بينكم؟  ألا وهل فيكم إلا الصلف ، والطنف ، والشنف ، والنطف وملق الإماء ، وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة أو كقصة على ملحودة!  ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.  أتبكون وتنتحبون؟  إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاًَ ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً!  وأنى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء ، وسيد شباب أهل الجنة ، وملاذ خيرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجتكم ، ومدره ألسنتكم ، ألا ساء ما تزرون ، وبُعداً لكم وسُحقاًَ!  فلقد خاب السعي وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضُربت عليكم الذلة والمسكنة.

ويلكُم يا أهل الكوفة!  أتدرون أي كبد لرسول الله (ص) فريتم وأي دم له سفكتم؟!  وأي كريمة له أبرزتم ، وأي حريم له أصبتم ، وأي حُرمة له إنتهكتُم؟  لقد جئتم شيئاً إدا ، تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هداً! إنما جئتم بها صلعاء ، عنقاء ، سوداء ، فقماء ، خرقاء ، شوهاء كطلاع الأرض وملاء السماء ، أفعجبتم أن قطرت السماء دماً؟  ولعذاب الأخرة أشد أخزى وأنتم لا تنصرون ، فلا يستخفنكم المهل ، فإنه عز وجل لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثار كلا ، إن ربكم لبالمرصاد ، فترقبوا أول النحل وأخر صاد".

 

يقول الرواة أن أهل الكوفة كانوا حيارى ، يبكون ويحزنون ويتأسفون ونشرن النساء الشعور وخمشن الوجوه ولطمن الخدود.  وأحاط الناس بعلي بن الحسين والأغلال في يده ويداه مغلولتان إلى عنقه والدماء على وجهه.  فأشار إلى الناس أن إسكتوا فلما سكتوا حمد الله وأثنى عليه وصلي على النبي وأله ثم قال:

 

"أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنا إبن من إنتُهِكت حُرمته ، وسُلبت نعمته وإنُتهب ماله ، وسُبى عياله ، أنا إبن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا تراث ، أنا إبن من قتِل صبراً وكفى بذلك فخراً.

أيها الناس ناشدتكم الله ، هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة ، ثم قاتلتموه  فتباً لكم لِما قدمتم لأنفسكم ، وسوأة لرأيكم ، بأية عين تنظرون إلى رسول الله ، إذ يقول لكم: قتلتم عترتي ، وإنتهكتم حُرمتي ، فلستم من أمتي!"

 

**********************************************

 

يقول الرواة أن إبن زياد أخذ مجلسه في قصر الإمارة في الكوفة ووضع رأس الحسين (ع) أمامه وجعل إبن زياد ينكت بالقضيب ثنايا الرأس الطاهر ويقول: "ما رأيت مثل حُسن هذا الوجه قط ، إنه لحُسنَ الثغر."  وكان زيد بن أرقم حاضراً بالمجلس وهو من أصحاب نبي الإسلام (ص). فصاح:  "إرفع القضيب عن هاتين الشفتين فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله (ص) على هاتين الشفتين يقبلهما!"  ثم بكى بصوت عالٍ.

 

فقال له إبن زياد: "أبكى الله عينك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك!"

 

**********************************************

 

إنحازت زينب بنت علي أخت الحسين (ع) عن النساء وهى متنكرة فقال إبن زياد:  "من الجالسة؟!"  فلم تكلمه. فقيل له:  إنها زينب إبنة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، فوجه كلامه إليها متشمتاً وقال

"الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم."

 

  فردت عليه زينب (ع) قائلة:

"الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (ص) وطهرنا بكتابه من الرجس تطهيراً ، وإنما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا."

 

فقال إبن زياد لها متشفياً:

"كيف رأيت فعل الله بأخيك وأهل بيتك؟!"

 

 فردت عليه زينب (ع) وقالت:

"ما رأيت إلا جميلا.  هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم يإبن زياد فتحاجون وتخاصمون فأنظر لمن الفلج يومئذ ،ٍ ثكلتك أمك يإبن مرجانة!"

 

فغضب إبن زياد واستشاط من كلامها معه بهذه الطريقة الجريئة أمام الناس وهَم بقتلها ، فقال له عمرو بن حريث:

"إنها إمرأة ، والمرأة لا تُؤاخذ بشئ من منطقها."

 

فالتفت إليها إبن زياد وقال:

  "يا زينب!  لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين (ع) والعصاة المردة من أهل بيتك!"

 

فأجبته زينب (ع) وقالت:

"لعمري ، لقد قتلت كهلي ، وقطعت فرعي ، وإجتثثت أصلي ، فإن كان هذا شفاؤك فقد إشتفيت."

 

ثم إلتفت إبن زياد ، إلى علي بن الحسين وقال له:  "من أنت؟"

 

قال: "أنا علي بن الحسين؟"

 

فقال إبن زياد:  "ألم يقتل الله علي بن الحسين؟"

 

 فقال:  "كان لي أخٌ يُسمَى علياً قتله الناس."

 

فقال إبن زياد:  "بل الله قتله!"

 

فقال علي بن الحسين (ع):  "الله يتوفى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً."

 

فقال إبن زياد: "أنت والله منهم!  إنظروا إليه هل أدرك؟"  فقالوا نعم فقال: "إقتلوه!"

 

فقال علي بن الحسين (ع): "فمن يتوكل بهؤلاء النسوة؟!"

 

وهنا تعلقت زينب بنت علي (ع) بإبن أخيها وقالت:

 "يإبن زياد!  حسبك منا ، أما رويت من دمائنا؟  أسألك بالله ، يابن زياد!  إن قتلته أن تقتلني معه!"

 

فقال علي بن الحسين (ع):  "يا عمه!  أسكتي حتى أكلمه."

 

ثم وجه كلامه إلى إبن زياد وقال:

  "يابن زياد!  أبالقتل تهددني؟  أما علمت أن القتل لنا عادة ، وكرامتنا من الله الشهادة؟"

 

فنظر إبن زياد إليهما وقال:  "دعوه لها ، عجباً للرحم ودت أنها تقتل معه!  دعوه ينطلق مع نسائه ، أخرجوهم عني!"

 

**********************************************

 

هذه الواقعة هى حادثة مقتل أو إستشهاد عبد الله بن عفيف الأزدي وبدأت أحداث هذه الواقعة بعد أن إنتهى إبن زياد من رؤية الأسرى والتشفي فيهم كما رأينا من قبل.  فقد نادى بعدها منادي إبن زياد في الناس ليجتمعوا في المسجد الكبير في الكوفة ، فاجتمع الناس ورقى إبن زياد المنبر فقال:

 

  "الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه وقتل الكذاب إبن الكذاب الحسين بن علي وشيعته".

 

فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ،وكان من رؤساء الشيعة وخيارهم.  كان قد ذهبت عينه اليسرى يوم "الجمل" والأخرى يوم "صفين" وكان دائم الصلاة والتعبد في المسجد.  وثب إليه وقال:

 

"يابن مرجانة!  إن الكذاب إبن الكذاب هو أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه ، يا عدو الله ورسوله!  أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟!"

 

فغضب إبن زياد وقال: "من المتكلم؟"

 

فقال إبن عفيف:  "أنا المتكلم يا عدو الله!  أتقتل الذرية الطاهرة الذين أذهب الله عنهم الرجس في كتابة وتزعُم أنك على دين الإسلام؟  واغوثاه!  أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتك ، اللعين إبن اللعين على لسان رسول الله رب العالمين!"

 

فازداد غضب إبن زياد وقال:  "عليَ به!"

 

فوثب الجلاوزة ليأخذوه فبادر أفراد قبيلته من الأزد فاستخلصوه وأخذوه إلى بيته.

 

**********************************************

 

وسبق زحر بن قيس برأس الحسين (ع) إلى دمشق حتى دخل على يزيد فسلم عليه ودفع إليه كتاب إبن زياد فقرأه يزيد وقال:  "هات ما عندك يا زحر".

فقال زحر:  "أبشِر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك وبنصره إياك ، فإنه قد ورد علينا الحُسين بن علي في إثنين وثمانين رجلاً من إخوته وأهل بيته وشيعته.   فسِرنا إليهم وسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حُكم الأمير عبيد الله فأبوا علينا ، فقاتلناهم من وقت شروق الشمس إلى أن أضحى النهار.   فلما أخذت السيوف مأخذها من هام الرجال ، جعلوا يتوقلون إلى غير وزر ، ويلوذون منا بالأكام والحفر ، كما يخاف الحمام من الصقر.  فوالله يا أمير المؤمنين! ما كان إلا كجزر جزور ، أو كاغفاءة القائل ، حتى أتينا على أخرهم ، فهاتيك أجسادهم بالعراء مجردة ، وثيابهم بالدماء مزملة ، وخدودهم بالتراب معفرة ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الريح ، زوارهم: الرخم والعقبان ، والذئب والضعبان."

**********************************************

 

أنشد يزيد يقول:

                  ما بدت تلك الحمول وأشرقت           تلك الرؤوس على شفا جيرون

                 نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل         فقد أقتضيت من الرسول ديون

 

**********************************************

 

كان أول من دخل المُتهم الرابع شمر بن ذي الجوشن ممسكاً بعلي بن الحسين (ع) ، مغلولة يداه إلى عنقه فقال علي بن الحسين (ع) ليزيد:  "ما ظنك برسول الله لو يرانا على هذا الحال؟"

فقال له يزيد:  "من أنت يا غلام؟"

فقال:  "أنا علي بن الحسين".

فبكى الحاضرون فأمر يزيد برفع الأغلال عنه وأمر بالحبال فقُطِعت.  ووضع رأس الحسين (ع) على طبق من ذهب بين يدي يزيد فجعل ينكت بقضيبه الخيزران ثنايا الرأس.

فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي وهو من صحابة نبي الإسلام (ص) وقال له:  "ويحك يا يزيد!  أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة؟  أشهد لقد رأيت رسول الله (ص) يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول (إنهما سيدا شباب أهل الجنة ، قتل الله قاتلهما ولعنه ، وأعد له جهنم وساءت مصيرا)".

فغضب يزيد وأمر بإخراجه من المجلس فأُخرج سحبا.

 

**********************************************

 

قام رجل من أهل الشام وطلب من يزيد أن يهب له فاطمة بنت الحسين (ع) لتكون جارية له ، فاستغاثت الصبية بعمتها زينب (ع) فقالت زينب (ع) للشامي:

"كذبت ، والله ، ولؤمت!  ما ذلك لك ولا له!"

فعضب يزيد وقال لها:  "بل أنتي كذبت إن ذلك لي ، ولو شئت فعلته!"

فقالت زينب:  "كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا!"

فقال يزيد لها:  "إياي تستقبلين بهذا؟  إنما خرج من الدين أبوك وأخوك!"

فقالت زينب:  "بدين الله وبدين أبي وجدي إهتديت إن كنت مسلماً!"

فقال يزيد:  "كذبت يا عدوة الله!"

فقالت زينب:  "أمير متسلط يشتم ظالما ، ويقهر بسلطانه ، الله إليك أشكو دون غيرك!"

 

**********************************************

قال علي بن الحسين (ع) ليزيد:

"ويلك يا يزيد!  إنك لو تدري ماذا صنعت وما الذي إرتكبت من أبي وأهل بيتي ، إذاً لهربت إلى الجبال وافترشت الرمال ودعوت بالويل والثبور!  أيكون رأس أبي الحسين بن علي وفاطمة منصوبا على باب مدينتكم وهو وديعة رسول الله فيكم؟!  فابشر يا يزيد بالخزي والندامة إذا جُمِع الناس غداً ليوم القيامة!"

فجعل يزيد ينكُت ثنايا رأس الحُسين (ع) بمخصرته ثانية وهو يقول:

 

              ليت أشياخي ببدر شهدوا             جزع الخزرج من وقع الأسل

                     لأهلوا واستهلوا فرحا                  ثم قالوا يا يزيد لا تشل

                      لست من خندف إن لم أنتقم           من بني أحمد ما كان فعل

                      لعبت هاشم بالملك فلا                  خبر جاء ولا وحي نزل

                      قد أخذنا من علي ثارنا                 وقتلنا الفارس الليث البطل

                      وقتلنا القوم من سادتهم                 وعدلنا ببدر فاعتدل

**********************************************

 

بعد أن تغنى يزيد فرحاً بقتل الحُسين (ع) وشماته به قامت له زينب بنت علي أخت الحُسين (ع) وقالت له:

"الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، صدق الله تعالى إذ يقول (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بأيات الله وكانوا بها يسهزئون).  أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وأفاق السماء ، وأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى ، أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟!  وأن ذلك لعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك جذلان مسروراً ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقه والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا سلطاننا فمهلاً مهلاً!  أنسيت قول الله تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين).

أمِن العدل يإبن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك وسوق بنات رسول الله سبايا؟  قد هُتكت ستورهن وأبديت وجوههن!  يحدى بهن من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد ، والدني والشريف ، ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمي!  وكيف ترجى المراقبة ممن لفظ فوه أكباد السعداء ، ونبت لحمه بدماء الشهداء ، وكيف لا يستبطاء في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنأن والإحن والأظعان.

وكيف لا تقول ما قلت ، وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة بإراقك دماء ذرية أل محمد ونجوم الأرض من أل عبد المطلب؟  أتهتف بأشياخك؟!  زعمت تناديهم ، فلتردن وشيكا موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت!  اللهم خذ بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دمائنا وقتل حماتنا!   فوالله ما فريت إلا جلدك ولا جززت إلا لحمك ، ولتردن على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته وإنتهاك حرمته وعترته!   وليخاصمنك حيث يجمع الله تعالى شملهم ويأخذ لهم بحقهم (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون).  فحسبك بالله حاكماً ، وبمحمد خصماً ، وبجبرائيل ظهيراً ، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين ، أن بئس للظالمين بدلاً ، وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً! ولئن جرَت علي الدواهي مخاطبتك ، فإني لأستصفر قدرك ، واستعظم تقريعك وأستكبر توبيخك ، لكن العيون عبري ، والصدور حري ، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء ، بحزب الشيطان الطلقاء!   فتلك الأيدي تنطف من دمائنا ، وتلك الأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفوها الذئاب ، وتؤمها الفراعل!   فلئن إتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك ، وأن الله ليس بظلام للعبيد!   فإلى الله المشتكى ، وعليه المعول ، فكد كيدك واسعى سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها ، ولا تغيب منك شنارها!   فهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وشملك إلا بدد!  يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والرحمة ولأخرنا بالشهادة والمغفرة.  وأسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد وحسن المأب ، ويختم بنا الشرافة ، إنه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير.

 

**********************************************

 

كان في مجلس يزيد حبر من أحبار اليهود.  فلما رأى ما رأى من كيفية تعامل الخليفة مع الأسرى وبالذات علي بن الحسين (ع) وعمته زينب ، سأل فقال:  "يا أمير المؤمنين!  من هذا الغلام؟"

فقال يزيد:  "هذا علي بن الحسين."

قال الحبر:  "فمن الحسين؟"

قال يزيد:  "إبن علي بن أبي طالب."

قال الحبر: "فمن أمه؟"

قال يزيد:  "فاطمة بنت محمد".

قال الحبر:  "يا سبحان الله!  فهذا إبن بنت نبيكم قتلتموه بهذه السرعة؟!  بئسما خلفتموه في ذريته ، فوالله ، لو ترك نبينا موسى بن عمران فينا سبطاً ، لظننت أنا كنا نعبده من دون ربنا!  وأنتم إنما فارقتم نبيكم بالأمس ، فوثبتم على إبنه وقتلتموه!  سوأة لكم من أمة!!"

فأمر يزيد الخليفة وحاكم الدولة الإسلامية بضرب الحَبر في المجلس.

 

**********************************************

 

ذات يوم حضر أحد مجالس يزيد رسول قيصر ملك الروم وكان هذا الرجل من أشراف الروم وعظمائها فقال: "يا ملِك العرب!  رأس من هذا؟"

فقال يزيد:  "مالك ولهذا الرأس؟" 

قال رسول ملك الروم:  "إني إذا رجعت إلى ملكنا ، يسألني عن كل شئ رأيته فأحببت أن أخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه ليشاركك في الفرح والسرور."

فقال يزيد:  "هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب." 

فقال الرسول:  "ومن أمه؟"

قال يزيد:  "فاطمة الزهراء".

قال الرسول:  "بنت من؟"

قال يزيد:  "بنت رسول الله."

قال الرسول: "أفٍ لك ولدينك!  ما دين أخس من دينك!  إعلم أني من أحفاد نبي الله داود ، وبيني وبينه أباء كثيرة.  والنصارى يعظمونني ، ويأخذون التراب من تحت قدمي تبركاً لأني من أحفاد داود.  وأنتم تقتلون إبن بنت نبيكم وما بينه وبين رسولكم إلا أم واحدة ، فأي دين هذا؟!  يا يزيد!  هل سمعت بحديث كنيسة الحافر؟!"

فقال يزيد:  "قل حتى أسمع."

فقال رسول ملك الروم:  "إن بين عُمان والصين بحراً مسيرته سنة وبه بلدة على جزيرة وسط الماء طولها ثمانون فرسخاً وعرضها كذلك.  ومنها يُحمل الكافور والياقوت والعنبر ، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة ، أعظمها كنيسة الحافر.  في محرابها حقة من ذهب ، معلق فيها حافر حمار كان يركبه عيسى (ع) ، وقد زُينت الحقة بالذهب والجواهر والديباج والأبريسم.   وفي كل عام يقصدها الكثير من النصارى فيطوقون حول الحقة ويزورونها ويقبلونها ويتوسلون إلى الله ببركتها.  هذا شأنهم بحافر حمار يزعمون أنه حمار كان يركبه عيسى نبيهم وأنتم تقتلون إبن بنت نبيكم! لا بارك الله فيكم  ولا في دينكم!!!"

ولهول المفاجأة أيها السادة ، أصدر يزيد الطاغية أمره لجنوده:  "إقتلوا هذا النصراني ، فإنه يفضحنا إن رجع إلى بلاده ويشنَع علينا!"

 فلما أحس النصراني بالقتل قال:  "يا يزيد!  أتريد قتلي؟!"

قال يزيد:  "نعم".

قال رسول ملك الروم: "فأعلم أني رأيت البارحة نبيكم في منامي وهو يقول لي:  يا نصراني أنت من أهل الجنة فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله!"

  ثم أخذ الرأس ، وضمه إليه ، وجعل يبكي حتى قُتِل...

 

 

 

 

 

**********************************************