بسم الله الرحمن الرحيم وبه تعالی نستعين والصلاة والسلام علی أشرف المرسلين محمد وعلی آله الطيبين الطاهرين

 

أيها المؤمنين والمؤمنات المخلصون والمخلصات في كل مكان ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

 

نريد أن نلفت نظركم إلی أهمية موضوعنا الذي سنتناوله الأن ونسلط عليه الأضواء ۔ أهمية تنبع من علاقته المباشرة بتكوينكم الإيماني والقواعد الراسخة التي يبني عليها والتي لو إختل رسوخها ووضوحها وتوازنها لإختل بناءكم الإيماني كله الذي ستلاقون به ربكم في يوم العرض العظيم عليه وتأملون به أن تنالوا الرحمة والمغفرة منه والنجاة من عذابه الذي يصيب به الكافرين والجاحدين والضالين والمعاندين.  إن سلامة هذا التكوين الإيماني هی صمام الإيمان في حياتكم الذي تأملون أن تخرجوا به سالمين من دار الإختبار والإبتلاء والمحن والفتن وتُقبلوا أمنين علی دار السلام والجزاء والسلامة والإطمئنان في مقعد صدق عند مليك مقتدر.  فيجب عليكم الإطمئنان دائماً علی سلامة هذا التكوين وقوائمه وقواعده لأهميته القصوی بالنسبة لكم ، خاصة وأنتم ترون أمامكم إخواناً كانوا معكم ولكنهم ضلوا وفُتِنوا بسهولة ونكبوا عن الصراط عندما فرطوا وأهملوا تفقد سلامة قواعد وقوائم تكوينهم الإيماني فإختل بنيانهم فسقط بهم في نار جهنم برغم أعمالهم الصالحة الكثيرة ولكن ليس المهم هو جمال وعلو البنيان ولكن المهم هو سلامه قواعده وقوائمه وأساسه ۔ ولبيت بسيط من طابق واحد ولكنه سليم القوائم وراسخ الأساس هو أفضل من ناطحة سحاب عالية البنيان رائعة الجمال شامخة انفها في السماء ولكنها ضعيفة الأساس مهتزة القوائم تطيح بها أی ريح ولو كانت خفيفة ولا تصمد أمام إبتلاءات وهزات وفتن وصدق الله العظيم إذ قال "ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم" وقال "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة إجتثت من فوق الأرض مالها من قرار" أی مالها من أساس ثابت وراسخ وسليم.  إن موضوعنا الذي نريد طرحه أمامكم هو من أساسات وقوائم بنيانكم الإيماني فانتبهوا وألقوا إلينا سمعكم فلكم فيمن ضل وهدم بنيانه بسبب ضعف ووهن وفساد هذا الأساس وهذا القائم الهام وإختلاله وعدم وضوحه أمام عين صاحبه ، عظة وعبرة.  إن موضوعنا هو عن الإختيار الإلهي والأختيار البشري والفرق والتمييز بينهما وعلاقة ذلك بالبنيان والهيكل الإيماني الأساسي والمركزي للإنسان.

 

          الإختيار أو الإنتخاب البشري هو ذلك الإختيار أو الإنتخاب الذي يقوم به البشر لمن يختارونهم ويريدونهم سواء لمنصب أو مهمة أو قيادة أو تمثيلا ً نيابياً أو دوراً معيناً وهو يكون مبنياً علی أسس وقواعد يحددها البشر بأنفسهم أو قد يحددها لهم ربهم ولكن عليهم هم الإختيار بناء علی تلك الأسس والقواعد. وهذا النوع من الإختيار كثيراً ما تنحرف به الأهواء الشخصية والمصالح والمؤمرات والإحتيال على القواعد التي المفروض أن يبني عليها منطقياً أو قانونياً.  والإختيار البشري هنا يكون مبنياً بشكل عام علی قواعد المنطق والعرف الإنساني وفي حدود العلم الإنساني. والبشر مسؤلون عن إختيارهم أمام غيرهم من البشر ومحاسبون عليه ويُقيّمونَ بناء عليه ۔ ومن حق البشر الأخرين قبول والتزام إختيارات غيرهم أوعدم القبول به ورفضه وعمل إختيارات خاصة بهم بناء علی رؤية خاصة بهم لقواعد وشروط الإختيار أو لإتهامهم للأخرين بالفساد وإتباع الأهواء وعدم إتباع القواعد المتفق عليها أو المأمورين بها من ربهم ۔ والله تعالی في النهاية سيحاسب الجميع بناء علی صدق نياتهم وتحريهم وإجتهادهم ونقاء سريرتهم ۔ فيغفر لمن يشاء ولمن يتوب إليه ويستغفر ، ويعذب من يشاء ، وهو أرحم الراحمين طالما أن الإختيار هو كان متروك أصلا ً للبشر في إختيار قائدهم أو من يمثلهم أو من يقوم لهم بدور أومهمة معينة. وولاء وإنتماء البشر لمن يختارونهم هو رهن سلامة عملية الإختيار نفسها وكيفية أداء الشخوص المختارة لأدوارها ومهامها كما يراها البشر ويُقيمونها طبقاً لثقافاتهم وفهمهم وميولهم ومصالحهم وإنتمائتهم المختلفة المتعددة.

 

أما الإختيار الإلهي ... فذلك هو إختيار الله تعالی لشخوص معينة لمهام معينة أو لأدوار معينة أو للقيادة أو الرئاسة أو النبوة أو الوصاية أو التكريم أو الرسالة وهذا الإختيار يكون مبنياً علی حكمة الهية عالية لا يمكن للبشر الإحاطة بها أو الإلمام بأسبابها ، ويكون مبنياً علی قواعد وأسس لا يعلمها إلا الله تعالی ومبنياً علی علم الله تعالی التام والكامل والشامل والمطلق لكل صغير وكبير ولكل سر وعلن وكل ظاهر وباطن ولا دخل للبشر إطلاقا ً في هذا الإختيار الإلهي ، وليس لهم إلا السمع والطاعة فقط إقتنعوا أو لم يقتنعوا ، وافقوا أو لم يوافقوا ، رغبوا أم لم  يرغبوا ، أحبوا أم كرهوا ، فهموا أم لم يفهموا.كما أن الله الخالق لا يُسأل عن إختياره ، ولا يحق للخلق مُسألته لما أختار هذا أو ذاك لأن علمه مطلق وعلمهم مقيد ، وحكمته شاملة وحكمتهم محدودة ولا يمكنهم محاسبته علی إختيارته  كما هو الحال في الإختيار البشري. والله فعال لما يريد ولا يُسأل عما يفعل وهم يسئلون.  والإختيار الإلهي هو نقي وطاهر ومطهر من أهواء البشر ومؤامراتهم ومصالحهم الشخصية وإحتيالهم وفساد نفوسهم وقلوبهم. وأهم ما يميز الإختيار الإلهي هو كونه ملزم وملازم للإيمان بالله الخالق نفسه وعبادته وطاعته وهو بذلك دعامة  وأساس وركيزة للبنية الإيمانية  للإنسان تهتز إن إهتز ، وتسقط إن لم ترسخ وتثبت وتستقر.  فعدم الإنقياد والطاعة لهذا الإختيار الإلهي هو كفر صريح وخروج عن دائرة الإيمان وشرك للهوی مع الله لا يقبله الله إطلاقا ً ولذا لا أمل للمغفرة معه ، وليس معه إلا الطرد الفوري من رحمة الله تعالی "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء."  وتحكيم هوی الإنسان في إن ينقاد للإختيار الإلهي أم لا هو إشراك لذلك الهوی وبالتالي للإنسان نفسه مع الله في أحقية الطاعة والإتباع وهما ركيزتي العبادة "أرأيت من إتخذ إلهه هواه."  فمثل هذا الإنسان جعل من هواه ومن نفسه إلهاً مع الله فهو مشرك إذن وإستحق عدم المغفرة والطرد من رحمة الله.  وإن أنظره الله وأمهله فمأله جهنم وبئس المصير مالم يتوب ويؤمن ويقلع ويرجع إلی القبول والتسليم والإستسلام لإختيار الله تعالی والتسليم له وبه والإنقياد له طوعاً أو كرهاً قبل موته.  وهذا الجانب بالذات هو ما يجلب لهذه القضية أهميتها وحيويتها وخطورتها ، وهو ما قد يغفل عنه الناس والمؤمنون بالذات ، وهو ما قد يخرجهم ببساطة من دائرة الإيمان ، و يحبط أعمالهم الصالحة ، ويدخلهم بسهولة في دائرة الشرك والكفر والعياذ بالله.  فإذا إختار الله فليس للمؤمن إلا التسليم الأعمی والسمع والطاعة الكاملة والإتباع والإنصياع لهذا الإتباع وفقط ، وليس هناك من طريق أخر إذا أرد أن يظِل المؤمن مؤمناً. وهذا علی عكس الإختيار البشري أو الأمور التي يترك فيها الإختيار للبشر فإن أحسنوا الإختيار فأنعم بها وأكرم ولهم الثواب من رب العالمين وإن أساءوا فمردود عليهم وترجی لهم المغفرة والعفو من الله تعالی.

 

          وولاء وإنتماء البشر للإختيار الإلهي هو بقدر ولائهم وإنتمائهم لله ذاته ، ولذلك فهو بقدر إيمانهم بالله العظيم نفسه ، وذلك علی العكس تماماً من ولائهم وإنتمائهم لإختيارتهم البشرية المختلفة كما ذكرنا. 

ومن المهم جداً بل ولا بُد أن يظل التمايز والتباين قائماً في أذهاننا بين الإختيارين ولا يتداخل مع بعضه البعض حتی وإن إتفقا ظاهرياً فلا بد إن يستمر التمايز في عقولنا وأذهاننا وفي بؤرة شعورنا لأن ذلك سينعكس علی ولائنا وطاعتنا وإنتمائنا.

 

          ولنضرب مثالا ً علی أهمية ذلك.  إذا إختار الله تعالی رجلا ً معيناً لمهمة معينة أو لقيادة لحكمة عنده ۔ ولكن هذا الرجل لديه من المؤهلات الدينوية أيضاً ما يجعله كُفأً لإختيار الله له للقيادة بحسب مقاييس وإختيارات البشر ۔ بمعنی أنه لو كان ترك الإختيار للبشر بمقايسيهم الأرضية الدنيوية لكان سيتقع إختيارهم علی نفس الرجل لأنه به كل الصفات من وجهة نظرهم المنطقية التي تؤهله للقيام بهذا الدور وتلك القيادة فهم بالتالي مقتنعين بملائمته وأحقيته للدور الذي إختاره الله تعالی له ۔ هنا توافق الإختيار الإلهي مع الإختيار البشري ۔ ومع ذلك فمن الأهمية بمكان حفاظاً علی البنية الإيمانية القدسية الإلهية أن يظل التميز بين الإختيارين في ذهننا وعقلنا ولا نخلط بينهم ۔ فلا نتبع ذلك القائد ونطيعة ونوالية بناء علی أحقيته الظاهرية الدنيوية أو صفاته التي نراها مؤهلة له للقيادة ، شجاعته مثلا ً أو أمانته أو عدله ، ولكن يجب كمؤمنين أن نظل أولا ً وأخراً علی ولائنا لذلك القائد بناء علی إختيار الله تعالی له ومن ثم السمع والطاعة والموالاة والإنقياد لإختيار الله وننحي أرائنا جانبا.

 

          وأهمية ذلك تنبع من أنه إذا إختلط الإختيارات في العقل فإن الإنسان رويداً رويداً سينسی قدسية الإختيار الإلهي لذلك الشخص ويستحضر فقط مؤهلات الإختيار البشري التي أهّلت هذا الشخص ، وهنا سيقع المؤمن وهو لا يدري في حبائل خطره قد يدخل منها الشيطان ويفتنه ۔ فإذا رأی مثلا ً موقفاً خالف فيه هذا القائد ما يراه هو كان ينبغي أن يفعل أو سمع عنه ما لا يرضيه أو ظن به خروجاً عن بعض مؤهلات الإختيار البشري فإنه هنا قد يصبح أقل ولاء أو إنتماء أو طاعة للقائد الرباني ، أو قد حتی يتمرد عليه ويعصبه ويجادله ويخرج عن طاعته.  والسبب في هذا كله ، والمدخل إليه أنه لم يحفظ في ذهنه ضرورة التمييز بين الإختيار الإلهي والإختيار البشري وأن هذا القائد أولا ً وأخيراً إختياراً إلهياً لا يحق لك أن تجادله أو تناقشه أو تحاسبه بصرف النظر عن أن صفاته البشرية من وجهة نظرك تؤهله لإختيارك البشري لما إختاره الله له ۔ لكن يبقی إختيار الله هو الأهم والأبقی والأدوم وهو الذي فرض عليك طاعة ذلك القائد الرباني المختار من الله مباشرةً.  وإن أردت أن تدعو إخوانك المؤمنين لطاعة هذا القائد الرباني ۔ فلا تدعوهم بناء علی صفاته البشرية الدنيوية التي تجعله أهلا ً لإختيار الله له ۔ ولكن أدعوهم أولا ً بناء علی أن ذلك إختيار الله وهو لا يُسأل عي إختياره ولا يُحاسب وليس عليهم إلا السمع والطاعة فإن هذا إنجی لك ولهم وأأمن في إستمرارية طاعتهم له وتقديسهم لأوامره ۔ وإلا فإن إختلاط الأمرين فيه الخطر أشد الخطر ۔ فالبشر متقلبون وأذنيون وشكاكون وظنانون ومتمردون.  ومن يرونه اليوم صالحاً قد يرونه غير ذلك غداً ، ومن يحبونه اليوم قد يكرهوه غداً ومن يوالوه اليوم قد يتمردوا عليه غداً ومن يعجبون به اليوم قد يكرهوه غداً ۔ فلا يجب أن يبقی الإختيار الإلهي رهينة وعرضة لأهواء البشر وتقلب أرائهم وميولهم ونظرتهم ومرض نفوسهم وقلوبهم.  ولذا فالتمييز بين الإختيارين دائماً يحمي الإختيار الإلهي من عبث العابثين وتقلب المتقلبين وخيانة الخائنين وتمرد المعاندين ۔ والتركيز فقط علی الإختيار الإلهي هو صمام الأمان لحماية إيمان المسلم من الزلل والسقوط في الفتن والتعثر في حبائل الشيطان والنكوب عن الصراط والعياذ بالله بمعصية الله في إختياره وإتباع الهوی.

 

          وإذا إختار الله شخصاً لقيادة فعليك الطاعة والإنقياد لإختيار الله تعالی ۔ وإن إنقدت وطعت القائد لقناعتك الشخصية بصفاته ومناقبه فقط فإنك بهذا تكون قد إخللت بقواعد طاعة الله الحق التي هی من أولويات وأساسيات الإيمان ۔ تماماً وكما أن من يصلي لإن الصلاة أمر من الله واجب الطاعة ۔ ليس كمن يصلي لإن الصلاة مفيدة للجسد والروح وتهذب الخلق وتعلم الصبر ۔ فالتالي أخل بمبدأ الطاعة المطلقة لله وإدخل قناعاته الشخصية وأهوائه حتی وإن كانت صحيحة في تنفيذ أمر الله وهذا غير مقبول وإن صح لأنه يفتح الباب للأهواء والأراء المتقلبة ليكون لها دوراً وتأثيراً في طاعة الله المطلقة وهذا مرفوض تماماً ويؤدي للهلاك والسقوط في الفتن والزلات ۔ فالطاعة للطاعة أولا ً وأخيراً ويجب أن يكون هذا واضحاً تماماً في ذهن المؤمن وفي عقله وبالتالي في سلوكه وعلاقته مع ربه ولا دخل لأرائه ولقناعته ولا لفكره ولا لإهوائه في الموضوع إطلاقا ً طالما أنه أمر من الله سواء وافق هذا الهوی البشري وتلك القناعة والرأي أمر الله أم عارضه أقتنع به أم لم يقتنع ، وبذا تضمن التنفيذ الفوري والدائم والمخلص والمنتمي والوفي لأوامر الله سبحانه وتعالی والإنقياد والخضوع لإختيارته ونكون قد حمينا هذا الأساس الإيماني المهم من هوی النفس التي هی دائماً متقلبة ومرتع الشيطان وأمارةٍ بالسوء إلا من رحم ربي.

 

          إننا يجب أن نتبع محمداً ونصدقه ونطيعه ونحبه ونوقره ونتخذه نبياً ورسولا ً وإماماً وولياً ومنهاجاً وقدوةً وأسوةً لأن الله تعالی إختاره لهذه النبوة وتلك المكانة وأمرنا بهذا وليس لأنه الصادق الأمين الوفي الشجاع القوي العدل الرحيم  ذو الخلق العظيم وإن كانت كلها صفات تؤهله للمكانة التي جعله الله تعالی فيها ولكن ليبقی التميز في أذهاننا وقلوبنا بين الإختيار الإلهي والإختيار البشري وإن تلاقيا وتوافقاً. 

 

ولقد علّمنا الله تعالی في كتابه الكريم عندما تحدث عن إختياره لطالوت ملكاً علی بني إسرائيل برغم تعارض الإختيار البشري مع إختيار الله تعالی وإعتراض البعض علی الإختيار الإلهي بناءً علی الأسس التي يبنون عليها إختيارهم في ضرورة أن يكون الملك ذوسعة من المال ، وفي رؤيتهم لأنفسهم أحق بالملك منهم ، وجاهروا بإحتجاجهم لنبيهم فقال لهم نبيهم وحياً عن الله تعالی كما روی لنا الله في سورة البقرة ما يلي، "إن الله إصطفاه عليكم وزاده بسطةً في العلم والجسم"  والتمييز في الأية الكريمة واضح فإن الله يذكر أولا ً أنه إصطفاه عليكم وهذا هو الإختيار الإلهي ، فإن إختاره الله وجب عليكم بحكم إيمانكم السمع والطاعة والإتباع والإنقياد دون مناقشة أو جدال أو إعتراض ليرسّخ ذلك في الأزهان أولا ً.  ثم بعد ذلك يذكر الله لهم بعض من علة وحكمة إختيار الله له بأنه زاده بسطة في العلم والجسم وهذا من مقاييس البشر التي تؤهله في نظرهم للملك ولكن الله يأتي بها بعد التأكيد علی مبدأ الإصطفاء والإختيار الإلهي أولا ً ۔ وبذا يحافظ الله تعالی علی التميز بين الأمرين ويرسخ بوضوح هذا التميز في الأذهان حتی يكون المؤمنين علی بينة من أمرهم ويتعلموا أهمية هذا التميز ليجتنبوا الوقوع في الزللات والفتن وحبائل الشيطان.

 

          ولقد رأينا ماذا فعل الله تعالی بإبليس عندما رفض الإختيار الإلهي لأدم بالتكريم والسجود وجادل وحاول إن يدخل هواه ورغباته ومقاييسه في الأمر وقال "أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين ، وكيف تسجد النار للطين وما كنت لإسجد لبشرٍ خلقته من طين من حمأٍ مسنون".  وهكذا أدخل مقاييسه مع الإختيار الإلهي فماذا كان حكم الله تعالی عليه؟  وماذا كان جزاءه؟!  إنه الطرد الفوري والحاسم والقاطع والنهائی من رحمة الله تعالی قال "فأخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلی يوم الدين" ،  "فأخرج منها فما يكون لك أن تتكبر فيها" وقال "فأخرج منها مذؤماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملئن جهنم منك ومنهم أجمعين."  وهكذا حكم الله تعالی علی كل من يفعل فعله ويرفض ويجادل ولا يتبع الإختيار الإلهي سواء كان إختياراً للأنبياء أو الرسل أو الأوصياء أو الأولياء أو ذوي الإدوار الخاصة أو الملوك أو القادة أو المكرمين أو المقربين أو الأماكن أو الوقائع أو الأقدار أو الأحداث أو الأزمان أو الأيام.

 

          ومن ناحية أخری وبنفس الأهمية يجب أن نعلم بأن الحقوق والإستحقاقات والأحقيات التي تترتب للبشر أو لأي مخلوق أو لاي شئ نتيجة الإختيار الإلهي هی تختلف تماماً عن الحقوق التي تترتب لهم نتيجة الإختيار البشري.  فالأولی تكون حقوق إلهية والثانية هی حقوق بشرية دنيوية ۔ الأولی حقوق مقدسة مصونة تستمد قدسيتها من الله تعالی لا يجوز المساس بها أو التعرض لها ۔ والثانية حقوق عدلية إعتبارية أرضية خاضعة لقوانين البشر وإرادتهم وتشريعاتهم.

 

          منع أصحاب الحقوق الإلهية من حقهم ومن ممارسة دورهم هو جريمة ضد الله الخالق سبحانه وتعالی لا تجازي إلا بالعذاب الأليم والخلود لأن المستهين بتلك الحقوق الإلهية هو مستهين بالله تعالی ۔ والإستهانة بالله تعالی كفر وشرك وإلحاد.  ولأن هاضم تلك الحقوق الإلهية هو مجترأ علی الله متحديٍ له ۔ فقد إستحق من الله الغضب والمقت والسخط واللعنة والمحق وما الله بظلام للعبيد.  أما منع أصحاب الحقوق الأرضية الدنيوية فهو جريمة أرضية يمهل الله عليها ويقبل التوبة فيها إن أُعيد الحق إلی نصابه ۔ وفي الأخرة الله تعالی يغفرها أو يعذب عليها بمقدارها وهو فعال لما يريد.

 

          ولذا فيجب أن نميز دائماً بين الحالين والجريمتين وبين مرتكبي الجريمتين ولا يساويان أبداً أمام  أنظارنا وعقولنا ۔ فمانع الحقوق الإلهية من الوصول إلی أصحابها هو مجرم عاتي عريق في الإجرام خطر ملعون مفسدفي الأرض مطرود من رحمة الله تعالی ، وجريمته بشعة لا تُغفر ، ولا إصلاح لها لأنها جريمة في حق الإله الأعظم والرب الأكرم ولا يتساوی هذا المجرم أبداً ولا تتساوی جريمته مع أي مجرم أرضي دنيوي أو أي جريمة دنيوية أرضية.

 

          إن منع نبي أو رسول مختار مِن الله مِن أداء مهمته ورسالته ومعاداته وقتله أو طرده هی جريمة كبری عاقب الله عليها  الأقوام والأمم السابقة بالعذاب الأليم والخلود في النار واللعنة في الدنيا وهذا كان جزاء قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسی وبني إسرائيل لما كذبوا أنبيائهم وحرموهم من حقهم الإلهي الذي جعله الله لهم دون غيرهم.  وغضب الله تعالی علی تلك الأقوام والأمم وأرسل عليهم من سامهم سوء العذاب جزاءً لجرمهم في إغتصاب وإنكار الحقوق الإلهية المترتبة علی الإختيار الإلهي.

 

          وكما إنه ومن اللازم والضروري التمييز في عقولنا وأذهاننا وقلوبنا بين الإختيار الإلهي والإختيار البشري كما أوضحنا سابقاً ۔ فإنه من اللازم والضروري أيضاً التمييز في عقولنا وأذهاننا وقلوبنا بين أصحاب الحقوق المترتبة علی الإختيار الإلهي ، وبين أصحاب الحقوق المترتبة علی الإختيار البشري وإن توافق الإختياران وإجتمعا في شخص واحد فيجب أن يظل في عقولنا وإدراكنا أن هذا الشخص صاحب حق مترتب علی الإختيار الإلهي ولذا فحقه عظيم لا يجوز ولا يحق المساس به من قريب أو بعيد بل ويجب عليك المحافظة علی حصول صاحب هذا الحق علی حقه بكل جهدك وإمكانك وإن بذلت في سبيل ذلك الروح والدم والمال والجهد فإن كل ذلك هو من الجهاد في سبيل الله وحق صاحب هذا الحق الإلهي المترتب علی الإختيار الإلهي هو من كلمة الله التي يجب أن تعلو وتُرفع فوق الأهواء والأطماح والعناد والتعصب والتكذيب مهما كلّف ذلك من الأمر ومهما بذل في سبيله من ثمن وذلك ضرورة من ضرورات الإيمان تترتب وتنبع من الإختيار الإلهي ذاته ۔ ولا يجب أن نخلط هنا بين حق صاحب ذلك الحق الإلهي المترتب علی إختيار الله له وبين كونه جديراً حتی بالإختيار البشري الدنيوي بإستحقاق هذا الحق.

 

          فلو إختار الله تعالی رجلً لقيادة جيش مثلا ً ، وجب لهذا الشخص بناء علی هذا الإختيار حق إلهي إستحقه بإختيار الله له ۔ فلا يجب تحت أي ظرف أن يحرم من حقه ۔ ولو حاول أحد أن يحرمه من حقه الإلهي وجب علينا أن نتصدی له ونقاتله حتی ينفذ أمر الله في إختيار ذلك القائد ويعود إليه حقه الإلهي المعتدي عليه ليمارس دوره الذي إختاره الله له ۔ وذلك من الجهاد المقدس في سبيل الله ۔ أن نجاهد لكي تنفذ كلمة الله تعالی.  ولو كان هذا الشخص المختار من قبل الله الذي أصبح له حقاً إلهياً ترتب علی إختيار الله تعالی له ۔ لو كان هذا الشخص هو حتی بالمقاييس الأرضية الدنيوية أكثر الناس تأهلا ً لقيادة الجيش لشجاعته المعلومة مثلا ً ولحكمته ودرايته وحنكته وممارسته القتالية مما يجعله مؤهلا ً بشرياً لتقلد القيادة أكثر من غيره وبالتالي يرتب له أيضاً حقاً بشرياً دنيوياً أرضياً في هذه القيادة ۔ هنا إجتمع وتوافق الحقان والإختياران ۔ ولكن كما قلنا سابقاً يجب حتی في هذه الحالة ألا نخلط أبداً بين الحقين بسبب توافقهما.  ففي ذلك خطر كبير وعظيم كما أوضحنا سابقاً.  ويجب أن يظل الحق الإلهي أمام أعيننا ونظرنا قبل غيره له قدسية يستمدها من الله العظيم ذاته وله أولوية تستحق معها بذل الروح والمال من أجله بصرف النظر عی وجود الحق البشري أيضاً أم لا ۔ نرجو أن نكون قد أوضحنا هذه النقطة الهامة التي يجب أن تظل واضحة في الأذهان والإدراكات والقلوب حتی لا تختلط الحقائق والحقوق مع بعضها ويتوه مقدسها مع أرضيها وربانيها مع بشريها وعلويها مع دنياويها دون تمييز أو تفرقة وبالتالي يسهل علی الناس الإعتداء علی تلك الحقوق وحرمان أصحابها منها والتفريط في إرجاعها إلی أصحابها الحقيقين ظناً منهم بأنها مثلها مثل غيرها مع العلم بأن الفارق كبير والتمايز شديد والتباين واضح وضوح الشمس بين الإختيار الإلهي والإختيار البشري وبين الحق الإلهي المترتب للأنسان أو لأي شئ بناء علی الإختيار الإلهي ۔ وبين الحق البشري المترتب للإنسان أو لأي شئ بناء علی الإختيار البشري ۔ إن كل مؤمن وكل داعية يجب أن يجعل هذه النقطة أو هذه الدعامة والركيزة واضحة تماماً أمام عينه وفي بؤرة إدراكه حتی لا يضل ولا يُفتن ولا يُشّبه عليه ولا يُلبس عليه ولا يخدع ولا يفرط ولا يقع في المحظورات ولا يسقط في الزلات والفتن التي تخرجه بسهولة جداً من دائرة الإيمان وتعرضه ببساطة لسخط وغضب الله وهو لا يدري ولا يشعر بضعف بنيانه وإهتراز أسس إيمانه وقواعدة وقوائمه وأساسه وجذوره.

 

          نعم إن موسی (ع)  كان أحق الناس بقيادة بني إسرائيل للخروج من ظلم فرعون وملاءه وذلك لشجاعته وحكمته ودرايته وقوته ، ولكن إستحقاقه للقيادة الإلهي المبني علی الإختيار الإلهي له وحقه الإلهي في ذلك هو أهم وأبدی ويجب أن يتميز في عقولنا عن غيره ولا يختلط الإثنان مع بعضهما أبداً للأسباب التي ذكرنا من قبل.  والحق الإلهي الذي ترتب لطالوت في الملك بالإختيار الإلهي له يجب أن يكون مميزاً في عقولنا ولا يختلط مع حقه الأرضي في الملك والذي ترتب له نتيجة زيادة بسطتة في العلم والجسم وهی من مقاييس البشر في الإختيار.  فإذا حرم أحد أو حاول طالوت من أخذ حقه الإلهي الذي جعله الله له دون غيره ، وَجب علينا كمؤمنين بالله أن نسعی لأن تكون كلمته هی العليا أن نتصدی لهذا المجرم الذي يحاول حجب الحق الإلهي عن صاحبه وأن نقاومه حتی يرد الحق إلی صاحبه كما أراد وأمر الله تعالی بصرف النظر عن إستحقاقه البشري أيضاً أم لا.

 

          ويوشع بن نون نال الوصاية علی بني إسرائيل بعد موسی (ع) بالإختيار الإلهي ولذا فهذه الوصاية هی حقه الإلهي لا يجوز أن ينازعه فيها أحد أو يمنعه من أدائها والحصول عليها ۔ صحيح أنه بالمقاييس الدنيوية الأرضية البشرية فإنه أيضاً أحق الناس بالقيادة بعد موسی (ع) لشجاعته الفائقة وقوته وسابقته في الإيمان بموسی وتصديقه ومواقفه الفريدة في نصره وتأييده وبذل الروح بين يديه حتی أن موسی كان يعتمد عليه في كثير من الأشياء ولذا فلم يكن هناك أقرب إلی موسی منه بعد رحيل هارون (ع) ووفاته ۔ ولكن أحقيتة الألهية الناشئة عن الإختيار الإلهي تبقی هی دائماً الأهم والأولی والأبدی والأخطر ، ولا يجوز للمؤمنين الخلط أبداً بين الأحقيتين؟ أو الإستحقاقين كما لا يجوز الخلط أو الإلتباس بين مصدريهما ومنشأيهما نعنی بذلك الإختيار الإلهی والإختيار البشري.

 

          والدعاة عليهم عندما يقدموا للناس الحقيقة ويدعوهم إليها ۔ عليهم ألا يلبسوا عليهم أو يضغموا أو يخلطوا الأمور بل عليهم أن يميزوا بين الحقائق عندما يقدموها بصراحة ووضوح دون خوف ملامة من هؤلاء الناس ، وعليهم أن يرسخوا في الأذهان والقلوب دائماً الفرق والمسافة بين الإختيار الإلهي والإختيار البشري وإن توافقا ، وبين الإستحقاق والأحقية الإلهية وبين الإستحقاق والأحقية الأرضية البشرية الدنيوية وإن تلاقا وتماثلا.

 

          فعندما نقدم للناس وللبشرية جميعاً حقيقة أن محمد صلی الله عليه وآله هو خاتم الأنبياء والرسل وندعوهم للإسلام فيجب أن نقدمها لهم أساساً من واقع أن محمداً هو صاحب الحق بهذه النبوة الخاتمة وأحق بها لأن الله إختاره لهذا فأحقيته أحقية إلهية مستمدة وناشئة عن الإختيار الإلهي له.  ثم وبعد أن نرسخ هذا في أذهانهم تماماً ويؤمنوا بهذا الحق القدسي له نحدثهم؟ بعد ذلك عن خلقه وحلمه وعلمه وشجاعته وحكمته وشخصيته وأدبه وحياءه وفصاحته وبلاغته ورأفته ورحمته وكرمه إلی أخر صفاته الشريفة العظيمة التی تؤهله دنيوياً وبشرياً أيضاً للمكانة التی أراده الله تعالی فيها والمهمة التی إختاره الله لها.

 

          وعندما نقدم للناس حقيقة أن علی إبن أبي طالب (ع) هو وصي محمد صلی الله عليه وآله وولي الله وخاتم الأوصياء فيجب أن نقدمها لهم من واقع أن علياً هو صاحب الحق الإلهي بهذه الوصاية لأن الله تعالی هو الذي إختاره وعيّنه لهذه المكانة وتلك المهمة وهذا الدور ، فأحقيتة هذه هی أحقيةٌ إلهية مستمدة وناشئة عن الإختيار الإلهي له كما هو ثابت ومؤكد من الأيات القرآنية ومن الأحاديث المتواترة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وروايات وشهادات العديد من أصحابه المؤمنين المخلصين ومن شهادة وأحداث التاريخ الإسلامي كله ، ثم وبعد أن نقنعهم بهذا ويؤمنوا بهذه الأحقية الإلهية ، وترسخ حقيقة الإختيار الإلهي للوصاية والولاية والخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أذهانهم وإدراكهم ۔ نحدثهم بعد ذلك عن فضائله ونذكرلهم خصائص عليّ (ع) ومناقبه وقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأكرم وملازمته له وقربه منه وأسبقيته للإسلام وجهاده في سبيل الإسلام وملاحمه البطولية التی لم ولن ينكرها أعدائه قبل أحبائه ، والتی سيظل التاريخ يحكيها ويتغنی بها ، ونحدثهم عن علمه وحكمته وبلاغته وكرمه وشجاعته ومرؤته وخلقه وصفاته التی بلغت قِمم لم ولن يصلها أحد غيره من المسلمين لا سابقين ولا لاحقين ، والتی تؤهله كلها دنيوياً وبشرياً لإستحقاقه الخلافة والولاية والوصاية وتجعله أحق بها بالمقاييس البشرية الدنيوية المجردة من غيره علی الإطلاق ، ولكن تبقی أحقيته الإلهية بالأمر المستمدة من الإختيار الإلهي له لهذا الدور أهم وأعظم وأخطر من أحقيتة الأرضية الدنيوية البشرية ويجب أن يكون هذا واضحاً أمام أذهاننا وقلوبنا وعقولنا لأهمية ذلك لسلامة العقيدة والبنيان الإيماني كما شرحنا وأوضحنا من قبل.  إن المسلمين لو كانوا إلتزموا بالتمييز بين الإختيار الإلهي والإختيار البشري لما حادوا عن موالاة ومتابعة أمير المؤمنين علي (ع) بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ولما رضوا عنه بديلا ً ۔ ولما نكثوا ببيعته وجحدوه حقه وخرجوا عليه وتقاعسوا عن نصرته عندما وليّ الخلافة ، فكفروا بذلك وخرجوا عن دائرة الإيمان بتركهم القائد الرباني وعدم إنصياعهم للإختيار الإلهي ۔ وخلطهم ولبسهم بين كونه مستحقاً للولاية بإصطفاء وإختيار الله له وكونه مستحقاً للولاية بمناقبه وصفاته البشرية العظيمة وسابقته في الإسلام والجهاد وقربه للرسول (صلى الله عليه وآله) وعلمه وحكمته وشجاعته وهذه كلها المقاييس البشرية لإختيارات البشر.

 

          وعندما نقدم للناس وللبشرية حقيقة أن الأئمة الأحد عشرة من ولد علی إبن أبي طالب (ع) هم الأولياء والأئمة وولاة الأمر الشرعيين لهذه الأمة ۔ فيجب أن نقدمها لهم من واقع أن الله تعالی هو الذي إختار هؤلاء الأئمة واحداً بعد واحد لهذه القيادة وتلك الأدوار وهذه الولاية وتلك الإمامة كما جاء علی لسان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) تبليغاً عن أمر ربه سبحانه وتعالی وتواترت الأحاديث والروايات بذلك وكما شهد التاريخ بصدق ذلك البلاغ من محمد (صلی الله عليه وآله) عن ربه ۔ فهؤلاء الأئمة الأحد عشر واحداً بعد أخرهم أصحاب الحق الإلهي إذن في تلك الولاية والإمامة والقيادة ، وأحقيتهم هنا لا تنازع ولا تنكر ولا تنافس وإلا إهتز وسقط البنيان الإيماني للإنسان كله لأن أحقيتهم تلك مستمدة من الإختيار الإلهي لهم ليقوموا وينهضوا بتلك الأدوار ولذا فأحقيتهم هنا أحقية إلهية مقدسة حرام المساس بها أو الإعتداء عليها ومحرم إغتصابها علی أی إنسان يدعي الإيمان بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله).  ثم وبعد أن نقدم للناس هذه الحقيقة من هذا المنطلق وهذا الأساس ۔ ويؤمنوا بها وتترسخ في أذهانهم وقلوبهم وعقولهم وإدراكهم ۔ نحدثهم بعد ذلك عن مناقب وفضائل وصفات وعلم وخلق هؤلاء الأئمة التی أخذت العقول والألباب وحار فيها العدو قبل الصديق ولم ينكرها أو يجادل فيها المعاند قبل الموالي والتی تؤهلهم بلا أدنی شك دون غيرهم دينوياً وبشرياً وأرضياً للإمامة والولاية والقيادة وتجعلها حقاً لهم بلا شريك أو منازع وتفرض لهم الأحقية الدنيوية البشرية الأرضية بمقاييس البشر المتعارف عليها وتجمع لهم الإستحقاق الدنيوي البشري أضافة إلی الإستحقاق والأحقية الإلهية المقدسة ۔ ولكن تبقی الأحقية الإلهية لهم والمستمدة من إختيار وإصطفاء الله تعالی لهم وتطهيرهم تمهيداً لأدائهم أدوارهم التی إختصهم بها وعينها وحددها لهم هی الأهم والأعظم والأخطر من أی أحقية دنيوية أرضية بشرية.

 

          وعندما نقدم للناس وللبشرية حقيقة أن الإمام الثاني عشر من الأئمة محمد بن الحسن هو الإمام المهدي المنتظر ، وأنه سيعود للظهور عندما يأذن له الله بذلك ليملاء الأرض قسطاً وعدلا ً وأنه إمام الزمان مغيب عن الأبصار ولكنه حي موجود بقدرة الله التی لا تعجز عن شئ ولا يفوتها شئ ۔ فيجب أن نقدمها لهم من واقع أن الله تعالی هو الذي إختار هذا وحده وليس لمحمد صلی الله عليه وآله أوغير محمد صلی الله عليه وآله ودخل في ذلك فهذا إختيار إلهي محض ونافذ لامحالة فيجب علی الجميع الإنتظار والتيقن من الحدوث والوثوق من شخصية الإمام حتی يكتمل الإيمان في قلب المرء فيلقی الله وهوعنه راضي ۔ وليبقی هذا مميزاً عن حقيقة كون الإمام أحق من غيره بهذه المكانة والمهمة العظيمة بالمقاييس الأرضية الحياتية لعلمه وخلقه وحكمته وكونه الوارث الأخير والبقية الباقية من العترة الطاهرة فلزم منطقياً أن يكون هو المهدي المنتظر ۔ ولكن الإختيار الإلهي والأحقية الإلهية ۔ المترتبة عليه هی الأهم والأعظم والأخطر.

 

          إن علينا أن نقدم الحقيقة كما هی وكما أرادها الله واضحة كاملة لا لبس فيها ۔ فمن قبلَها قَبِلَها ومن أنكرها أو رفضها فليفعل وهو مسئول عن ذلك أمام الله تعالی وليس علينا هدی الناس ولكن علينا إبلاغهم وليس علينا حسابهم فإن إيابهم إلی الله وحسابهم علی الله.  ونحن يجب أن نحرص علی سلامة أركان بنياننا الإيماني بإستحضار دائماً حقيقة الإختيار الإلهي سواء للأنبياء أو المرسلين أو الأوصياء أو الأولياء أو القادة ، وأحقية هؤلاء المصطفين من قِبل الله تعالی الإلهية المقدسة فيما إختيروا له ، وأن يكون إنقيادنا لهم وإتباعنا وولائنا لهم مستمداً من هذا الإيمان الراسخ والعقيدة الثابتة واليقين بأحقيتهم الإلهية والإختيار الإلهي لهم ، لأننا بهذا فقط سنستكمل إيمننا ونرضی ربنا ونكون لهم نعم الأتباع والموالين والمطيعين الممحبين فنستحق بذلك الجزاء العظيم الذي أعده الله للمؤمنين المسلمين الموالين المتبعين السائرين علی نهج الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) والأئمة من أهل بيته الطيبين كما أمر الله وحدد الله وإختار الله وطوبی لمن جعل مسيرة حياته تسير وفقاً لما أمر الله وحدده الله وإختاره الله ولم يحيد ولم يُكذّب لم يغيّر ولم يُبدّل ولم ينكث علی عقبيه ولم ينكب عن الصراط ولم يضع الأمور في غير مواضعها ، ومشی سوياً علی صراط مستقيم ، يرفع ما رفعه الله ويضع ما وضعه الله ، ويحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله ويختار ما إختاره الله ويترك ما تركه الله وهكذا يكون الإيمان وهكذا يكون الإسلام وهكذا يكون التسليم ۔ فبالإنقياد والتسليم والإستسلام للإختيار الإلهي تكون قمة الإيمان وغاية السعی وإكتمال الدين.

 

          تماماً كما نسلم ونستسلم ولا نجادل وننقاد لإختيار الله للأكسجين دوناً عن الغازات الإخری ليكون غاز التنفس ، وإختيار الله للشمس دوناً عن سائر النجوم لتكون مصدر الضوء والطاقة لنا ۔ ولإختيار الله للماء دوناً عن سائر السوائل ليكون لنا حياة لا حياة بدونه ، وإختيار الله لشهر رمضان ليكون شهر الصيام ، وشهر ذي الحجة ليكون شهر الحج ، وهكذا إختيارات إلهية في كل شئ ننقاد لها في حياتنا ودنيانا لأننا مجبرين عليها ۔ فلما لا ننقاد مختارين طائعين بنفس الخضوع والإستسلام واليقين للإختيارات الإلهية في ديننا وعقائدنا وأفعالنا رغم أننا مخيرين فيها ونفعل كما فعلت السموات والأرض إذا قال لهم الله أئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ، فلسنا أقَل منهما ، وقد وهبنا الله الحياة وأنعم علينا بالرزق وحبانا ومنحنا العقل والفكر والإرادة وميزنا بهم علی ما عدانا في هذه الدنيا ، فأقل شكر نوجهه لهذا الإله الخالق المنعم العظيم أن ننقاد لإختياره طائعين مختارين محبين مسلمين مستسلمين ۔ والصلاة والسلام علی أشرف المرسلين محمد وعلی آله الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين.