بسم الله الرحمن الريحم

 

 

"يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سِراحاً جميل ً * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الأخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما * يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشةٍ مبينةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك علی الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقاً كريما * يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء إن إتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا ً معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولی وأقمن الصلاة وأتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * وأذكرن ما يتلی في بيوتكن من أيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبير.  ".

صدق الله العظيم

{٣٣: ٢٨-٣٤}

_____________________________________________________________________________________________________________

 

إختلفت الأمة كثيراً في آية التطهير إلی من تشير ۔ فمن قائل أنها تشير إلی نساء النبي وحدهن مستنداً فقط إلی سياق الأيات الكريمة حيث أتت أية التطهير في معرض حديث الله تعالی الموجه إلی نساء النبي صلی الله عليه وآله وسلم قبلها وبعدها ۔ ومن قائل أنها تشير إلی علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وحدهم دون غيرهم مستنداً إلی حديث الكساء الشهير المتواتر عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وأحاديث أخری كثيرة ۔ ومن قائل أنها تشمل كل هؤلاء الزوجات وأيضاً علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام إستناداً علی ما سبق كله ومحاولة للتوفيق بين سياق نص الأيات وأحاديث الرسول صلی الله عليه وآله وسلم الصحيحة  وعلی أن كلمة أهل البيت تحمل في معناها كل هؤلاء ۔ فلما لا يكونون كلهم مقصودون بهذه الأية الكريمة.

 

          والوقع يشهد بأن الإختلاف كانت له ومن ورائه دوافع كثيرة ۔ دوافع سياسية طوال القرون الأولی من الإسلام ۔ ودوافع شخصية متولدة من العدوات والإحقاد المتوارثة جيلا ً بعد جيل ۔ ودوافع  نفعية جائت نتيجة وجود قوة تعمل علی إتحد هذا الإختلاف وتحرص علی إستمرارة لمنافع لها وهی بالتالي تقدم المنافع لمن يعمل علی إستمرار هذا الخلاف وتعميقه.  ودوافع نشأت عن السذاجة وضيق الأفق وضعف الرأي وقلة التدبر والتفكير ۔ ودوافع تعصبة تولدت من إنقسام الأمة إلی فرق عديدة ومذاهب مختلفة كل منها يتعصب لرأية ومذهبه وفرقته.  والتعصب جهل وعمی يصيب الإنسان فيجعله لا يری الحق ولو كان واضحاً ولا يری النور ولو كان ساطعاً ولا يری إلا ما يريد أن يراه هو ولا يؤمن إلا بما يمليه عليه هواه وتعصبه فقط.

 

          ونحن نحاول بإذن الله علی مدی السطور القادمة أن نتوقف قليلا ً وقفة نزيهة متأملة متفحصة أمام هذه الأية العظيمة وأمام هذا الإختلاف حولها لنحاول أن نحسم هذا الخلاف لكل طالب للحقيقة مستعد للإنصياع لها ۔ غير متعصب وليس له هویً أو مصلحة ولكنه يطلب الهدی والتوفيق من الله تعالی معاهداً إياه أن يتبع الحق إذا رأه وإقتنع به ولا يحيد عنه.  وليس بخافٍ أنه من المهم جداً أن نعرف إلی من تشير أية التطهير ۔ لأنه  سيترتب علی ذلك نتائج كثيرة  وخطيرة ۔ فلا يوجد أية تطهير أخری في كتاب الله غير هذه الأية الكريمة ولا يوجد أحد تكفل الله بتطهيره في القرآن من بعد الأنبياء إلا هؤلاء المشار إليهم في الأية الكريمة ۔ فإذا عرفنا إلی من تشير عرفنا أن هؤلاء مطهرون من الله ۔ وإذا تيّقنا أنهم المطهرون من الله كان من السفه والعبث بل ومن الجنون أن نأخذ علوم ديننا من غيرهم طالما هم المصدر المطهر .. ولو أن أمامك حوض ماء أكدت لك الحكومة التی تثق بها أنها طهرته وأنه صالح تماماً للشرب وأنه ماء نقي معد لللإستهلاك الأدمي ۔ فإنك تكون مجنوناً أو سفيهاً أو طالبٌ لهلاك نفسك لو تركت هذا الحوض النقي ماءه المأمون طهارته ۔ ذهبب إلی ماء آخر لا تدري مدی نقاوته أو طهارته أو نظافته وتشك فيه ، لتشرب وتنهل منه وتعرِض نفسك للأذی والأخطار والمرض والتسمم الذي قد يؤدي بحياتك ويهلكك في النهاية ۔ ليس هناك من عاقل واحد سيفعل هذا ۔ ولذا فمعرفة المشار إليهم في أية التطهير هِیَ بمثابة معرفه المنهل المطهر الطاهر الذي طهره الله الذي نستطيع أن نأتيه مطمئنين لنشرب وننهل منه لديننا ودنياننا وأخرانا وأن نعيش مطمئنين أمنين فلا نحتاج بعدها للفرقة ولا لتفرق السبل ولا لتعدد المناهل ولا نرضی بغير هذا المنهل بديلا ً يكون مشكوكاً في طهارته ونقاوته قد يضرنا ويسممنا ويضللنا ويهلكنا ۔ ولو فعلنا ذلك وتركنا المنهل الطاهر وذهبنا إلی المنهل المشكوك فيها فضللنا وتفرقنا وضاع أمرنا وخرجنا عن ديننا  وهلكنا ۔ فلا نلومن إلا أنفسنا وليس لنا علی الله حجة بعد ذلك بعد أن أوجد لنا المنهل الطاهر الذي طهره بنفسه ولكننا أبينا إلا المناهل المشكوك فيها المتفرقة وألق قد تكون سمومة أو متعفنة أو رديئة أو مهلكة ونحن نُعرِض أنفسنا لكل تلك الأخطار بتركنا للمنهل الذي طهره الله والذي أهملنا أن نحدده ونعرفه ونتوقف عن الخلاف عليه ومن ثم نذهب إليه جميعاً لننهل ونشرب ونستزيد مطمئنين أمنين حامدين لربنا وشاكرين.  ومن ذلك تتضح أهمية معرفة وتحديد هوية الشخوص المشار إليها في أية التطهير لأنها هی تلك الشخوص التی طهرها الله تعالی ونقاها من بعد نبيه ولذا فلا بد وأن تكون منهلنا الذي نأخذ عنه ومرجعنا الذي نرجع إليه وولينا الذي نواليه ونتبعه من بعد النبي صلی الله عليه وآله.  فتحديد المشار إليه من الله تعالی في أية التطهير هو إذن وببساطة لتحديد هوية  قادة الأمة ولاتها وأوليائها ومراجعها وفقهائها ومراشديها من بعد كتاب الله تعالی وسنة نبيه صلی الله عليه وآله ولذا فهذا التحديد ليس هاماً فقط ولكنه أهم الأعمال علی الإطلاق في حياة الإنسان ۔ لأن الإنسان بلا إيمان ودين وليس إنساناً ۔ ليس هناك إيمان ودين بدون إمام وقائد وولي ومرشد وفقيه وعالم ۔ يرشد الناس ويهديهم ويعلمهم وبؤمهم ويقودهم في مسيرة حياتهم  حتی يصلوا لبر الأمان الذي لا يمكن لهم أن يصلوه وحدهم وإلا لتخطفهم الشيطان كما يتخطف الغنمة وهی بلا راعٍ يحميها ويقودها ويهديها ۔ وهذه منطقية لا يجادل فيها إلا كل سفيه أو غبي أو مستكبر أو معاند أو كافر وما أولئك بالمؤمنين وحديثنا ونقاشنا هنا هو موجه للمؤمنين الأكياس الفطناء العقلاء ذوي الألباب المتواضعين لله المقبلين عليه المستسلمين له الباحثين عن الحق المتبعين له دون تعصب أو هویً أو تكبر أو معاندة أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم الفائزون.

 

          لنبدأ من حيث إنتهی الناس ولنحصر دراستنا وبحثنا في حسم الخلاف الذي  قام ۔ فالقضية واضحة ومجالات البحث محدودة وليس علينا أن نبحث عن هوية المشار إليهم في أية التطهير بين جميع المسلمين ولا حتی من بين طائفة منهم ۔ فلقد أراحنا علماء الأمة بكافة إتجاهاتهم وحصروا خلافهم ، وأيضاً حصرت الأية الكريمة هوية المطهرين بكلمة  “أهل البيت” ۔ وبذا إنحصر الخلاف الأن فقط بين هذه الإحتمالات الثلاثة لهوية المطهرين ولا رابع لها ... هذه الإحتمالات هي:

 

١ـ أن المطهرين المشار إليهم هن زوجات الرسول صلی الله عليه وآله وحدهم فقط.

 

٢ـ أن المطهرين المقصدون بالأية الكريمة هم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وحدهم فقط.

 

٣ـ أن المطهرين هم زوجات الرسول صلی الله عليه وآله إضافة إلی علي وفاطمة والحسن والحسين )عليهم السلام).

 

 

          إن أحد هذه الإحتمالات الثلاثة فقط هو الصحيح لتحديد هؤلاء المطهرين من الله والإحتمالان الإخران خاطئان وهذه منطقية ولا يمكن أن يكون الثلاثة إحتمالات صحيحة ولا يمكن أيضاً أن يكون إحتمالان منهم صحيحان فكل ذلك يستحيل شكلا ً وموضوعاً.  فالأمر سهل الأن إذن ، فما علينا إلا أن نبحث بموضوعية ومنطقية أي هذه الإحتمالات هو الصحيح ۔ فنكون قد أهتدينا والحمد لله إلی ضالتنا المنشودة وعثرنا علی المطهرين الذين نطلب هداهم وموالتهم وحققنا ما نبغي وهُدينا إلی الصراط المستقيم فلنفاتح أذهاننا وعقولنا إذن للحظات للبحث والتعمق حتی نصل إلی حل الخلاف حلا ً منطقياً شافياً مقنعاً يكون نهائياً وحاسماً بإذن الله تعالی ترتاح بعده القلوب والعقول المؤمنة وتتيقن من الحقيقة بعد أن تراها حقيقة ياصعة واضحة لا لبس ولا شك ولا مراء فيها.  فهيا نبدأ رحلتنا الدراسية لنبحث عن الحقيقة وعن الصحيح من بين الإحتمالات الثلاثة معتمدين علی الله تعالی أولا ً وعلی القرآن والسنة ثانياً وعلی عقولنا ومنطقنا ورشدنا وفطنتنا ثالثاً وعلی الله تعالی قصد السبيل.

 

لنبدأ أولا ً بدراسة الإحتمالية الأولی ونبحث مدی إحتمالها وموافقتها للصحة والمعقولية والمنطقية لنری إن كانت عقولنا تقبل بها أم لا .هذه الإحمالية تقول بأن المطهرين هن زوجات الرسول صلی الله عليه وآله وحدهن دون غيرهن ويستشهد المؤيدين لهذه الإحتمالية الداعين لها علی صحة قولهم ويبنون حجتهم علی سياق النص القرآني الذي وردت خلاله أية التطهير ۔ ويقولون أن الأيات من قبل أية التطهير ومن بعدها هی تتوجه بالحديث مباشرة إلی نساء النبي صلی الله عليه وآله وهن المخاطب ومحور الحديث من الله تعالی وبناء عليه فإن أية التطهير تُعتبر من ضِمن هذا الحديث الموجه لزوجات الرسول صلی الله عليه وآله والمنصب عليهن وحدهن لأن الأيات ماقبلها وما بعدها لم تخاطب أحداً غيرهن فمفهوم ضمنياً أنهن المخاطبات المقصودات بها ۔ ثم يؤيدون حجتهم بأن المعنی أيضاً يفيد ذلك لأنه يوجه تقويمات  وإرشادات وتوجيهات لنساء النبي صلی الله عليه وآله ، ويقول لهم في نهايتها بأن تلك الإرشادات والتوجيهات هی لتنقيتهن وتطهيرهن وإذهاب الرجس عنهن ۔ ولذا فمعنی ومفهوم أية التطهير متوافق لما قبله وما بعده من إرشادات وتوجيهات لأزواج النبي صلی الله عليه وآله ۔ ثم يستأنس أصحاب هذا الرأي ويقووّن حجتهم بأن المتعارف عليه لدی العرب وقت نزول الأيات هو أن أهل بيت الرجل هم أزوجه ويؤيدون ذلك بقول الله تعالی مخاطباً سارة زوجة إبراهيم عليه السلام عندما بُشرت بحمل إسحاق عليه السلام وضحكت  “أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت”  قاصداً إياها. فإذا كان الله تعالی يعنی زوجة إبراهيم عليه السلام بقوله أهل البيت في هذا الأيات فلِما لا نطبق نفس الشئ ونأخذ نفس المعنی في أية التطهير فيكون الله يعنی بكلمة أهل البيت هنا زوجات الرسول صلی الله عليه وآله طالما أنه إستخدم هذا المعنی في أية خری.

 

          ولننظر الأن في مدی صحة تلك الحجج التي يسوقها ويستشهد بها أصحاب هذا الرأی وأنصار تلك الإحتمالية ويبنون عليها توجههم وقناعتهم بصحة ما ذهبوا إليه ويؤسسون عليها بنيانهم.  في البدية يجد المتأمل بدقة والفاحص والمتدبر للأيات الكريمة من بدايتها إلی نهايتها أنها أولا ً تحمل تهديداً صريحاً واضحاً من الله تعالی لإزواج النبي صلی الله عليه وآله بالطلاق إن كن يردن زينة الحياة الدنيا ۔ والأية الثانية تحمل ترغبياً لهن وتعدهن إن أثرن الله ورسوله صلی الله عليه وآله وأحسن تعدهن بالأجر العظيم ۔ والأية الثالثة تحمل أنذاراً وتحذيراً شديد اللهجه بمضاعفة العذاب لمن تأتي منهن بفاحشة ظاهرة مبينة ۔ والأية الرابعة وعد مشروط لهن بمضاعفة الثواب والأجر لمن تطع الله ورسوله صلی الله عليه وآله منهن ۔ والأية الخامسة تذكر لهن بأنهن لسن كسائر النساء بحكم كونهن زوجات النبي صلی الله عليه وآله وما قد يقبل من غيرهن فلا يقبل منهن لمكانتهن وعظم المسؤلية الملقاة علی عاتقهن ، ثم توجهن نفس الأية بأنهن إن كن يردن تقوی الله فيجب أولا ً أن يراعوا ما تنطق به ألسنتهم وينتبهن لما يقلن وللطريقة التی يتكلمن بها ، فتطلب الأية منهن عدم الخضوع بالقول وتحمل في طياتها اللوم علی فعل ما يصدر من إحداهن ، وذلك حتی لا تكون بيوت النبي عرضة لألسنة الحاقدين والحاسدين والكارهين والمنافقين والتحدثهن علی قول المعروف فقط ۔ والأية السادسة تحمل لهن أربعة أوامر مباشرة ونهي واحد من الله تعالی.  الأوامر هی : يبقين في بيوتهن لا يخرجن منها صيانة وحفظاً لهن ، وإقامة الصلاة ، وإتياء الزكاة ، وإطاعة الله ورسوله صلی الله عليه وآله.  أما النهي فهو : ألا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولی أي لا يأتين بأفعال الجاهلية التی كانت تفعلها النساء والتي نهی عنها الإسلام ، من عدم الحجاب وإظهار الزينة لغير من حدد الله ۔ وكثرة الكلام والخروج ومخالطة الغير من الرجال والنساء إلی أخر هذه العادات التي كانت شائعة لدی نساء الجاهلية ، ثم تأتي ألفاظ أية التطهير علی غيرما تناسق مع كل ما سبق ، ثم تأتي الأية السابعة فتحمل الأمر الخامس إستكمالا ً للأوامر الأربعة السابقة وإتماماً لها وهی الأمر لهن بأن يذكرن ما يتنزل في بيوتهن من أيات القرآن الكريم علی رسول الله صلی الله عليه وآله وما يقوله الرسول صلی الله عليه وآله من أحاديث تحمل الحكمة أثناء وجوده في بيوتهن ، أن يذكرنه ويتذكرنه دائماً ويعملن به  ويُذكّرن به بالتالي يكن مثالا ً يحتذی في هذا ، ويتذكرن معه أيضاً ما فضلهن الله به في ذلك ، فلا يفعلن إذن فعل سائر النساء فلسن كسائر النساء وبذا تربط الأية كل ما سبق وتمفصله مع بعضة البعض.

 

          فالأيات كلها إذن هی تهديد وترغيب وإنذار وتحذير ووعد مشروط وتذكير وتوجيه ولوم ثم نهي وخمسة أوامر.  فهل كل هذا النوع من الخطاب يتناسب مع مقام التطهير ۔ هل من يوجه إليه كل هذا هو المُطهر بأمر الله ۔ هل من وُجه إليه  كل ذلك هم المطهرون وأصحاب النبع الطاهر النقي الذي سنتوجه إليه لننهل منه ۔ إن كان كذلك فكل الناس إذن مُطهرون لأن الله تعالی خاطب كل الناس في القرآن بمثل هذا فهو يهديهم تارة ويرغبهم أخری وينذرهم تارة ويحذرهم أخری ۔ يعدهم تارة ويذكرهم أخری ثم يوجههم ويلومهم ويأمرهم وينهاهم ۔ هذا حديث القرأن الموجه لكل البشر علی مدی أيات القرآن الكريم الذي قال الله نفسه عنه أنه بشيراً ونذيراً وتذكرة وهدیً لكل البشر ۔ فأين مقام التطهير فيمن يوجه كل هذا إليه. إنه إذن كسائر البشر وليس مميزاً عنهم ۔ هذا أول ما يلحظه العقل والمنطق بعد إستعراض الأيات

 

          ثم إن الأنسان العاقل الباحث عن الحق النزيه يتسأل هنا ۔ إن الله تعالی يقول في أية التطهير " إنما يريد الله أن ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."  ونحن نعلم من أيات القرآن أن الله تعالی "إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" فإرادة الله تعالی إذا شائت لا تتوقف ولا تعتمد أبداً علی إرادة ومشيئة البشر ، فالله مثلا ً لا يقول ولا نجد أنه  يقول "إنني أريد أن أُدخِل فلانا ً الجنة إن أراد فلان ذلك" أو يقول "إن صلی وصام فلان فإني إريد أن أدخله الجنة." أوجدوا لنا أي مثال من أيات القرآن أو الأحاديث علی مثل ذلك النوع من القول ۔ إن الله لا يربط إرادته أبداً بإرادة البشر فإن شاؤا وأرادوا تتم وتحصل من ثم إرادة الله ۔ إن هذا لا يكون أبداً ومستحيل ولا يليق بجلال الله سبحانه وتعالی عما يصفون علواً كبيراً.  ومن يقول بذلك أو يؤمن به أو حتی يظنه فهو كافر لأنه ظن بالله ما لا يليق به وألصق به ما هو ليس له أهل تماماً كمن يدعي بأن لله ولداً ۔ ولأنه أيضاً يخالف نصاً صريحاً في القرآن في سورة يس يدل علی إرتباط المشيئة الإلهية بكن فيكون فقط.

 

          ولكن إذا نظرنا إلی الأيات نجد أن الله يريد تطهير قوم فيها تطهيرا ويذهب عنهم الرجس ... وإذا أراد الله فكن فيكون فهم مطهرون بأمر الله فوراً ومباشرة وإرادته لن تتوقف علی ما قد يفعله هؤلاء المطهرون أو ما لا يفعلون بل هی إرادة نافذة ماضية فورية ۔ ولكن الزوجات المخاطبات بالأيات السابقة تُرِكت إرادة الطاعة أو المعصية لهن حتی أن الله يقول لهن "إن كنتن تردن" أي أن الإرادة والإختيار لهن فكيف نجمع هذا مع إرادة الله النافذة الغير معتمده علی إرادة البشر والمذكورة في أية التطهير "إنما يريد الله."  إن هذا لدليل واضح بيّن مؤكد علی أن زوجات النبي لا يمكن بل ويستحيل أن يكنّ المقصودات من أية التطهير ۔ لأن المطهرين المقصودين طهروا بإرادة الله وكن فيكون ولا دخل لإرادتهم ، وزوجات النبي صلی الله عليه وآله تركوا لإرادتهن إن شئن وأردن الحياة الدنيا وزينتها وإن شئن أردن الله ورسوله ۔ إن شئن أحسن وإن شئن أسئن ۔ مثلهن في ذلك مثل سائر الناس مع فرق واحد هو أن المحسنة من نساء النبي يضاعف لها الثواب إن أحسنت والمسيئة يضاعف لها العذاب إن أساءت وعدا ذلك فهن كسواهن متروكات لإرادتهن ۔ أما المطهرون المقصودون بالأية فالله طهرهم بإرادته وكن فيكون ولا دخل لإرادتهم إو إختيارهم في ذلك ۔فالأيات كلها إذن بناء علی ذلك واضحة جداً في إستحالة أن يكون زوجات النبي صلی الله عليه وآله هم المقصودين والمشار إليهن في أية التطهير ۔ إن هذا واضح  وضوح الشمس وتستطيع أن تراه كل عين ناظرة فاحصة متأملة باحثة عن الحق غير متعصبة ۔ وإنه لحق واضح للعيان ودليل وأوضح من كل دليل وبرهان يستثنی تماماً زوجات النبي كإستثناء عامة الناس من أن يكن المقصودات والمشار إليهن بأية التطهير.  فحجة سياق النص القرأني إذن التي إعتمد عليها مؤيدي هذه الإحتمالية والداعين لها هی حجة مغلوطة وعلی العكس تماماً النص القرآني نفسه يقف شاهداً علی إستحالة شمول أية التطهير لزوجات النبي صلی الله عليه وآله.

 

          ثم هناك نقطة أخری هامة تلفت النظر للمتأمل في أحداث التاريخ الإسلامي والوقائع والأحداث التي حصلت ولا يمكن فصلها عن الأيات  عندما يبحث الباحث عن الحقيقة في هذا المجال. فمِن الحقائق المسلم بها والتي ذكرها الله في القرآن عدة مرات ولا ينكرها إلا كافر أو مشرك أن الله إذا أراد شيئاً ينفذه ويتمه وذلك لقوله تعالی "فعالٌ لما يريد" ، "إن الله بالغ أمره" ، "لا راد لمشيئته" ، "إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" ، "لا راد لقضائه".  فإذا كان الله يشير بأية التطهير إلی زوجات النبي صلی الله عليه وآله فأمره نافذ فهن إذن مطهرات تطهيراً من أي رجس ولا يمكن ولا يستحيل بعد ذلك أن يأتين بمعصية أو رجس إن يكن هن المقصودات ، فإذا فعلت إحداهن معصية أو رجساً بعد أية التطهير فيستحيل إذن أن يكن هن المقصودات (لإننا نتحدث هنا عن زوجات الرسول صلی الله عليه وآله ككل فخطأ الواحدة هنا سينصب علی الكل لأن الأيات تخاطب الكل والمطهرين المقصودين هم كل)  إذ كيف يمكن أن الله طهرهم وهو فعال متم لما يريد إن كن هن المقصودات ثم يعصين ۔ إنهن أو أي واحدة منهن بمعصيتها تكون قد منعت إرادة الله أن تتم وتقع وتحدث وهذا يستحيل لأن إرادة الله لا تُمنع من الحدوث ۔ فإن عصت إحداهن فيجب الجزم حينئذٍ بأنهن لسن المقصودات المشار إليهم في أية التطهير ۔ بل ويجب الجزم والإعتقاد والتيقن حينئذ بأنهن مستثنيات وغير مشمولات إطلاقا ً وتحديداً بأية التطهير ۔ فهل إرتكبت أی واحدة منهن معصية بعد أية التطهير تتعارض مع كونها مطهرة تطهيراً ۔ معصية تصل إلی درجة الرجس ۔ هل حدثنا التاريخ بذلك ۔ فلنبحث في التاريخ ولو بحثنا سنجد الحقيقة ۔ فبعد نزول أية التطهير تظاهرت كلا من عائشة وحفصة علی الرسول صلی الله عليه وآله ودبرا مكيدة ليفرقا بينه وبين إحدی زوجاته.  ونزلت أيات سورة التحريم فيهن ۔ فهل هذا يتناسب مع كونهن المطهرين المشار إليهم في أية التطهير ۔ وبعد نزول أية التطهير أسر النبي إلی عائشة حديثاً وأمرها أن تكتمه فخالفت أمر الرسول صلی الله عليه وأله وأذاعت به فهل معصية رسول الله صلی الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوی والذي نهی الله عن معصيته تصدر عن المطهرين بكن فيكون بأرادة الله.  وهل هذه المعصية تؤهل الأنسان لمقام التطهير.  وألا ترقی إلی مرتبة الرجس فكيف تكون هی المقصودة بأية التطهير التي تذهب الرجس عن المقصودين وما فعلته هو رجس ومعصية لله ورسوله صلی الله عليه وآله ، اللهم إلا إذا قلنا أن الله أراد أن يفعل شيئاً ولكنه لم يستطيع أن يفعله ، ويبلغه وحاش لله أن نكفر بمثل هذا القول.

 

          وبعد نزول أية التطهير ووفاة الرسول صلی الله عليه وآله لم تلتزم عائشه بأمر الله في الأيات بأن تقر في بيتها وخالفت أمر رسول الله صلی الله عليه وآله وخرجت علی ظهر جمل تقود الجيوش وتثير الفتنة وتبذر بذور الحرب وتتسبب في قتل الألوف من المسلمين وتُحدث سابقة لم يحدث قبلها في الإسلام أصبح بعدها وبسببها من السهل علی المسلمين التقاتل فيما بينهم وهو محرم عليهم ، وإستسهلوا بعدها أن يشقوا عصی الطاعة وينكثوا في بيعتهم ويسفكوا دماء بعضهم البعض.  خرجت تقاتل أمير المؤمنين ونسيت أمر رسول الله صلی الله عليه وآله لها ولِلأمّة بطاعة علي وموالاة علي وعدم قتاله.  ولم تذكر أيات الله والحكمة التي تليت في بيتها وبيت غيرها مما سمعته وحفظته ولكنها نسيته وضيعته ولم تمتثل لأمر الله لها ولغيرها من الزوجات بأن يذكرن ما يتلی في بيوتهن من أيات الله والحكمة ويكُن المثل في الإمتثال لها والعمل بها.  فكانت أول خارج عليه ۔ خرجت تقاتل علي وهو الوصي عليها الموكل بها وبكافة زوجات النبي صلی الله عليه وآله من قبل الرسول الأكرم صلی الله عليه وآله قبل وفاته ۔ فهل هذا الفعل القبيح هو من قبيل تطهير الله لها؟!  وهل ينتظر أو يُقبَل من المطهرين الذين طهرهم الله تطهيرا وأذهب الرجس عنهم أن يفعلوا مثل هذا الفعل القبيح؟! هل معصية الله والرسول بهذا الشكل السافررالقبيح وقتل المسلمين وسن سنة سيئة مدمرة سيأتي ويقع ممن طهره الله تطهيرا وأذهب عنه الرجس؟! إن ذلك يستحيل!  فتلك إذن شهادة من التاريخ بأنه إذا كنا نؤمن بأن إرادة الله نافذة لا محالة وواقعة ۔ بأنه لا يمكن أن تكون الزوجات (لأن خطأً الواحدة كما قلنا سينعكس علی الكل لأن حديث الأيات هو للكل والمطهرون هم كل ، فإما كل الزوجات هم المطهرون أو لا أحد منهن) هن المشار اليهن في أية التطهير ، بل ومن المستحيل أن يكون مشمولات بتلك الأيات علی الإطلاق بناء علی ما وقع من بعضهن بعد نزول أية التطهير.  فهل أوضح من ذلك دليل دامغ يأخذ بالعقول ويجرها للحقيقة الواضحة جداً.

 

          والمتأمل أيضاً لأية التطهير يجد بها شذوذ عما قبلها وعما بعدها فلا تناسق في لفظ المخاطب ۔ فالله تعالی في كل الأيات التي قبلها لأنها موجه لزوجات النبي صلی الله عليه وآله إستخدام نون النسوة في المخاطبة "كنتن & تردن & تعالين & أمتعكن & أسرحكن & منكن & لستن & إتقيتن & تخضعن & قلن & قرن & تبرجن & أقمن & أتين & أطعن & أذكرن & بيوتكن".  هذا في كل الأيات الموجهة إليهن والتي تشير إليهن وتخاطبهن ۔ أما أية التطهير فقد قال الله تعالی فيها "إنما يريد الله ليذهب عنكم ." وكان المفروض لو كن المشار إليه ، والمخاطب هنا هن زوجات النبي صلی الله عليه وآله أن يقول الله تعالی "إنما يريد الله ليذهب عنكن ..." فيستخدم  نون النسوة كما إستخدم في كل الأيات الأخری قبل اية التطهير وبعدها الموجهة والمخاطبة لنساء النبي صلی الله عليه وآله ، فعدم إستخدام نون النسوة هنا عكس ما كان فيما سبق الأية وفيما لحقها دل دلالة قاطعة علی أن تلك الأية لم تكن تخاطب أبداً هؤلاء الزوجات كما كان الحال فيما قبلها وفيما بعدها وإلا  لإستخدم الله نون النسوة كما إستخدمها في الأيات الأخری لأنها تتحدث في نفس السياق ، فلما يشذ عنه هنا إلا إذا كان المخاطب هنا والمشار إليه قد تغير ولم يصبح الزوجات وإنما هو أشخاص أخرين ، خاصة وأنه لا يوجد حرف عطف قبل أية التطهير ليصلها ويعطفها علی ما قبلها ، ولا يوجد في داخلها أي إشارة لكونها متصلة بما قبلها فلم يقل الله مثلا ً  "وإنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس" أو "فإنما يريد الله ذلك ليذهب عنكم الرجس" أو "إنما يريد الله بذلك ليذهب عنكم الرجس."  ولو قال الله ذلك لاختلف الأمر ولأمكن أن يكون المخاطب بأية التطهير هن نفس الزوجات ولكن غياب كل ذلك يدل علی أن غيرهن هم المخاطب والمعنی بهذه الأية الكريمة.  . ولو إفترضنا صحة القول بأن أية التطهير من سياق ما قبلها وما بعدها هی تشير إلی نساء النبي صلی الله عليه وآله ۔ إننا لو صدقنا هذا لوجدنا أن أية التطهير هنا ستتحول إلی جملة إعتراضية بمعنی أنها لو أزيلت من النص لما تأثر النص في معناة علی الإطلاق لأنها مجرد جملة إعتراضية ۔ وفعلا ً لو جربت أن تقرأ الأيات كلها دون أية التطهير لما وجدت إختلاف إطلاقا ً.  في سياق المعنی والحديث والمخاطبة ۔ بل يظل الكلام مسترسلا ً إسترسالا ً منطقياً لا يخل بالنص والمعنی فيصبع كالتالي "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولی وأقمن الصلاة وأتين الزكاة وأطعن الله ورسوله وأذكرن ما يتلي في بيوتكم من أيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً."  فهل هناك فرق أو تجد فرق؟ لا فرق ، فكأن أية التطهير إذن، لو كان المخاطب بها هو نساء النبي صلی الله عليه وآله ، أصبحت جملة إعتراضية ، مجرد جملة إعتراضية لا يؤذي حذفها أو ازالتها ۔ فهل يُتصور أن تلك الأية العظيمة التي حددت وتحدد لنا المطهرين الذين سننهل منهم وسيكونون أئمتنا ومراجعنا وأوليائنا؟ مثل هذه الأية الهامة جداً والخطيرة لمسيرة الإسلام والمسلمين ستتحول إلی مجرد  "جملة إعتراضية لا يهم حذفها أو إضافتها."  إن هذا لا يمكن ويستحيل وغير وموافق للمنطق السليم ولا يقبله العقل والحكمة ۔ فلا يمكن إذن أن تكون أية التطهير إعتراضية ۔ وإذا إستحال أن تكون إعتراضية إستحال بالتالي أن تكون موجهة ومخاطبة وتشير إلی زوجات النبي صلی الله عليه وآله ۔ لأننا قلنا أنه لو كانت موجهة وتشير إلی زوجات النبي صلی الله عليه وآله للزم وصح وكانت لا بد وأن تكون إعتراضية لأن واقع النص حينئذٍ يفرض أن تكون إعتراضية ۔ فكونها لا يليق ولا يعقل أن تكون إعتراضية فهذا يدل دلالة واضحة مؤكدة علی أنها لا تخاطب أزواج النبي صلی الله عليه وآله بل تخاطب أقوام أخرين ۔ بل وأن زوجات النبي صلی الله عليه وآله مستثنين تماماً عن أن يكونوا المقصودين بهذه الأية العظيمة الكريمة العظيمة الأهمية والأثر للأسلام والمسلمين.  وإما الإعتماد علی مجرد وجود أية التطهير في مكانها فقط دون أي دليل أخر للأخذ منه بأنها ، مجرد بأنها موجودة في هذا المكان فهی إذن تدل علی ما يذهبون إليه فالقائل بهذا يتجاهل تماماً حقيقة أن القرآن الكريم نزل منجماً ولم يتنزل دقعة واحدة ، وأن الأية منه والكلمة والكلمتان والثلاث كانت تتنزل في مواقف متفرقة وأماكن مختلفة ۔ وإنما نظمت ووضعت في أماكنها وسورها بعد ذلك بأمر الله إلی رسوله صلی الله عليه وآله ولذا فمجرد وجود أية في مكان ما لا يستدل منه بالضرورة علی أشياء محددة  أو تأويل محدد إلا بعد الرجوع لحديث الرسول صلی الله عليه آله فهو الفيصل في ذلك وهو الذي يأول ويفسر ويشرح فقط لأنه لا ينطق عن الهوی إن هو إلا وحي يوحی ولذا قال النبي صلی الله عليه وآله "إنما إوتيت الكتاب ومثله معه" فالمرجع إذا في ذلك طالما وجد الخلاف ووجدت الشبهة هو حديث الرسول صلی الله عليه وآله وقوله ۔ فهل هناك حديث للرسول صلی الله عليه وآله يستند عليه مؤبدی هذه الإحتمالية والداعين لها يدل علی أن المخاطب في أية التطهير هن زوجاته. لا يوجد برغم ما وضع وكذب به من أحاديث عن رسول الله صلی الله عليه وآله، فلا نجد حديثاً واحداً ولا حتی موضوعاً أو مكذوباً يقول فيه رسول الله صلی الله عليه وآله أن المقصود والمشار إليه بأية التطهير في سورة الأحزاب هن زوجاتي ونسائي ۔ فعلی ما يستند القائلون بعد ذلك اللهم إلا التأويل والقول برأيهم في القرآن والإستباط المجرد المبنی علی مكان الأيات.  وهذا حرام وممنوع لأن الله تعالی يقول: "ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم" ، وقال "الذين يخوضون في أياتنا بغير علم ولا هدی ولا كتاب منير."  فأي قول في القرآن وتأويله بالرأي المجرد خطأً وأثم وقد قال رسول الله صلی الله عليه وآله "من قال في القرأن برأيه فأصاب فقد أخطأً" وكل علماء التفسير الممحترمون يعرفون ذلك ويعملون به ولا يستدلون علی شئ من مجرد وجود الأية في مكانها ولا يتأولون إلا بعد الإستناد أولا ً إلی أحاديث وعلم الرسول صلی الله عليه وآله ۔ فإن لم يوجد حديث فلا يحق لأحد الإستدلال أو الإستنتاج أو التأويل من مجرد وجود الأية فقط في مكانها في المصحف بالذات طالما وجد الخلاف وثارت الشبهة وقامت الحجج والبراهين علی عكس ذلك تماماً وورد من رسول الله صلی الله عليه وآله خلافة وعكسه فلا يحق لهم الأستناد والإستدلال بعد ذلك أبداً.

 

          وأما القول بأن المتعارف عليه لدی العرب هو أن أهل بيت الرجل هم أزوجه فهذه مغالطة كبيرة فعند العرب أهل البيت هم كل من يعيش معه أو ينتسب إليه أزواجه وأولاده وبناته وأحفاده ۔ الشعر الجاهلي والنوادر والأخبار والحكايات العربية القديمة تدل علی ذلك ، ولم يقل قائل أبداً أن أهل بيت الرجل هم أزواجه فقط بل هن مشمولات بالقول ولكنه لا يقتصر عليهن ۔ وصحيح أن الله تعالی إستخدم كلمة أهل البيت في مخاطبة سارة زوجة إبراهيم عليه السلام ولكنه إستخدم كلمة "الأهل" إيضاً للدلاله علی الأبناء ، فقال رداً علی نوح عندما سأله "ربي إن إبني من أهلي" قال الله تعالی "يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح" فدل ذلك علی أن كلمة أهل الرجل تشمل أبناءه ۔ واستخدمها الله للدلالة علی بنات الرجل فقال للوط عليه السلام "فأسر بأهلك بقطع من الليل" والذين سار بهم نوح هم بناته فقط وزوجته هلكت مع الهالكين.  فإستخدام الله تعالی لكلمة الأهل وأهل البيت لم يقتصر علی الزوجات ۔ وخطابه إلی سارة لم يعني أنها هی فقط المقصودة بأهل البيت ولكن الله تعالی يقول لها "رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت" أي عليكن وعلی زوجك وإبنك المنتظر وأبناء زوجك كلهم وهاجر وإسماعيل عليه السلام وحفيدك يعقوب عليه السلام وكل هؤلاء هم أهل بيت إبراهيم عليه السلام ۔ فلما إذن المغالطة المقصودة بادعاء أن أهل بيت الرجل هم زوجاته فقط والإستدلال المغلوط بمقالة الملائكة لسارة زوجة إبراهيم عليه السلام.

 

          ثم هناك ناحية وتعجب أخر لا بد أن يلتفت إليه العقل ۔ فإذا كنا قد أوضحنا الأهمية القصوی لأية التطهير بإعتبارها تشير إلی المصدر المطهر الذي يجب أن يلجأ إليه المسلمون لقيادتهم وهدايتهم وإرشادهم وولاية أمرهم ۔ فهل يعقل إذن مع كل تلك الأهمية لمصير ومستقبل الأمة أن يترك رسول الله صلی الله عليه وآله هذه الأية دون أن يوضح شخوص المشار إليهم بها ۔وهو الذي كان يوضح ويفسر معظم أيات القرآن الكريم ۔ فهل سيتوقف هنا ولا يرشد ولا يوضح تفسير وتأويل هذه الأية الهامة بالذات ، ويتركها مبهمة محيرة لأمته وهی الحيوية والهامة لهم ۔ هل هذا يُعقل أو يتصوره العقل؟!  إنه غير معقول وغير متصور الحدوث والمعقول والمتوقع والمنتظر أن يفسر لنا رسول الله صلی الله عليه وآله هذه الأية ويوضح لنا بالتحديد شخوص هؤلاء المطهرون حتی لا نختلف عليهم سواء كن الزوجات أو غيرهن ۔ ولذا علينا البحث في أحاديث رسول الله صلی الله عليه وآله  لنری هل ورد عنه أي حديث صحيح يدل دلالة أكيدة علی أنهن المقصودات بأية التطهير والمشار إليهن بها ۔ فإذا لم نجد ولن نجد فهذا دليل علی أنهن لسن المقصودات ۔ فما بالك إذا وجدنا أحاديث متواترة عديدة عن رسول الله صلی الله عليه وآله تنص علی غيرهن دونهن فهذا دليل أقوی وأدفع علی أنهن لسن المشار إليهن بأية التطهير بل مستثنات من هذه الإشارة تماماً.

 

          والأن وبعد هذه الدراسة للإحتمالية الأولی ۔ هل نجد أن العقل يتقبلها؟  وما هو الأستنتاج الواضح الذي يفرض نفسه بعد ما بحثناه وتبيناه ووجدانه ۔ إن العقل والمنطق والإيمان والفكر والدليل والبرهان والحجة وكل ذلك يؤكد تماماً بما لا يدع مجالا ً للشك بطلان هذه الإحتمالية تماما وبطلان وعدم صحة دعائهما وسخف وزيف وأحياناً كفر ما تستند عليه من وما يقدمه الدعاة والمروجين لها من حجج وبراهين ۔ بل والإستنتاج الهام الذي نتوصل إليها من كل الدراسة السابقة هو أنه ليس فقط أن زوجات النبي صلی الله عليه وآله لسن المشار إليهن في أية التطهير بل إنهن مستثنات تماماً من هذه الإشارة ولا يمكن بأي حال ويستحيل أن يكن حتی من ضمن المشار إليهم فإنهن مستثنات إستثناء خاصاً كاملا ً منها ۔ وكأن وجود أية التطهير وسط الأيات التي تتحدث عن وتخاطب أزواج النبي صلی الله عليه وآله دل وأوضح برهان علی عكس ما يريد البعض أن يذهب إليه تماماً ۔ فقد دل هذا الوجود لأية التطهير في ذلك المكان كما رأينا علی أنهن لا يمكن ويستحيل أن يكن المشار إليهم أو حتی ضمن المشار إليهم في هذه الأية العظيمة ۔ ولربما لو وجدت أية التطهير في مكان أخر في سورة أخری لما كان يمكن إثبات ذلك الإستثناء لزوجات النبي صلی الله عليه وآله منها كما دل وجودها في وسط الأيات التي جائت وسط سورة الأحزاب ۔ وكأن الله تعالی أراد بذلك الموضع للأية أن يدلنا علی أن الزوجات لسن المرادن بأية التطهير.  وكأن الله تعالی أراد لنا ألا نقع في هذا اللبس الذي كنا سنقع فيه حتماً لو أن أية التطهير جاءت وسط أيات أخری تماماً ۔ إذ كان العقل سيظن فوراً أن أهل البيت هن زوجات النبي صلی الله عليه وآله أو هن ضمن ومشمولات بكلمه أهل البيت ولا يبقی أي دليل أو حجة علی غير ذلك ۔ فالحمد لله رب العالمين الذي أظهر الحق جلياً في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه والذي هو هدیً للعالمين وتبياناً وتفصيلا ً لكل شئ ، تنزيلٌ من رب العالمين ۔ ولم يبقي حجة بعدها للمغرضين أو المعاندين أوالسفهاء أو المنكرين أو الكافرين أو المنافقين والحمد لله رب العالمين.

 

          وإذا كنا توصلنا الأن لهذه الإستنتاج وتلك الخلاصة فبها أيضاً ينتهي الإحتمال الثالث ويصبح مرفوضاً وبغير أساس حيث أن هذا الإحتمال يقول بأن المطهرين هم زوجات النبي صلی الله عليه وآله مضافاً إليهم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.  وبما أننا توصلنا إلی أن الزوجات مستثنيات تحديداً وتخصيصاً من المطهرين المشار إليهم في الأية الكريمة ولسن مشمولات بهذه الأية فلا يبقی إذن أي أساس لهذه الإحتمالية الثالثة وتكون قد سقطت وتلاشت وإنتهت كصاحبتها.

 

          ولا يبقی الأن أمامنا إلا الإحتمال الثاني فقط وهو أن المطهرين المشار إليهم في الأية الكريمة هم فقط وتحديداً علي إبن أبي طالب عليه السلام وفاطمة بنت محمد (عليها السلام وعلی أبيها وبعلها وبنيها أفضل الصلاة والسلام) والحسن والحسين عليهما السلام.  فهو إذن الإحتمال الوحيد الصحيح والقابل للتصديق والأقرب للعقل والمنطق ، ويكون لا مفر لنا من القبول والأخذ به والتسليم له ولا مهرب من ذلك خاصة إذا أضفنا إلی ذلك حديث الكساء المتواتر والأحاديث الأخری الكثيرة والصحيحة التي وردت عن رسول الله صلی الله عليه وآله والتي تنص صراحة ودون أي لبس أو شبهة أو مواربة علی أن المطهرين المشار إليهم بأية التطهير المقصودين بها وبكلمة أهل البيت فيها هم فقط علي وفاطمة والحسن والحسين سلام الله تعالی عليهم أجمعين ۔ وهو ما كان متوقعاً أن يفعله رسول الله صلی الله عليه وآله. أن يحدد لنا هوية المطهرين حتی نلتزمهم ونواليهم ونأخذ عنهم.  وها قد فعله رسول الله ولم يفعل غيره ولم يحدد غيرهم ، ولم يرد عنه أنه حدد غيرهم أو أشار إلی غيرهم فأي خلاف إذن يبقي بعد هذا اللهم إلا من قد سفه نفسه أو نكث علی عقبيه أو عاند وجحد نعمة ربه وساء أولئك مصيراً وما هؤلاء بالمؤمنين ولا بالمسلمين.

 

          وإذا علمنا أن علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام كانوا خلال حياتهم كلها قبل وبعد وفاة الرسول الأكرم صلی الله عليه وآله وحتی مماتهم مثالا ً في الطهر والنقاء والإيمان والعلم واليقين والإخلاص والوفاء والنصح للإسلام والمسلمين ، ولم يعرف عنهم أبداً سقطة ولا زلة ولا هفوة ولا كبوة ولا فاحشة ولا معصية لله ورسوله صلی الله عليه وآله بأي صورة ، وشهد لهم بذلك عدوهم قبل صديقهم ومبغضهم قبل محبهم ، وشهد عليه تاريخ الإسلام كله ، ولم يعرف عنهم ابداً ما يتنافی أو ما يخرجهم عن مقام التطهير الذي إختصهم به رب العالمين ۔ يكون هذا إذن دليلا ً أخر علی أن ما أراده الله قد أنفذه وأتمه وهذا هو ما يوافق العقل فإن ما يريده الله هو بالغة وها هو قد بلغه فيهم فهم الطاهرون المطهرون بنص الأية وبأرادة الرحمن وهم الطاهرون والمطهرون فعلا ً وحقاً وحقيقة في الحياة أمام العيون وأمام المسلمين وأمام التاريخ.  فالأية إذن قد تمت وتحققت بهم وفيهم فهی إذن كانت تشير إليهم وتتحدث عنهم وتخاطبهم سلام الله تعالی عليهم وهذا هو أكبر دليل علی صحة ذلك وسلامته.

 

          وإننا لا نجد ابداً في طول القرآن كله أية واحدة تُقَوّم هؤلاء الخمسة أو تهددهم أو تنذرهم أو تتوعدهم أو تحذرهم بل علی العكس ، إننا نجد أيات كثيرة تمدحهم وتبشرهم بالمقامات الكريمة وتشرفهم بالدرجات الرفيعة وتخصهم بالمنزلة الكريمة ، وتحث علی ولايتهم وطاعتهم وعدم الخروج عليهم أو النهل من غيرهم.   وأفلا يوافق هذا كله مقام التطهير ويتماشی ولا يتعارض ، وألا يدل إذن علی أنهم المطهرون حيث نالوا من الله من المدح والثناء والبشارة والدرجة الرفيعة والإختصاص ما لم يناله غيرهم عدی الأنبياء والرسل.  فمن يكون المطهرون المقصودون إذاً إن لم يكونوا هم إذ كانوا أهلا ً لمقام التطهير ولم يتوفر هذا لغيرهم لا من زوجات ولا من صحابة ولا من أحد من الأمة ، فأي شك يبقی بعد ذلك يا أولي الألباب ويا أيتها الأمة المسلمة في أن هؤلاء هم فقط أهل البيت المشار إليهم في أية التطهير وأنهم حقاً وصدقاً الذين أذهب الله تعالی عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وصدق الله العظيم وصدق وعده وأنجز ما أراد وأتم ما وعد وأنفذ ما شاء وقدر وتمت كلمته صدقاً وعدلا ً والحمد لله رب العالمين.

 

          لقد جعل الله الكريم برحمته لهذه الأمة نبعاً طاهراً وخلق له نهراً مطهراً للتنهل منه وتتطهر به فأبت الأمة إلا أن تبحث عن كل نبع خبيث وماء راكد ملوث لتنهل منه فتزداد به رجساً وضلالا ً إلی ضلال ، فواسوأتاه وليتها إكتفت بهذا بل راحت الأمة تحاول طمس النبع الطاهر وتسعی في ذمه وما إنفكت تحاول ردم وتجفيف النهر الطاهر المطهر الذي حباها الله به.  ولكن أني لها ذلك والله متم نوره ولو كره الكافرون ۔ فالله تعالی الذي طهر النبع والنهر بإرادته وأمره سيبقيه علی مر الدهور طاهراً نقياً لكل من يريد أن ينهل منه ويطهر نفسه ويطهر قلبه ويلقی الله بقلب سليم.  وذلك حتی يرث الله الأرض ومن عليها وصدق الله العظيم إذ قال إنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون.

 

          لقد أراد الله بحكمته ومشيئته لأية التطهير أن تكون فتنة للناس فوضعها في ذلك المكان بالذات من سورة الأحزاب ۔ فتنة ينجو منها من أمن بالله ورسوله حقاً ولم يعاند ولم يكذب ولم ينافق ولم يكفر ولم يتبع هواه ولم يُغلّب عصبيته ولم يقع ضحية لسذاجته وضعف تفكيره ، ويسقط فيها المعاندون والمنافقون والمكذبون والمتعصبون والكفار والسفهاء من هذه الأمة  ۔ ولا عذر لمن يسقط فيها وقد وضح الحق وظهر وبان علی مر الأزمان ولمم يستصعب علی العقول إدراكه كما أوضحنا ، وبعد أن أوضح لنا رسول الله صلی الله عليه وآله الحق من الباطل والصواب من الخطأ  والنور من الظلام ۔ ومن شاء بعد ذلك أن يتخذ إلی ربه سبيلا ً طاهراً طهره الله بنفسه وبإرادته فليتخذه ۔ ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم كانوا يظلمون ومن يضل أو يكفر أو يعاند او يكذب فلن يضر الله شيئاً والله غني عن العالمين وسيجزي الله الشاكرين ولا عدوان إلا علی الظالمين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام علی أشرف المرسلين محمد وعلی آله ، علي وفاطمة والحسن والحسين الطيبين الطاهرين المطهرين بمشيئة وإرادة وأمر رب العالمين رغم أنف الجاحدين والحاقدين والسفهاء المعاندين  والمكذبين والكافرين ، وألا لعنة الله علی الظالمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.